شبكة قدس الإخبارية - 8/9/2026 2:46:19 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: لم تكن أرض شفيق علقم بالنسبة إليه مجرد مساحة زراعية تُقاس بالدونمات، بل كانت جزءًا من ذاكرة عائلته وحياتها اليومية. فيها اعتادوا قضاء مواسم الزيتون، وبين أشجارها تراكمت سنوات من الذكريات، قبل أن يتحول الوصول إليها إلى معركة بحد ذاته.
يقول علقم، صاحب الأرض المصنفة ضمن المناطق «ج»: «كانت هذه الأرض تعني لنا الكثير، ولدينا فيها ذكريات كثيرة. كنا نذهب إليها لقطف الزيتون، وكانت جزءًا من حياتنا».
حتى بعد بدء الحرب، ظل أفراد العائلة يذهبون إلى أرضهم بصورة طبيعية، لكن ذلك لم يستمر طويلًا. ويوضح علقم أن قوات الاحتلال كانت تخرجهم من الأرض عند السياج الأمني، كما كانت تمنعهم من قطف الزيتون.
ثم جاءت المصادرة بصورة مفاجئة، لتترك أثرًا قاسيًا على العائلة. ويقول علقم إن صاحب الأرض مرض من شدة حزنه عليها، بعدما ارتبطت بها سنوات طويلة من حياته وذكرياته.
وكانت آخر محاولة للعائلة للوصول إلى الأرض عبر تنسيق مسبق، لكن الجيش منعهم من الدخول ولم يسمح لهم بالوصول إليها.
ويضيف علقم أن الأشجار الموجودة في الأرض اقتُلعت، فيما سمعت العائلة عن نية لتوسيع السياج الأمني في المنطقة. ولا يستطيع تأكيد ما إذا كان قد فُتح طريق جديد داخل الأرض، لكنه يؤكد أن المشهد تغير، وأن الأرض التي كانت مفتوحة أمام أصحابها لم تعد كذلك.
قصة علقم ليست حالة منفردة في محافظة سلفيت، حيث تتقاطع شهادات المزارعين مع تقارير ميدانية توثق أن السيطرة على الأرض لا تحدث دائمًا من خلال المصادرة المباشرة، بل عبر سلسلة من الإجراءات تبدأ بتقييد الوصول، ثم التجريف أو شق الطرق، وإقامة البؤر، وصولًا إلى وضع اليد أو المصادرة.
مزارعون خلف الحواجز
في سلفيت وقرى مردة وكفل حارس وإسكاكا، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قيودًا على وصول المزارعين إلى حقولهم الواقعة داخل مستوطنة «أريئيل»، بما في ذلك خلال موسم قطف الزيتون.
وتعني هذه القيود أن امتلاك الأرض لا يضمن بالضرورة القدرة على استخدامها؛ فالمزارع قد يبقى صاحبًا للأرض من الناحية القانونية، لكنه يحتاج إلى تنسيق مسبق أو إذن للوصول إليها، وقد يُمنع من دخولها في أوقات أخرى.
وتزداد خطورة الأمر بالنسبة إلى الأراضي الزراعية، لأن تأخير الوصول إليها أو منعه قد يعني خسارة موسم كامل، ولا سيما في الأراضي المزروعة بالزيتون التي تحتاج إلى رعاية مستمرة وقطف في مواعيد محددة.
سرقة تبدأ من بضعة دونمات
وفي قرية حارس، وثق مركز أبحاث الأراضي في شباط/فبراير 2025 أمرًا بالاستيلاء على نحو 2.79 دونمًا من الأراضي المشجرة لأغراض عسكرية، وقال إن الأراضي تعود إلى مزارعين وورثة من أبناء القرية.
وعلى الرغم من أن المساحة تبدو محدودة مقارنة بمساحة المحافظة، فإن قيمة الأرض بالنسبة إلى أصحابها لا تقاس بالمساحة وحدها؛ فالأرض الزراعية تعني أشجارًا ومحاصيل ومصدر دخل، كما تعني ارتباطًا عائليًا يمتد في كثير من الحالات عبر أجيال.
وفي ديراستيا، اتخذ التوسع الاستيطاني صورة أخرى. ففي أيار/مايو 2026، وثقت تقارير وضع كرفان استيطاني على مساحة تقارب ثلاثة دونمات وسط حقول الزيتون، وقال مركز أبحاث الأراضي إن إقامة البؤرة تهدد بصورة مباشرة أراضي 23 أسرة زراعية تضم نحو 110 أفراد.
وهنا لا تبدأ المشكلة من مصادرة جميع الأراضي المحيطة، بل من إقامة وجود استيطاني داخل المجال الزراعي، ثم فرض واقع جديد على المزارعين الذين يعيشون ويعملون حوله.
الطريق الذي يغيّر شكل الأرض
وفي مناطق أخرى من سلفيت، تتقدم الجرافات قبل المستوطنين.
ففي حارس، بدأت أعمال تجريف لأراضٍ زراعية لشق طريق استيطاني جديد في محيط مستوطنة «رفافا»، بينما شهدت منطقة الظهور في ديراستيا أعمال شق طريق آخر، كما شهدت أراضي ياسوف أعمالًا مرتبطة بطرق استيطانية جديدة.
وفي واد المطوي بين مدينة سلفيت وبلدة بروقين، وثقت تقارير فلسطينية أعمال تجريف لأراضٍ زراعية بهدف شق طرق استعمارية جديدة.
ولا تكمن خطورة هذه الطرق في المساحة التي تشغلها فقط، بل في الوظيفة التي تؤديها بعد إنشائها؛ فهي تربط المستوطنات والبؤر بعضها ببعض، وتفتح مسارات جديدة للحركة، وفي الوقت نفسه قد تفصل الأراضي الزراعية الفلسطينية أو تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
وبالنسبة إلى المزارع، قد يتحول الطريق من وسيلة للوصول إلى الأرض إلى وسيلة لفصل الأرض عن صاحبها.
البؤر.. حضور يبدأ صغيرًا ويتمدد
وفي ديراستيا ووادي قانا، تتخذ السيطرة على الأرض شكلًا آخر من خلال البؤر الرعوية.
فإقامة خيمة أو كرفان في البداية قد تبدو محدودة المساحة، لكن وجودها في قلب الأراضي الزراعية يخلق واقعًا جديدًا حولها، ويزيد من القيود المفروضة على المزارعين، خصوصًا في المناطق التي يعتمد سكانها على الزراعة والرعي.
وفي وادي قانا، وثقت تقارير اقتلاع نحو 40 غرسة زيتون، إلى جانب تخريب خلايا للطاقة الشمسية وسرقة معدات زراعية، في منطقة تتعرض لضغوط استيطانية متواصلة.
أما في ياسوف، فقد شهدت المنطقة إقامة بؤر وخيام استيطانية جديدة، إلى جانب استمرار الاعتداءات على الأراضي الزراعية.
وفي بروقين وكفر الديك، يتواصل التوسع في محيط مستوطنتي «بدوئيل» و«ليشم»، من خلال إقامة بؤر جديدة وشق طرق والاستيلاء على مزيد من الأراضي.
كما تتعرض أراضٍ في بديا ودير بلوط لمشاريع توسع ومصادرات، ضمن مخططات تهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية في غرب المحافظة.
وفي محيط مستوطنة «أريئيل»، يتواصل التوسع العمراني ومخططات بناء وحدات استيطانية جديدة، بما يعزز السيطرة على وسط المحافظة ويزيد من عزل التجمعات الفلسطينية المحيطة.
أرقام تكشف اتساع السيطرة
وتضع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان هذه التطورات ضمن تصعيد استيطاني متسارع منذ بدء الحرب، شمل مصادرة الأراضي وتجريفها وشق الطرق الاستيطانية وإقامة البؤر، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين وفرض مزيد من القيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم.
وتشير بيانات الهيئة إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت منذ بداية عام 2026 نحو 49 أمرًا عسكريًا تحت مسمى «أوامر اتخاذ وسائل أمنية»، استهدفت أكثر من 2,093 دونمًا من الأراضي الفلسطينية.
وتتجاوز أهمية هذه الأرقام مسألة المصادرة المباشرة؛ فالهيئة تشير إلى أن هذه الأوامر تفرض قيودًا على استخدام الأراضي، بما في ذلك منع أصحابها من الوصول إليها بحرية، وإزالة الأشجار أو تقليمها، ومنع إعادة زراعتها.
وبذلك يمكن أن تبدأ خسارة الأرض قبل أن تنتقل ملكيتها رسميًا؛ يكفي أن يفقد صاحبها القدرة على الوصول إليها أو زراعتها أو رعاية أشجارها.
محافظة محاصرة بالتوسع
وتبلغ مساحة محافظة سلفيت نحو 204 كيلومترات مربعة، أي ما يقارب 204 آلاف دونم، وتُعد من أكثر المحافظات الفلسطينية تعرضًا لضغط المشاريع الاستيطانية.
وتشير المعطيات المحلية إلى أن أكثر من نصف مساحة المحافظة أصبح واقعًا ضمن نفوذ المستوطنات أو المناطق العسكرية والطرق الالتفافية والمحميات بدرجات مختلفة.
وهذا الواقع يضغط على القرى والبلدات الفلسطينية من أكثر من اتجاه؛ فالمستوطنات تتمدد، والطرق الاستيطانية تتوسع، والبؤر تظهر في الأراضي الزراعية، بينما تضيق المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين للزراعة والتوسع العمراني.
كما تترافق هذه الإجراءات مع أوامر الهدم ووقف البناء، خصوصًا في المناطق المصنفة «ج»، وتكثيف هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، الأمر الذي يزيد صعوبة التوسع الطبيعي للبلدات الفلسطينية.
الأرض التي تبقى في الذاكرة
في حالة شفيق علقم، لا يمكن اختصار الخسارة في عدد الدونمات المصادرة.
فالأرض التي كانت العائلة تذهب إليها لقطف الزيتون أصبحت خلف سياج، والأشجار التي ارتبطت بمواسمها اقتُلعت، والوصول الذي كان أمرًا طبيعيًا أصبح يحتاج إلى تنسيق لا يضمن الدخول.
ولذلك، فإن ما يحدث في سلفيت لا يبدو سلسلة من الأحداث المنفصلة؛ فالطريق يرتبط بالبؤرة، والبؤرة ترتبط بتقييد الوصول، وتقييد الوصول يضعف الزراعة، ثم يأتي التجريف أو وضع اليد ليحوّل الواقع المؤقت إلى واقع دائم.
تتغير الخارطة تدريجيًا؛ طريق يشق أرضًا زراعية، وسياج يتمدد، وبؤرة تبدأ بكرفان، وأشجار تُقتلع، ومزارع يقف على الجانب الآخر من أرضه.
وبينما تظهر الخسارة في التقارير على شكل أرقام ودونمات، يعيشها أصحاب الأرض بصورة مختلفة: موسم زيتون لا يستطيعون الوصول إليه، شجرة تُقتلع أمام أعينهم، مصدر رزق يتراجع، وذاكرة عائلية تتحول إلى مكان مغلق.
وفي سلفيت، قد لا تكون أخطر خسارة هي أن تُصادر الأرض في يوم واحد، بل أن يفقد صاحبها، خطوة بعد أخرى، القدرة على الوصول إليها حتى تصبح الأرض التي كانت جزءًا من حياته شيئًا يراه ولا يستطيع بلوغه.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


