خاصl خيمة وماشية وطائرة مسيّرة.. كيف تعيد المزارع الرعوية رسم جغرافيا الضفة؟
شبكة قدس الإخبارية -

خاص قدس الإخبارية: لم تعد الحرب على الأرض في الضفة الغربية تُدار عبر القرارات التنظيمية العسكرية أو بناء الكتل الخرسانية الضخمة فحسب، بل باتت تُحسم في العراء، عبر قطيع من الماشية، ومركبة دفع رباعي، وطائرة مسيّرة صغيرة، يتنقل بها فتية مقنّعون ومسلّحون يُعرفون بـ "شبيبة التلال".

عبر نمط "المزارع الرعوية"، تحولت هذه الجماعات الاستيطانية من ظاهرة تمرد شبابي هامشية إلى شبكة استيطانية منظّمة تتمدّد بشكل متسارع لتلتهم مئات آلاف الدونمات، وتدفع التجمعات الفلسطينية نحو التهجير القسري الصامت، ضمن استراتيجية تهدف إلى تقويض الحدود الإدارية لاتفاقية أوسلو وحسم الصراع الميداني لصالح السيادة الاستيطانية الكاملة.

خريطة توثيقية تُظهر انتشار «المزارع الرعوية» وتطويقها لمناطق (أ) و(ب) لتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية.

وفي تحليل البعد الاستراتيجي لهذا النمط، يوضح الباحث في السياسات الإسرائيلية د. عدنان نعيم أن ما يشهده الميدان هو انسجام كامل مع "خطة الحسم" الصهيونية التي اقترحها سموتريتش عام 2017 وتنفذها حكومة الاحتلال بكافة أجهزتها الأمنية والمالية، حيث يقول: ”الاستيطان الرعوي نموذج يتجاوز التوسع التقليدي، فهو لا يحتاج استثمارات ضخمة، بل يبدأ بخيمة وكرفان وقطيع أغنام لتتحول المنطقة المحيطة تدريجياً إلى مجال سيطرة فعلية. الفكرة ليست تربية المواشي بحد ذاتها، بل استخدام الرعي لفرض أمر واقع، فعندما يُمنع المزارع الفلسطيني من الوصول لأرضه بالترهيب، تتحول تلقائياً لنفوذ المستوطنين دون حاجة لقرار مصادرة رسمي. هذه الاستراتيجية تحقق للاحتلال توسيع السيطرة بأقل كلفة، وتفريغ الريف الفلسطيني، وخلق حقائق ميدانية يصعب التراجع عنها، وصولاً لجعل حياة الفلسطيني مستحيلة على أرضه تمهيداً للطرد الكامل.“

خريطة تُظهر انتشار ”المزارع الرعوية“ وتطويقها لمناطق (أ) و(ب) لتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية.

فيما يلخّص المختص في الشأن الإسرائيلي الدكتور محمد هلسة الأهداف المركزية لهذه الممارسات بقوله ”حارب الإرهاب اليهودي في الماضي من أجل ما سمّاه "حق الشعب اليهودي في إقامة دولة ذات سيادة في أرض إسرائيل"، أمّا اليوم وقد أقيمت هذه "الدولة"، فإن هؤلاء يمارسون الإرهاب لأسبابٍ ثلاثة رئيسية، أولها الانتقام لمقتل يهود، وثانيها إحباط أي عملية سياسية تشمل الانسحاب الإسرائيلي من أراضٍ فلسطينية؛ وثالثها، وهو الأهم، التعجيل في النهاية، أي تقريب الفداء، الذي يتضمن تحوّل "دولة إسرائيل" من علمانية ليبرالية إلى دولة "الهالاخا" الشريعة اليهودية.“

 ​​​​​​الهويّة والأيديولوجيا: من هم "شبيبة التلال“؟

 تتشكل النواة لهذه الجماعات من فتية وشبان تتراوح أعمارهم في الغالب بين 14 و25 عاماً. ينحدر معظمهم من عائلات تنتمي للتيار الصهيوني الديني في مستوطنات الضفة الغربية والمدن الكبرى، مع نسبة عالية مما يُعرف اجتماعياً بـ "الشباب المتسرب" من المدارس الدينية أو"الفتية المعرضين للخطر" بحسب تسمية حكومة الاحتلال، وهم الذين يعانون أزمات عائلية وشخصية ذهبت بهم إلى التلال لأسباب فردية وجعلوا من الأيديولوجيا غطاءً ومحفزاً.


 ينشأ هؤلاء الفتية على أيديولوجيا كاهانية راديكالية تستمد مفاهيمها من كتابات متطرفة يُعيد بعضها تفسير النصوص الدينية (مثل كتاب "توراة الملك") لشرعنة السيطرة الفردية وقتل وتطهير غير اليهود. يعتقد أعضاء "شبيبة التلال" بأنهم الخلفاء الحقيقيون لليهود في فترة الكتاب المقدس، ويرون في الاستيطان وسيلةً لتعجيل مشيئة الله وتحقيق "الفداء الماشيحاني"، وينظرون إلى وجود الفلسطينيين كـ "عائق طارئ" يجب إزالته.

وعن كيفية توظيف النص التوراتي لشرعنة العنف ونفي الآخر، يقرأ د. عدنان نعيم الدور التعبوي للمؤسسات الدينية الاستيطانية بأنه ”الخطورة تكمن في توظيف الدين كأداة سياسية لإلغاء حقوق شعب آخر وليس في التدين بحد ذاته. فمنذ عام 1967، ثم بوضوح أكبر بعد تسعينيات القرن الماضي، ضغطت المجموعات الاستيطانية لزيادة ميزانيات المعاهد الدينية التعبوية، التي أنتجت نموذج تعبئة يعتقد أن "الأرض موعودة من الرب، ويجب السيطرة عليها وقتل أو مواجهة كل من يعارضها". وهذا يفتح الباب على مصراعيه لتبرير العنف والتهجير القسري ضمن منظومة تنفي الآخر بشكل كلي.“
 

وتعود جذور التسمية إلى تصريح أرئيل شارون عام 1998 عندما قال: "اركض وامسك التلال... كل شيء نَحُوزُه سيكون في أيدينا، وكل ما لا نَحوزُه سيكون في أيديهم". وعلى الرغم من تدني مستواهم في التعليم الأكاديمي والمدني، إلا أنهم يتلقّون تمارين مكثفة في البناء البدني وأساليب القتال والدفاع وحيازة واستخدام الأسلحة النارية بمختلف أنواعها، بالإضافة إلى تدريبات عملية في مهارات الزراعة والبناء، قيادة مركبات الدفع الرباعي، رعي المواشي، وتشغيل التكنولوجيا الحديثة كطائرات التصوير والمراقبة.

وحول الخلفية السلوكية لهؤلاء الفتية يقول هلسة : ”طور جيلٌ من الفتية، سلوكاً يسمح بالانفصال عن أي إطار رسمي، مدفوعين بالاحتقار لأي شخص يمثل المؤسسة الرسمية، بل وبعض حاخامات اليمين "المعتدل"، ما قادهم إلى تبني أفكار فوضوية في ما يتعلق بـ"الدولة" والسلطات المختصة.“

 ​​​​​تحرّكات تديرها هيكلية منظّمة

لا يعمل المستوطنون دائماً بمعزل عن البيئة الرسمية، فهناك فرق بين وجود أفراد يرتكبون اعتداءات، وبين مناخ سياسي يوفر الحماية أو التساهل أو حتى الشرعنة لهذه الممارسات. فمجموعات "شبيبة التلال" تتحرّك وفقاً لهيكل تنظيمي تتوزع فيه الأدوار بين المستوى السياسي والرسمي والمستوى الميداني في دعم وتوجيه شبكة المزارع والبؤر الاستيطانية على النحو التالي:

أولاً: قادة الذراع السياسية

        إيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي): يتولى الغطاء السياسي والأمني الحكومي وتأمين الحماية والشرعنة الرسمية للنشاط الاستيطاني وممارسات المجموعات الميدانية للمستوطنين.

        بتسلئيل سموتريتش (وزير المالية): يشرف على تخصيص الميزانيات والأراضي وتذليل العقبات الإدارية لشرعنة البؤر الاستيطانية وتطوير بنيتها التحتية.

ثانياً: المستوى التخطيطي والتنفيذي

        يهودا إلياهو: رئيس إدارة الاستيطان في وزارة ”الدفاع“، وتعيّن حديثاً بمنصب مدير لسلطة أراضي إسرائيل، لمتابعة بمهام التخطيط والمتابعة الحكومية لتنظيم البؤر وتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي، قبل أن يتم إقالته بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية بسبب اعتراضات تتضمن مخاوف من تضارب المصالح كونه مقرّب من سموتريتش، لكنه كان بالفعل خلال تولّيه المنصب قد قام بتوقيع الاتفاقية الشمولية مع المجلس الإقليمي للمجلس الاستيطاني "شومرون" وأخرى مع المجلس المحلي "كرني شومرون" والتي ستسمح بضخ مليارات الشواقل إلى المستوطنات وبناء آلاف الوحدات الاستيطانية.

        أفيحاي سويسا: مدير العمليات الميدانية في منظمة "هشومير يوش"، ما يعني أنه المسؤول المباشر عن إدارة وتوزيع المتطوعين والكوادر لحماية البؤر والمزارع الاستيطانية. فرض عليه الاتحاد الأوروبي عقوبات دولية، والتي يعمد مع المنظمة لتحويلها إلى "وسام فخر" لاستقطاب التبرعات الماليّة من اليمينيين المتطرفين.

        زئيف (زَمْبِيش) حيفر: من كبار قادة مجلس "يشع" للاستيطان ومدير عام حركة "أمانا"، التي تُعد المؤسسة الأكبر في تخطيط وإنشاء البؤر الزراعية والمزارع الرعوية.

ثالثاً: الذراع الميدانية (قادة البؤر والمزارع)

        أليشع يَرِد: ناشط ومتحدث إعلامي ميداني بارز لشبيبة التلال عمل متحدثاً إعلامياً لعضوة الكنيست ليمور سون هار-ميلخ، ليشكل حلقة الوصل المباشرة بين ميليشيات الميدان والمؤسسة التشريعية في دولة الاحتلال. يمارس عبر منصاته الرقمية التي يتابعها عشرات الآلاف تحريضاً يومياً يُظهر الرعاة الفلسطينيين كـ "معتدين" والمستوطنين في موقع "الدفاع عن النفس"، ويروّج لحملات التمويل واستقطاب الفتية المتسرّبين لتجنيدهم كـ "رعاة حراسة“. وهو مدرج على قوائم العقوبات البريطانية والأوروبية.

        غبرئيل كاليش: أحد القادة الميدانيين والمشرفين على إدارة المزارع والبؤر الرعوية في الميدان. يعمل مسؤول الأمن العسكري في مستوطنة "مفؤوت يريحو" قرب أريحا، وغالباً ما يظهر وهو يرتدي الزي العسكري لجيش الاحتلال.

        زوهر صباح: أحد النشطاء والقادة الميدانيين في إدارة وتثبيت البؤر الاستيطانية، وهو مؤسس بؤرة استيطانية رعوية "مزرعة زوهر وريوت" عام 2022 في جنوب غور الأردن، وُجّهت إليه لائحة اتهام في المحكمة المركزية بالقدس بتهمة الضلوع في أعمال عنف واعتداءات في محيط البؤرة الاستيطانية، بالإضافة إلى فرض عقوبات دولية عليه.

        ينون ليفي: المتهم الرئيسي بقتل الشهيد عودة الهذالين في مسافر يطا، أُفرِج عنه بعد اعتقاله الأوّلي، ولاحقاً قُدِّمت ضده لائحة اتهام. في أغسطس 2026، توجه ليفي إلى النيابة العامة بطلب لإعادة النظر في لائحة الاتهام، مدعياً أن الوضع الأمني يبرّر استخدام السلاح للدفاع عن النفس. وليفي مؤسس "مزرعة ميتاريم" جنوب الخليل ومدرج على قوائم العقوبات الدولية، لقيادته مجموعات مسلحة تنفّذ اعتداءات وتهاجم التجمعات البدوية في منطقة جنوب الخليل ما أدى إلى تهجير عدد منها.

        أليآف ليبي: من القيادات الميدانية والمؤسسين للبؤر الرعوية وعضو اللجنة الإدارية لـ "اتحاد المزارع". أشرف على تأسيس عدد من المزارع والبؤر الرعوية، ويقود منتدى وحملة "إلى البيت" للاستيلاء على أراضي منطقتي (أ) و(ب) وإلغاء اتفاقيات أوسلو. يلخص استراتيجيته بقوله في مقابلة حديثة له: ”بعد الحمار يأتي الجرّاف.. المكان الذي يمر منه شريط مشاة الأقدام، هو نفسه المكان الذي سيمر منه الطريق المعبّد لاحقاً. هكذا تعمل الصهيونية، ونحن نعمل يداً بيد مع دولة إسرائيل.“

إلى جانب الهيكل القيادي، يعتمد المشروع على شبكة من المؤسسات السياسية والقانونية والمالية على رأسها منظمات وجمعيات يهودية ونخب سياسية حاكمة ومؤثرة في الولايات المتحدة الأمريكية، تؤدي أدواراً متكاملة في التخطيط والتمويل والحماية القانونية مما يضمن تحويل التحركات الفردية إلى مشروع استيطاني ممنهج يُدار بتنسيق عالٍ بين الجماعات الاستيطانية في الميدان والجهات التنفيذية والتشريعية.

شبكة الإسناد وتكامل الأدوار

ومن أبرز المؤسسات التي تتضمنها شبكة إسناد "شبيبة التلال" وحركة الاستيطان الرعوي:

        حركة "نحالا" (الميراث): تأسست عام 2005 على يد الحاخام موشيه ليفينغر ودانييلا فايس المعروفة ب"عرابة الاستيطان"، وهي من أبرز الحراكات الداعية لإعادة الاستيطان لغزة وتوسيع البؤر العشوائية.

        منظمة "هشومير يُوش" (الحارس): أول منظمة استيطانية عسكرية في الضفة ولها امتداد  تاريخي يسبق عام 1909 حيث كانت تشكل الجهة القائمة بأعمال الحراسة للمستوطنات اليهودية، ثم توسعت لتعمل على تأسيس المستوطنات، وحالياً تعتبر الذراع التنفيذي الذي يقود عمليات التجنيد والتدريب وتوفير الحراسة والمتطوعين لدعم المزارعين الاستيطانيين.

        حركة "رغافيم" (قطع التراب): تأسست عام 2005 على يد سموتريتش ويهودا إلياهو كمؤسسة غير حكومية لرصد العمران والزراعة الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج) وملاحقتها قضائياً. ثم بدأت تتحول تدريجياً إلى الإدارة العليا المختصة في تلك الأراضي.

        منظمة "حنينو" (اعفُ عنّا): مؤسسة حقوقية تأسست عام 2004 ومقرّها في مستوطنة "كريات أربع" في الخليل، متخصصة في تقديم الغطاء القانوني السريع والدفاع عن الجنود والمستوطنين من عناصر التلال عند اعتقالهم أو التحقيق معهم حول ارتكابهم أعمال عنف و اعتداءات  ضد الفلسطينيين.

        شركة "أمانا" (العهد): تأسست عام 1979 وتعتبر المؤسسة الأكبر العاملة في تخطيط وإنشاء مستوطنات وبؤر جديدة بالتعاون مع سلطات الاحتلال، إلى جانب عملها بشكل غير قانوني في الاستيلاء على الأراضي وبناء البؤر الاستيطانية الزراعية.

من "النقرة" إلى الجرافة.. كيف تُموّل المزارع الرعوي؟ 

تتكامل أدوات التمويل عبر استخدام منصات التمويل الجماعي الرقمي وشبكات الجمعيات المعفاة من الضرائب في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى غربية. ولا يُجمع المال لأغراض إغاثية، بل يتجه مباشرة لتجهيز بنية تحتية تشمل:

        المعدات الثقيلة وآلات التجريف: جمع تبرعات مخصصة لشراء خدمات البواقر، والجرافات، والتراكترونات لشق الطرق الاستيطانية وتجريف الأراضي.

        الماشية والأغنام: شراء قطعان كاملة بتكلفة تصل لعشرات آلاف الشواقل، حيث تُستخدم كـ "جيوش ناعمة" تضاعف المساحات المستهدفة بالسيطرة.

        التقنيات والمركبات: شراء طائرات مسيّرة للمراقبة، مناظير ليلية، أجهزة لاسلكية، وسيارات دفع رباعي تتناسب و المرتفعات الجبلية والسهول الوعرة ويمكن استخدامها في عمليات المطاردة.

        المؤن واللوجستيات: تأمين الخيم والبيوت المتنقلة "الكرفانات"، الألواح الشمسية، خزانات المياه، والمواد الغذائية.

        المنصات الرقمية: يُشكّل موقع شبيبة التلال الإلكتروني الذراع المالي والإعلامي الرقمي لحركة "شبيبة التلال"، حيث تُسخّر المنصة لجمع التبرعات لتأمين احتياجات المزارع الرعوية والتفافاً على الملاحقات المالية والعقوبات الدولية عبر بوابات دفع مخصصة تُغذي المخططات والطواقم الميدانية.

العقوبات الدولية: فرصة لاستقطاب العطف والتمويل الصهيوني

لم تعد اعتداءات "شبيبة التلال" والمزارع الرعوية مجرد قضية ميدانية محليّة، بل تحولت إلى ملف إرهاب اعتُرف

به دولياً. أمام استفحال العنف المنظم للمستوطنين وما يرافقه من قتل وتشريد قسري خاصة للتجمعات البدوية، فاضطرّت الإدارة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، إلى جانب دول مثل بريطانيا، كندا، فرنسا، والنرويج، لإصدار قرارات حظر سفر وتجميد أصول ضد أبرز القادة والنشطاء الميدانيين والجمعيات الداعمة لهم. لكن في ذات الوقت استغلّ المستوطنون هذه العقوبات وحوّلوها إلى شهادة على نكايتهم بالخصوم وفاعليتهم الميدانية، واستعطاف المتضامنين من اليمين المتطرّف في دولة الاحتلال والمجتمعات الصهيونية بالخارج، وللالتفاف على هذه العقوبات أطلقوا منصات رقمية وحملات للتبرع لجمع الأموال والتبرعات العينية تحت مسمى "دعم المزارع المحاصرة دولياً".

ومن أبرز القيادات المدرجة على قوائم العقوبات:

        تسفي بار يوسف: مؤسس "مزرعة تسفي" قرب رام الله، المدرج لارتكابه أعمال عنف وترهيب ضد المزارعين الفلسطينيين وتجريدهم من أراضيهم بقوة السلاح.

        موشيه شاربيت: صاحب "مزرعة موشيه" في الأغوار، المصنف لقيادته هجمات منظمة وتضييق الخناق اليومي على الفلسطينيين.

        بنتسي جوبشتاين: مؤسس حركة "لاهوفاه" المتطرفة، المدرج لقيادته حملات تحريض عنصرية وعنف ممنهج.

        دانييلا فايس: رئيسة حركة "نحالاه"، المشمولة بالعقوبات الأوروبية لدورها التخطيطي والمالي المباشر في تأسيس البؤر الاستيطانية وتهجير الفلسطينيين.

        باروخ مارزل: أحد أبرز قيادات التيار الكاهاني المتطرف الملاحق بدواعي الحشد والتحريض المباشر على التطهير العرقي.

فاتورة الانتهاكات، الميدان العاري، وحدود السيادة

تكشف بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2026 عن تجاوز الرعي الاستيطاني مفهوم الفتية الفوضويين إلى أدوار وظيفية محددة ضمن استراتيجية هندسية واضحة، إذ تشير الأرقام إلى تسجيل ما يزيد عن 200 بؤرة استيطانية جديدة منذ بداية العام، من بينها 29 بؤرة أنشأها المستوطنون في تموز/يوليو وحده، وتوزعت على تسع محافظات تقدمتها نابلس بـ8 بؤر ورام الله بـ5 بؤر.

لا تعتمد هذه البؤر على التوسع العمراني التقليدي أو الكتل الخرسانية المكلفة، بل تكتفي بخيمة من القماش، وقطيع من الماشية، ومركبة دفع رباعي، وطائرات تصوير مسيّرة حال توفرها، لتخلق عبر هذه الأدوات البسيطة "نظام حماية عسكري" يطوّق عشرات الكيلومترات.

وتُظهر النتائج الميدانية لهذه الآلية نمطاً منظماً للتهجير الصامت، إذ أدى هذا التمدد وسلسلة الاعتداءات المسجلة البالغة 798 اعتداءً مباشراً من المستوطنين خلال شهر تموز/يوليو إلى التسبب بتهجير أكثر من 82 تجمعاً بدوياً ورعويّاً بالكامل منذ مطلع 2026. وبذلك تُحقق "شبيبة التلال" بالرعي المسلح التغيير الديموغرافي والجغرافي وقضم أراضي المنطقة (ج) دون حاجة لدبابات أو قرارات ضم رسمية.

وتُظهر المعطيات الميدانية وجود توزيع أدوار واضح بين أجهزة الاحتلال والمستوطنين، إذ يتدخل الجيش الإسرائيلي لتأمين الحماية للمستوطنين أثناء اعتداءاتهم، ويطلق النار ويعتقل الفلسطينيين المدافعين عن أنفسهم وأرضهم وممتلكاتهم. أما شرطة الاحتلال فتكتفي في الغالب بتقييد القضايا ضد مجهول وإغلاق التحقيقات دون اتخاذ إجراءات قانونية. كما أن الإفراجات القضائية المتكررة عن قتلة الشهداء —كما حدث مع أليشع يرد المتهم بقتل الشهيد قصي معطان من قرية برقا شرق رام الله عام 2023— توضح حجم الدعم الصريح الذي يحظى به هؤلاء من قادة اليمين مثل وزيري الأمن القومي والمالية بن غفير وسموتريتش.

وحول جدلية الموقف الرسمي من اعتداءات المستوطنين واعتبارهم "فتية متسربين"، يؤكد د. عدنان نعيم أن هذا الإرهاب أصبح بنية أصيلة في الدولة، موضحاً: ”إرهاب المستوطنين لم يعد تصرفات فردية معزولة، بل جزءاً من منظومة تتداخل فيها الأيديولوجيا والسياسة. لكن في المقابل، يجب إدراك أن هذا المشروع الاستيطاني يخلق أعباءً أمنية وسياسية على إسرائيل نفسها، ويزيد عزلتها الدولية، ويعمق الانقسام داخل مجتمعها. لذلك نحن أمام معركة على الأرض ومعركة على الرواية.“

وقد أصبحت دولة الاحتلال ومؤسساتها اليوم تستجيب بشكل علني لادعاءات المستوطنين وتحريضهم على التجمعات الفلسطينية، في سعي لتبرير استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين وجعل الحياة مستحيلة أمامهم ودفعهم للهجرة، مما يخلق مساحة للمستوطنين للتفرد بالأرض وتسهيل تنفيذ مخططات التوسع الاستيطاني. وفي هذا الصدد، يوضح الباحث د. محمد هلسة ”أن هذا التعامي تُغذيه نوازع أيديولوجية توراتية ترى في كل فلسطين أرضاً موعودة، وأنّ قادة الصهيونية الدينية يرفضون قبول احتمال أن يكون بعضهم إرهابياً، بل يؤمنون بأنه "لا يوجد شيء اسمه "إرهاب يهودي".“

في المقابل، يقف الواقع الإداري للسلطة الفلسطينية عاجزاً ميدانياً بسبب التزامها الأحادي بقيود اتفاقية أوسلو، التي يعمل المستوطنون على إنهائها على أرض الواقع وعزل التجمعات الفلسطينية لمنع إقامة أية مظاهر لدولة أو سيادة فلسطينية في الضفة الغربية. وتنحصر الاستجابة الرسمية لمؤسسات السلطة في تقديم التنديدات والمناشدات للمجتمع الدولي، وتوثيق البيانات والإحصائيات فتبدو وكأنها مجرّد طرف ثالث مراقِب، وحين يتوفر التمويل تقوم في بعض الأحيان بتقديم تعويضات جزئية وإغاثية محدودة عبر الهيئات المحلية وبالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني.

وحول سبل الخروج من واقع الانكفاء الإداري وردود الفعل، يجمل د. عدنان نعيم رؤية المواجهة الميدانية والقانونية بقوله:

”المواجهة تبدأ بفهم طبيعة الخطر، والمطلوب استراتيجية صمود متكاملة ترتكز على حماية الأرض، ودعم المزارعين، وتعزيز الوجود في المناطق المهددة، وتوثيق الجرائم قانونياً وإعلامياً، وبناء خطاب فلسطيني موجّه للعالم بلغة الحقوق والقانون الدولي. يجب الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة، لأن الأرض لا تُحفظ بالشكوى من فقدانها، بل بالوجود المباشر عليها وبناء أدوات شعبية وسياسية لحمايتها.“

وبينما تُركت المقاومة الشعبية بإمكانياتها البسيطة وحيدة أمام منظومة استيطانية تتصاعد وتشتد هجماتها يومياً، فإن ما يحدث على قمم تلال الضفة الغربية وفي أغوارها ليس حوادث منفردة لفتية متمرّدين، بل مخطط استراتيجي منظّم وطويل الأمد، تلتقي فيه الأيديولوجيا الدينية، التغطية السياسية، والشبكات الاستيطانية. وهكذا تتحول خيمة صغيرة وقطيع ماشية وطائرة مسيّرة إلى أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا على الأرض، في مشروع لا يقاس بعدد المباني التي تُشيّد، بل بعدد الدونمات التي تصبح خارج متناول أصحابها.