شبكة راية الإعلامية - 8/8/2026 11:14:22 AM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
تقع جمهورية القطار الوطنية في بلاد الواق واق، وهي جمهورية من الصعب العثور عليها على الخريطة، ولا توجد لها حدود معروفة، ولا يعرف أحد على وجه الدقة أين تبدأ وأين تنتهي، ومع ذلك، فإن من يعيشون فيها يؤكدون أنها أجمل جمهوريات العالم، وأنها تتمتع بكل مقومات الدولة الحديثة؛ لها علم يرفرف فوق المباني، ونشيد يُعزف في المناسبات، ومجلس للوزراء، ووزراء ومواكب، ومجلس للنواب، ومجلس أعلى، ومجلس أدنى، ومجالس لا يعرف المواطن لماذا أنشئت، لكنها كانت موجودة على أي حال، لأن الجمهورية التي تحترم نفسها لا بد أن يكون فيها عدد كافٍ من المجالس التي لا تنتهي.
للجمهورية دستور جديد وجميل، مطبوع على ورق فاخر، مزين بعناوين كبيرة عن الحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون، قانون حاضرٌ في كل مكان؛ في الخطب، في الصحف، وعلى الجدران، وفي الاحتفالات الرسمية، حتى إن الناس صاروا يتندرون بأن القانون هو أكثر مواطني الجمهورية حضورًا وغيابًا في الوقت نفسه.
وكان للبلد قطار وطني، أو هكذا كانوا يسمونه، يمر في وسط المدينة، لكنه لم يعد يصل إلى أي مكان، فقد بيعت أجزاء من سكته لشركات خاصة، واختفى جزء آخر تحت مبانٍ جديدة، وتحوّل الجزء الباقي إلى مشروع استثماري، ومع ذلك، بقيت العربات واقفة في المحطة، وبقي السياسيون يقتتلون على مقاعدها، كل واحد يريد أن يجلس في المقعد الأمامي، وكل واحد يريد أن يضع اسمه على الباب، وكل واحد يريد أن يكون صاحب الفخامة والزعامة، لكن أحدًا لم يسأل: أين السكة؟
أما المواطن، فأشغلوه بما هو أهم، كان عليه أن يعرف سعر الخبز، وسعر اللحم، وسعر الحليب، وسعر الزيت، وسعر كل شيء، وكان عليه أن ينتظر نصف راتبه، ويبحث عن عمل، ويلاحق فاتورة الكهرباء، ويحسب ثمن الدواء، ويقلق على مستقبل أبنائه، ويستمع كل مساء إلى نشرة الأخبار ليعرف إن كان عليه أن يقلق أكثر مما كان يقلق في الصباح. وهكذا، بينما كان المواطن يطارد لقمة عيشه، كان هناك من يطارد الوطن.
لم يكن أحد يقول له إن الوطن يُباع، كانوا يحدثونه عن الرغيف كي لا يسأل عن المخبز، وعن سعر الزيت كي لا يسأل من يملك مستودعات الزيت، وعن أزمة اللحم كي لا يسأل من يملك المراعي، وعن غلاء الحليب كي لا يسأل لماذا أصبح اقتصاد البلاد كله في أيدي قلة من الناس، وكان المواطن، من كثرة ما أُرهق، ينسى السؤال الأكبر: من يبيع الوطن قطعة قطعة؟ في ذلك البلد كان لكل شيء سعر، إلا الوطن؛ فقد كان يُباع من دون أن يوضع له سعر معلن.
وكانت المشكلة أن الذين أمسكوا بالقلم هم الحمير، مع اعتذارنا للحمير، والذين حملوا البندقية مجرمين، والذين جلسوا على الكراسي ظنوا أن الكرسي وطن، والذين دخلوا الإدارة ظنوا أن المكتب ملكية شخصية، والذين دخلوا الإعلام اكتشفوا أن الحقيقة أقل ربحًا من النفاق، ومع الوقت لم يعد الفساد حادثة تقع في مكان ما، بل أصبح طريقة عمل، ولم يعد السؤال: من الفاسد؟ بل أصبح السؤال: من الذي لم يفسد بعد؟
وكان على رأس الجمهورية رجل اسمه ملصوق الكرسي، لكنه كان يفضل أن يناديه المقربون منه بلقبه الأشهر «عُلَّيق». لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة متى بدأ هذا اللقب، لكن الجميع كان يعرف لماذا بقي؛ فقد كان الرجل شديد التعلق بالكرسي، إلى درجة أن بعضهم كان يقول إن الكرسي لو تحرك من تحته، لتحرك معه القصر كله، وكان عُلَّيق يرى أن الجمهورية لا تحتاج إلى قطار يسير، بقدر ما تحتاج إلى مقاعد ثابتة، وأن أفضل طريقة لحماية الوطن هي أن يبقى هو في مكانه.
كان السارق ينام مطمئنًا، والسياسي يزداد ثراءً من دون أن يعرف الناس من أين جاء المال، والموظف الفاشل يذهب إلى بيته آخر النهار وهو مطمئن إلى أن أحدًا لن يسأله لماذا فشل، وكان القانون يراقب الجميع من بعيد، صامتًا، محترمًا، معلقًا في مكان مرتفع، مثل لوحة جميلة لا يجوز لأحد أن يلمسها، وعندما سأل أحدهم ذات يوم: أين القانون؟ أجابوه: على الورق، فضحك، لم يكن يعرف أن تلك الإجابة هي أخطر ما قيل في تاريخ البلد.
لأن الوطن لا يبدأ بالسقوط عندما تقل الأموال، ولا عندما ترتفع الأسعار، ولا حتى عندما تخسر الدولة معركة، الوطن يبدأ بالسقوط عندما يتغير معيار الأشياء: عندما يصبح الجاهل أهم من العالم، والفاسد أقدر من الشريف، والمنافق أكثر حضورًا من الصادق، والفاشل أكثر أمانًا من الكفء، عندها لا يعود الشر استثناءً، بل يصبح قاعدة.
كان في البلد قطار قديم، يمر في وسط المدينة، لكنه لم يعد يصل إلى أي مكان. فقد بيعت أجزاء من سكته لشركات خاصة مملوكة لفخامة السيد عُلَّيق، واختفى جزء آخر تحت مبانٍ جديدة، وتحوّل الجزء الباقي إلى مشروع استثماري، ومع ذلك، بقيت العربات واقفة في المحطة، وكان السياسيون يتقاتلون على مقاعدها، كل واحد يريد أن يجلس في المقعد الأمامي، كل واحد يريد أن يضع اسمه على الباب، كل واحد يريد أن يكون صاحب الفخامة والزعامة، لكن أحدًا لم يسأل: أين السكة؟
حتى خرج ذات صباح مواطن شهم اسمه عامرُ القلب، وقف أمامهم وقال: أنتم تتقاتلون على كراسي القطار، بعدما بعتم حديد السكة. سكت الجميع. ثم قال: خذوا كراسيكم وحلّوا عنا، اتركوا لنا شيئًا من البلد الذي لم تبيعوه بعد.
كانوا يريدون إسكات الرجل، لكنه رفع صوته لأول مرة منذ سنوات، لم يكن يملك حزبًا، ولا صحيفة، ولا قناة، ولا حرسًا، ولا حسابًا مصرفيًا في الخارج، كان يملك صدرًا يتنفس. قال لهم إن الكون رحب، وإن الوطن الذي جعلتموه ضيقًا، ليس ضيقًا في جغرافيته، بل في صدوركم، قال لهم إن الإنسان يستطيع أن يعيش بلا منصب، وبلا لقب، وبلا موكب، وبلا صورة معلقة على جدار، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا بلا وطن. عندما أنهى، سمع من البعيد نتالي تقول: عاش الوطن وعاش عامر القلب.
وكان هناك شهم آخر اسمه عمرو الكرم، أكثر هدوءًا منه، وقف ذات مساء أمام الساسة وقال: يا أصحاب الفخامة والزعامة، لن نكون يومًا منكم، لا نريد كراسيكم، ولا نريد مواكبكم، ولا نريد أن نعرف كم تساوي مناصبكم في السوق السوداء. ثم صمت قليلًا وقال: حلمي بسيط، أن يظل عندي وطن، لا أريد وطنًا عظيمًا في الخطب، ولا وطنًا قويًا في نشرات الأخبار، ولا وطنًا منتصرًا في صور الاحتفالات، أريد فقط وطنًا أعيش فيه بلا خوف من الحرب، ولا أستيقظ فيه على مصيبة، ولا أنام فيه وأنا أخشى محنة جديدة، خذوا المناصب، خذوا المكاسب، خذوا ما شئتم. لكن خلّوا لنا الوطن. عنده، من بين الجمهور، صدح صوت كرمل: يعيش عمرو الكرم.
وكان ذلك الصوت قد وصل إلى مغني الجمهورية المدعو عزف الوتر، لم يكن يملك سوى صوته ووتره وبعض الكلمات التي لا تستطيع أجهزة الرقابة أن تعرف كيف تمنعها، كان يغني في المقاهي والساحات، ويعرف أن الأغنية أحيانًا تقول ما يعجز الخطيب عن قوله، وأن المواطن الذي يخاف أن يتحدث أمام المسؤول يستطيع أن يغني في بيته، ومع الوقت، صار الناس ينتظرون أغاني عزف الوتر أكثر مما ينتظرون خطب الرئيس عُلَّيق، لأن الرئيس كان يتحدث عن الوطن من فوق المنصة، بينما كان عزف الوتر يتحدث عنه من بين الناس.
وفي إحدى أمسياته، وقف عزف الوتر أمام جمع من المواطنين، ووضع يده على وتره، ثم ترك صوته يخرج من بين الضلوع، لم يكن يغني عن الكراسي، ولا عن المناصب، ولا عن المواكب، بل عن الوطن الذي صار ضيقًا رغم أن الدنيا واسعة، وكانت الكلمات تنتقل من فم إلى فم، حتى أصبحت الأغنية أكثر انتشارًا من بيانات الحكومة. وكان أخطر ما فيها أنها لم تطلب إسقاط الرئيس، ولم تطلب منصبًا بديلًا، ولم تطلب امتيازًا؛ كانت تطلب شيئًا واحدًا فقط: أن يبقى الوطن. عندما أنهى أغنيته، صفقت له فاتن العودة، حامية نار جمهورية القطار الوطنية، والشغوفة بفن الوطن منذ الطفولة، وقالت: نريد أن يبقى الوطن وطنًا. لم يصفق غيرها أحد، لكن شيئًا آخر حدث.
خرجت أصوات من الأزقة، ومن المدارس، ومن المصانع، ومن الحقول، ومن المقاهي، ومن البيوت التي لم تعد تحتمل أخبارًا جديدة عن الفساد، ولا وعودًا جديدة بالإصلاح. خرج الناس لا ليطالبوا بالكرسي، بل ليقولوا إنهم تعبوا من رؤية الآخرين يتقاتلون على الكراسي بينما تُسحب السكة من تحت القطار.
وحينها فهم أصحاب السلطة متأخرين أن أخطر ما يمكن أن يحدث للحكم ليس أن يعارضه الناس، بل أن يفقد الناس خوفهم منه. لم يكن أولئك الناس ثوارًا محترفين، كانوا مواطنين فقط، وهذه كانت مشكلتهم الكبرى، فالثورة في ذلك البلد لم تبدأ من قصر، ولا من ثكنة، ولا من بيان. بدأت من سؤال صغير: ماذا بقي لنا؟ وكان السؤال يكبر كلما حاولوا إسكاته.
ماذا بقي من القانون إذا كان السارق لا يخاف؟ ماذا بقي من الإدارة إذا كان الفاشل لا يقلق؟ ماذا بقي من السياسة إذا كان السياسي لا يرى في الوطن إلا فرصة؟ ماذا بقي من الإعلام إذا أصبح الصمت مأجورًا والكلام مدفوعًا؟ وماذا بقي من الوطن نفسه إذا صار الذين يتولون حمايته أول من يضيّقون عليه؟
وفي آخر المدينة، كان المواطن الشهم عامر القلب لا يزال واقفًا، لم يكن يحمل بندقية، لم يكن يحمل لافتة، لم يكن يحمل مشروعًا للحكم. كان يحمل فقط ذلك الشيء الصغير الذي عجزت السلطة كلها عن مصادرته: الإحساس. قال: ما دام في صدورنا أنفاس، فلن تقتلوا فينا الإحساس.
ثم نظر إلى الطريق، كانت السكة مقطوعة، والقطار بلا وجهة، والكراسي محتلة، لكن الوطن، للمرة الأولى منذ زمن طويل، لم يكن صامتًا، كان يتنفس، وكان ذلك كافيًا لكي يعرف الجميع أن البلد لم يمت.
فالأوطان لا تنهار بانهيار السلطة، لكنها يمكن أن تنهار عندما يصبح الشر معيارًا، ويصبح الصمت فضيلة، ويصبح الفساد مهارة، ويصبح الجهل مؤهلًا، ويصبح الوطن آخر ما يفكر فيه الذين يتحدثون باسمه، أما حين يبقى في البلد إنسان واحد يقول: خذوا المناصب والمكاسب، لكن خلّوا لنا الوطن، فإن الوطن، مهما بدا صغيرًا ومحاصرًا، لا يزال يملك فرصة للنجاة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


