شبكة راية الإعلامية - 8/9/2026 4:47:21 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. باسم خضر التميمي
تشهد الساحة الأكاديمية الأمريكية فصلاً جديداً وبالغ الخطورة من فصول معركة الوعي السياسي وسرديات الصراع؛ حيث كشفت تقارير إعلامية موثقة عن تنسيق واسع النطاق وعابر للقارات بين منظمات ضغط ومسؤولين نافذين ومشرعين في واشنطن وتل أبيب، لإطلاق حملة تدريبية وتمويلية وقانونية ضخمة تهدف إلى هندسة الوعي داخل الجامعات الأمريكية، ومحاصرة الرواية الفلسطينية، وتجريم حركات التضامن الشعبي والطلابي.
الأرقام والأهداف: عسكرة الحرم الجامعي رقمياً
تستهدف هذه الحملة الممنهجة تدريب نحو 1,000 طالب من المنتمين للجامعات الأمريكية الكبرى والمؤيدين لرواية الاحتلال. وتتحرك هذه المبادرة عبر ميزانيات ضخمة لشبكات ضغط متقاطعة؛ حيث خصص الائتلاف الرئيسي المنظم لهذه المؤتمرات والمنصات أكثر من 22.2 مليون دولار لدعم الأنشطة والبرامج داخل الحرم الجامعي. ولا تقتصر أهداف هذه الحملة الشرسة على تقديم الدعم الأكاديمي التقليدي، بل تركز بشكل مباشر على ثلاثة مسارات تشغيلية؛ أولاها: التأهيل المهاراتي واللوجستي بتزويد الطلاب بمهارات التنظيم والتواصل الإعلامي الموجه والضغط القانوني لمواجهة الحراكات المناصرة لفلسطين، وثانيها: بناء حوائط الصد بإقامة عوائق إدارية وأمنية تمنع تكرار الاعتصامات والانتفاضات الطلابية الواسعة التي اندلعت تضامناً مع قطاع غزة والكل الفلسطيني، وثالثها: تفكيك الائتلافات الناشئة بالعمل على بتر شبكات التضامن المشتركة التي تشكلت بين الكتل الطلابية والحركات الحقوقية والنقابات العمالية والمهنية داخل الولايات المتحدة.
شبكة المخططين: تحالف سياسي وتشريعي عابر للقارات
ما يمنح هذه الحملة خطورتها القصوى هو عمق التغلغل السياسي والتنسيق اللوجستي الذي يقوده مزيج من المسؤولين الحكوميين والمشرعين والمنظمات الدعائية؛ حيث يقود المبادرة ميدانياً ورقمياً "ائتلاف منظمات الحرم الجامعي"، بالتعاون الوثيق مع منظمات كبرى مثل "قفوا معنا"، و"زمالات الهسبارا" التاريخية المتخصصة في صياغة الدعاية الموجهة وهندسة الرأي العام. فيما يبرز في واجهة الدعم والمساندة والتوجيه قادة سياسيون وعسكريون إسرائيليون، من بينهم وزير الجيش السابق يوآف غالانت، إلى جانب نائبة رئيس بلدية القدس السابقة والمبعوثة الخاصة لوزارة الخارجية فلور حسن ناحوم التي تُعد شريكاً مؤسساً ومحركاً رئيسياً لهذه المنصات
أما على صعيد التوظيف الفيدرالي الأمريكي القانوني، تقود وزارة العدل الأمريكية ملاحقات صارمة عبر مسؤوليها من أمثال "هارميت ديلون" مساعد المدعي العام لقسم الحقوق المدنية، وبإشراف مباشر من المدعي العام بالنيابة "تود بلانش". وفي وزارة التعليم، يقود الشراكة الفيدرالية المستشار "كينيث ماركوس" عبر تفعيل البند السادس كأداة قانونية حادة لتهديد ميزانيات الجامعات وحرمانها من التمويل الفيدرالي إذا سمحت بالأنشطة الفلسطينية. كما يفرض الحزب الجمهوري، بمشاركة ديمقراطية محافظِة، طوقاً تشريعياً صارماً؛ حيث يقود هذه الجهود "تيم والبرغ" رئيس لجنة التعليم وقوة العمل بدعم من النائبة "إليز ستيفانيك" مقدمة "قانون حماية الطلاب ومساءلة الجامعات"، والنائبة "فيرجينيا فوكس" التي رعت قوانين لمنع المقاطعة الأكاديمية، والنائب "راندي فاين"، وبغطاء سياسي عابر للأحزاب يوفره الديمقراطي المحافظ "جوش غوتهايمر"
حتمية الدبلوماسية الشعبية ورؤية المواجهة المستدامة
أمام هذا الحشد المنظم والممول بملايين الدولارات، يتضح أن الأدوات التقليدية لم تعد كافية لصد هذا الاختراق الأكاديمي. إن لجوء الاحتلال وحلفائه إلى أدوات التجريم وتكميم الأفواه داخل الحرم الجامعي الغربي يعكس ذعراً استراتيجياً حقيقياً من تنامي الوعي الشعبي العالمي، وانتقال الرواية الفلسطينية التاريخية إلى عقول الجيل الجديد من صناع القرار في الغرب.
تأسيسا على ذلك، يصبح لزاماً مواجهة هذا الجهد المؤسسي بجهد موازٍ ومضاد تقوده الدبلوماسية الشعبية؛ إذ إن تفكيك الدعاية المضادة وتعزيز بناء السردية الفلسطينية الرصينة يتطلب الانتقال من العفوية إلى المأسسة عبر بناء قنوات اتصال مستدامة مع الحراكات الطلابية والنقابات الجامعية لتوحيد أولويات العمل على الأرض، وتزويد النشطاء الغربيين والمبتعثين بالحقائق والوثائق القانونية والتاريخية بلغة عالمية يفهمها المجتمع الأكاديمي الدولي وتدحض الرواية الزائفة، وتحويل مادة الحق الصارمة إلى محتوى رقمي وبصري عصري، وتكييف الخطاب ليتلاءم مع الخصوصية الثقافية لكل مجتمع مستهدف، وتوفير جبهات دعم قانوني ومعنوي وأدبي للنخب الأكاديمية والطلابية العالمية التي تتعرض للتضييق والملاحقة بسبب مواقفها الإنسانية المساندة لفلسطين.
إن المعركة داخل الجامعات الغربية ليست مجرد نشاط طلابي عابر، بل هي معركة مصيرية على هوية وعي الجيل القادم، والانتصار فيها يفرض التخلي عن العفوية، والذهاب نحو تفعيل وتوجيه أدوات الدبلوماسية الشعبية المنظمة على نطاق دولي واسع ومحكم.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


