نتنياهو غير وجه الشرق الأوسط … ولكن ليس كما اراد
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب:  بسام زكارنة

قال بنيامين نتنياهو انه يريد تغيير وجه الشرق الأوسط وكرر ان اسرائيل تخوض معارك ستقود الى تغيير جذري في المنطقة ومنذ بداية الحرب حاول تقديم ما يجري باعتباره معركة تاريخية ستعيد رسم موازين القوى وتضع اسرائيل في موقع اكثر قوة وقدرة على فرض شروطها لكن التحولات التي شهدتها المنطقة خلال هذه الفترة تفتح سؤالا مختلفا حول طبيعة النتائج التي انتجتها هذه الحرب ومن الذي تغير فعلا تحت تأثيره .
قد يكون نتنياهو نجح في تغيير الشرق الأوسط ولكن ليس بالاتجاه الذي تصوره فالرجل الذي اراد اعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية انتهى به الامر الى تغيير صورة اسرائيل نفسها وادخال المنطقة في مرحلة جديدة من التحولات السياسية والامنية التي قد ترتد على اسرائيل ومصالحها الاستراتيجية.
دخل نتنياهو الحرب وهو يعتقد ان التفوق العسكري الاسرائيلي قادر على انهاء التهديدات وفرض واقع جديد تكون فيه اسرائيل القوة المسيطرة في المنطقة لكن التجربة اثبتت ان القوة العسكرية تستطيع تحقيق انجازات ميدانية لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام اقليمي مستقر او انتاج شرعية سياسية دائمة فبعد سنوات من العمليات العسكرية لم يتحقق الهدف الاسرائيلي المعلن بانهاء التهديدات الرئيسية حماس لم تختف وحزب الله لم ينته وايران بقيت قوة اقليمية حاضرة رغم الضربات والخسائر التي تعرضت لها كما بقيت شبكات نفوذها حاضرة في اكثر من ساحة وبذلك لم تستطع اسرائيل بناء النظام الاقليمي الذي اراده نتنياهو بل دفعت المنطقة الى مزيد من الاستقطاب والبحث عن توازنات جديدة وفتحت الباب امام تحولات لم تكن بالضرورة ضمن حساباتها.
وفي الداخل الاسرائيلي تحولت الحرب من معركة عسكرية الى ازمة سياسية مفتوحة فالسؤال الذي سيعود بقوة بعد انتهاء الحرب هو من يتحمل مسؤولية فشل السابع من اكتوبر؟ وكيف تمكنت حماس من تنفيذ هجوم بهذا الحجم؟ وكيف فشلت المنظومة الامنية والاستخباراتية والعسكرية في منعه؟ هذه الاسئلة لن تختفي وقد لا تكون نهاية الحرب نهاية ازمة نتنياهو بل ربما تكون بداية المرحلة الاصعب سياسيا بالنسبة له.
كما ان نتنياهو لم يشن الحرب وحده بل سمح لقوى مثل بن غفير وسموتريتش بان يكون لها تأثير كبير في القرار الاسرائيلي وربط صورة اسرائيل بالحرب والاستيطان وعنف المستوطنين وسياسات التوسع والتهجير وتواجه الحكومة الاسرائيلية والجيش انتقادات متزايدة بسبب التعامل مع اعتداءات المستوطنين فالمفارقة ان جيشا يمتلك قدرات استخباراتية متقدمة ويستطيع مراقبة ادق التحركات قرب المستوطنات يبدو عاجزا عن منع مجموعات من المستوطنين من تنفيذ اعتداءات واسعة ضد الفلسطينيين وقد وصلت هذه الاعتداءات الى نحو 12 الف اعتداء موثق حتى اليوم دون محاسبة تتناسب مع حجمها مما يؤكد مشاركة الحكومة و الجيش في تلك الاعتداءات.
ولم تعد هذه الازمة مرتبطة فقط بصورة اسرائيل الخارجية بل بدأت تظهر داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه من خلال نقاش متزايد حول طبيعة الدولة ومستقبلها وحدود تأثير التيارات الاكثر تطرفا على مؤسساتها واصبحنا نشاهد مظاهر قمع في شوارع تل ابيب ضد المعارضة وهو ما يفتح نقاشا اوسع حول طبيعة الحياة السياسية ومستقبل الديمقراطية داخل اسرائيل.
ويظهر ذلك ايضا في التحولات السياسية الداخلية فوفق استطلاعات الرأي الاخيرة يتنافس حزب يشَر بقيادة آيزنكوت مع الليكود على صدارة المشهد حيث يحصل في بعض الاستطلاعات على نحو 22 مقعدا مقابل نحو 21 لليكود بينما يظهر حزب بينيت في حدود 15 مقعدا وليبرمان في حدود 10 مقاعد الى جانب قوى اخرى منافسة وكلها تقف في مواجهة سياسة نتنياهو وتشير هذه الارقام الى ان ائتلاف نتنياهو لا يبدو في وضع مريح وقد لا يتجاوز في بعض السيناريوهات نحو 52 مقعدا وهو ما يعزز احتمال ان يدفع نتنياهو ثمنا سياسيا بعد الحرب وان يصبح مستقبله السياسي جزءا من نتائجها.
لكن التحول تجاوز حدود اسرائيل ووصل الى صورتها الدولية فقد بدأت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي وفي اوروبا والولايات المتحدة تعيد النظر في العلاقة مع اسرائيل وطبيعة الدعم المقدم لها ولم يعد هذا التحول محصورا في تيار سياسي معين داخل الولايات المتحدة بل ظهر خصوصا بين الشباب وداخل الحزب الديمقراطي حيث تتزايد الاصوات التي تنتقد بعض السياسات الاسرائيلية واستمرار الدعم غير المشروط لها ويظهر ذلك في صعود شخصيات سياسية جديدة مثل زهران ممداني وعبد السيد رغم الدعم المالي الضخم والضغوط التي واجهها بعضهم من جهات مؤيدة لاسرائيل مثل ايباك وهو مؤشر على ان العلاقة مع اسرائيل لم تعد قضية خارج النقاش السياسي الامريكي كما كانت في السابق.
وقبل الحرب كانت اسرائيل تراهن على ان المنطقة تتجه نحو مزيد من التطبيع والشراكات الامنية والاقتصادية معها ومع الولايات المتحدة لكن الحرب قد تدفع المنطقة الى اعادة النظر في ترتيباتها الامنية نفسها.
فالدول الخليجية التي قبلت بوجود قواعد امريكية على اراضيها فعلت ذلك للحد من النفوذ الايراني وتعزيز امنها في مواجهة هذا الخطر ولم يكن الهدف ان تتحول هذه القواعد الى منصات في حرب اسرائيلية مع ايران او الى وسيلة لحماية امن اسرائيل لكن مع مرور الوقت اصبحت هذه القواعد تشكل ايضا عمقا امنيا غير مباشر لاسرائيل عبر منظومات الرصد والانذار المبكر والدفاع المنتشرة في المنطقة.
والاخطر ان استمرار الحرب قد يقلب هذه المعادلة فالقواعد التي كان يفترض ان توفر الحماية والردع قد تتحول مع اتساع المواجهة الى مصدر للخطر والتوريط وقد تجد دول الخليج نفسها امام حرب مع ايران لم تكن طرفا فيها ولم تتخذ قرار خوضها بسبب استخدام اراضيها او قواعدها في عمليات تستهدف ايران وهنا قد تواجه هذه الدول اشكالية سياسية وقانونية خطيرة اذا اعتبرت ايران انطلاق الطائرات او الصواريخ من اراضيها مشاركة في الحرب عليها او اعتبرت استخدام قواعدها في الهجمات عملا عدائيا صادرا من اراضيها وعندها قد تجد دول الخليج نفسها في مواجهة تبعات حرب لم تقرر خوضها ولم تكن تريد ان تكون طرفا فيها.
وفي حال اتسعت الحرب وارتفعت كلفتها قد تجد هذه الدول نفسها امام ضرورة اعادة النظر في استمرار هذا الوجود العسكري او في طريقة استخدام قواعده بما يمس سيادة تلك الدول واذا قيدت دول الخليج استخدام هذه القواعد او ابتعدت عن هذا الوجود فقد تخسر اسرائيل جزءا من العمق الامني الذي استفادت منه لعقود وتفقد طبقة من الحماية التي كانت توفر لها عمقا امنيا قبل وصول الصاروخ الايراني الى اجوائها.
وهذا من ابرز التحولات التي لم تكن اسرائيل تحسب حسابها فبدلا من ان يؤدي الصراع الى زيادة الحماية حولها قد يدفع الدول التي شكلت اراضيها وقواعدها جزءا من منظومة الردع الاقليمي الى اعادة بناء حساباتها الامنية بما يقلل من العمق الذي كانت اسرائيل تستفيد منه.
وفي المقابل فان اضعاف او تدمير القواعد الامريكية كليا او جزئيا قد يدفع واشنطن الى نقل جزء اكبر من وجودها العسكري الى اسرائيل باعتبارها قاعدة متقدمة ورئيسية لها وكانت ايران تتحفظ في استهداف القواعد الامريكية في الخليج خشية اصابة دول عربية واسلامية مجاورة وشعوب تعتبرها شعوبا شقيقة بحكم الجوار والروابط الدينية اما اذا انتقل جزء من الوجود الامريكي الى اسرائيل فان استهدافه يصبح مفتوحا امام ايران دون هذه التحفظات.
وفي الوقت نفسه لم يعد الخليج منطقة امريكية خالصة فالصين اصبحت حاضرة اقتصاديا وسياسيا وروسيا حاضرة عسكريا وسياسيا والدول العربية والخليجية نفسها اصبحت اكثر رغبة في تنويع علاقاتها وشراكاتها الدولية وهذا من اكبر التحولات التي لم تكن في الحسابات الاسرائيلية فبدلا من ان تصبح المنطقة اكثر ارتباطا باسرائيل والولايات المتحدة قد تصبح اكثر تعددية واقل استعدادا لقبول هيمنة طرف واحد.
لكن السؤال الاخر الذي يفرض نفسه هو ماذا سيفعل نتنياهو اذا وجد نفسه امام ازمة سياسية داخلية ونهاية محتملة لمسيرته السياسية؟ فالقادة الذين يواجهون ضغوطا داخلية قد يبحثون عن عدو خارجي او ازمة جديدة لاعادة ترتيب المشهد حولهم ولذلك تبقى احتمالات التصعيد مفتوحة سواء مع ايران او لبنان او غزة او عبر اشعال حرب في الضفة الغربية او الدخول في ازمات اقليمية مع دول مثل تركيا او مصر وهذا لا يعني ان هذه المسارات ستحدث حتما لكنه يعكس خطورة مرحلة قد يحاول فيها نتنياهو الحفاظ على موقعه السياسي عبر نقل الازمة الى الخارج بدلا من مواجهة الاسئلة الداخلية التي تنتظره.
وهنا تظهر النتيجة الاوسع نتنياهو اراد شرق اوسط تكون فيه اسرائيل اقوى واكثر قدرة على فرض شروطها لكن النتيجة قد تكون مختلفة تماما.
فإيران بقيت لاعبا اقليميا والقضية الفلسطينية عادت الى مركز الاهتمام العالمي وصورة اسرائيل تعرضت لهزة كبيرة والدول العربية اصبحت اكثر ادراكا لحاجتها الى تنويع خياراتها والصين وروسيا اصبحتا جزءا واضحا من حسابات المنطقة اما اسرائيل نفسها فاصبحت اكثر انقساما سياسيا واجتماعيا واكثر مواجهة لاسئلة سياسية وقانونية واخلاقية حول الحرب والاستيطان وعنف المستوطنين ومستقبل الدولة.
والاهم من كل ذلك ان القضية الفلسطينية لم تختف فقد كان الرهان لدى بعض الاطراف ان يؤدي الزمن والتطبيع والاقتصاد والقوة العسكرية الى تهميش القضية الفلسطينية لكن الحرب اعادتها الى مركز السياسة الدولية.
ولهذا فان السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط هل غير نتنياهو وجه الشرق الأوسط؟ بل ماذا فعل هذا التغيير باسرائيل نفسها؟ فالقوة العسكرية تستطيع تدمير الخصم لكنها لا تستطيع وحدها بناء نظام اقليمي مستقر ولا تستطيع ضمان الشرعية السياسية الدائمة.
والنتيجة ان نتنياهو غير وجه الشرق الأوسط ولكن ليس كما اراد وربما يكون قد غير وجه اسرائيل قبل ان يغير وجه المنطقة وربما يكون وجهه السياسي هو اول الوجوه التي ستتغير.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد