خاص| كيف تدير السلطة الفلسطينية الأموال التي كانت مخصصة للأسرى والشهداء؟
شبكة قدس الإخبارية -

خاص - شبكة قُدس: لم تكتفِ السلطة الفلسطينية، بإهمال قضية الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، منذ إصدار مرسوم رئاسي في العاشر من فبراير/شباط 2025، قضى بـ"إلغاء المواد الواردة في القوانين والنظم المتعلقة بنظام دفع المخصصات المالية لعائلات الأسرى والشهداء والجرحى في قانون الأسرى"، بل انتقلت، وفق إلى ما تصفه مصادر في حديث مع "شبكة قدس"؛ إلى "الاغتيال المعنوي والوطني" لقضية الأسرى، بعدما أفرغت، بحسب تقديرها، القضية من مضمونها باعتبارها حقًا كفله القانون الفلسطيني. 

ويفتح هذا القرار، الذي أوقف العمل بالنظام السابق للمخصصات، أسئلة لا تتعلق فقط بالثمن السياسي الذي دفعته السلطة مقابل اتخاذه، والنتائج التي ترتبت عليه بالنسبة إلى الواقع النضالي الفلسطيني، وإنما أيضًا بمصير الأموال التي كانت تُخصص سنويًا للأسرى والمحررين وعائلاتهم، بعدما أصبحت السلطة تقول إنها تعاني من أزمة مالية خانقة وتواجه عجزًا متراكمًا في موازنتها.

وتكشف أربعة مصادر عاملة في مؤسسات السلطة الفلسطينية، في حديثها لـ "شبكة قدس"، عن تقديرات مالية لحجم الموازنة التي كانت تخصص قبل عام 2024 لرواتب الأسرى في سجون الاحتلال والمحررين، إضافة إلى المبالغ التي كانت تُدفع لتغطية احتياجات أخرى مرتبطة بملف الأسرى. وتطرح المصادر، في الوقت ذاته، تساؤلات حول مصير هذه الأموال بعد توقف السلطة عن صرف الجزء الأكبر منها عقب صدور القرار الرئاسي.

وبحسب مصادر "شبكة قُدس"، كان نحو 7500 أسير ومحرر يتقاضون مخصصات شهرية وفق النظام السابق، بينهم نحو 5500 أسير كانوا يقبعون في سجون الاحتلال ويتلقون مخصصات خلال فترة اعتقالهم، في حين كان نحو 2000 محرر يتلقون رواتب شهرية بعد الإفراج عنهم، بعد قضائهم أكثر من خمس سنوات في سجون الاحتلال.

وتوضح المصادر أن قيمة المخصصات كانت تختلف من أسير إلى آخر، تبعًا لسنوات الاعتقال، وتتراوح بين 1400 شيقل و13 ألف شيقل شهريًا، وفق مدة الأسر التي تبدأ من ثلاثة أشهر إلى أربعين عامًا. وباحتساب متوسط يبلغ نحو 7500 شيقل للمستفيد، تُقدّر الكلفة الشهرية الإجمالية لرواتب هذه الفئة بأكثر من 55 مليون شيقل.

ولا تقتصر المبالغ التي كانت تخصص للأسرى على الرواتب الشهرية، إذ كانت السلطة تدفع مبلغًا إضافيًا يعرف باسم "الكانتينا"، وهو مخصص يُستخدم لشراء المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية للأسرى داخل السجون، في ظل عدم توفير إدارة السجون، وفق المصادر، الحد الأدنى من هذه الاحتياجات. وتقدر المصادر إن قيمة هذا المبلغ 400 شيقل شهريًا لكل أسير، أي ما يقارب ثلاثة ملايين شيقل شهريًا لجميع الأسرى المشمولين بالتقديرات.

وبذلك، كانت المخصصات الشهرية الخاصة بالرواتب و"الكانتينا" تتجاوز، وفق هذه التقديرات، 58 مليون شيقل، أي ما يزيد على 700 مليون شيقل سنويًا، قبل احتساب النفقات الأخرى المرتبطة بملف الأسرى.

ومن بين هذه النفقات رواتب طواقم المحامين الذين تتعاقد معهم السلطة للمرافعة عن الأسرى أمام المحاكم الإسرائيلية، ويبلغ عددهم، بحسب المصادر، نحو 60 محاميًا. وتتراوح رواتب هؤلاء المحامين بين سبعة آلاف و13 ألف شيقل شهريًا، وقد ترتفع في بعض الحالات إلى نحو 25 ألف شيقل. وتقدّر المصادر الحد الأدنى لإجمالي رواتب المحامين بنحو 720 ألف شهريًا، أي أكثر من 8 مليون شيقل سنويًا.

وتقول المصادر إن مجموع هذه النفقات، عند احتساب المخصصات الأساسية و"الكانتينا" وأتعاب المحامين والنفقات الأخرى، كان يقترب من مئات الملايين من الشواقل سنويًا، وقد يصل، وفق تقديراتها، إلى نحو 900 مليون شيقل، بحسب نطاق النفقات التي تدخل ضمن بند دعم الأسرى وعائلاتهم.

لكن السؤال الذي تطرحه المصادر لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي كانت تنفق على هذا الملف، وإنما بمصير المبالغ التي توقفت السلطة عن دفعها بعد إلغاء النظام السابق للمخصصات. ففي الوقت الذي أعلنت فيه السلطة أنها تمر بأزمة مالية غير مسبوقة، وأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية تراجعت بصورة كبيرة، تتساءل المصادر: أين ذهبت الأموال التي كانت مخصصة سابقًا للأسرى بعد وقف صرفها؟

 وتأتي هذه التساؤلات بعدما مضى أكثر من عام ونصف على قطع مخصصات الأسرى، ومضي نحو 6 أشهر دون أن يتلقى المحامون رواتبهم الشهرية. 

ووفق المصادر فإن قرار إلغاء النظام السابق للمخصصات لم يكن، من وجهة نظرها، ناتجًا عن سبب واحد، وإنما جاء نتيجة مجموعة من الدوافع السياسية والمالية، في مقدمتها الضغوط الأميركية والأوروبية التي تعرضت لها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الارتفاع الكبير في أعداد الأسرى والجرحى والشهداء في قطاع غزة والضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما ترتب على ذلك من التزامات مالية إضافية يفترض أن تتحملها السلطة تجاه هذه الفئة، ولذا كان القانون هو المخرج لتخلي السلطة عنهم.

أما العامل الثالث، وفق المصادر، فيتمثل في محاولة توفير الأموال التي كانت تذهب إلى ملف الأسرى وتوجيهها إلى نفقات تشغيلية أخرى داخل مؤسسات السلطة، بما يساعد على تغطية جزء من العجز المالي المتراكم. 

غير أن هذا الإجراء، بحسب المصادر، لم يؤدِّ إلى إنهاء الأزمة المالية أو سد العجز، في ظل استمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة الفلسطينية، والتي تقول المصادر إنها ارتفعت من نحو 10% عام 2018 إلى مستويات وصلت، وفق تقديراتها، إلى اقتطاع كامل الأموال المستحقة في مايو/أيار 2025.

وبذلك، ترى المصادر أن السلطة، رغم الدوافع الثلاثة التي دفعتها إلى التخلي عن نظام مخصصات الأسرى في مطلع عام 2025، لم تتمكن من تحقيق الهدف المالي والسياسي الذي ارتبط بالقرار، بل وجدت نفسها، بعد أشهر قليلة، أمام مزيد من الضغوط المالية نتيجة استمرار "إسرائيل" في حجب أموال المقاصة والاقتطاع منها.

وتشير المصادر إلى أن السلطة لم توقف بصورة كاملة جميع أشكال الدفع المرتبطة بالأسرى، إذ واصلت صرف رواتب الأسرى المنتمين إلى حركة فتح ممن كانت لهم سجلات مثبتة في بيانات مؤسسات الأسرى قبل 25 يناير/كانون الثاني 2025 وذلك عبر تسليم الدفعات "يدويًا". كما عملت، بحسب المصادر، على تفريغ مئات الأسرى المنتمين إلى حركة فتح للعمل في الأجهزة الأمنية، بحيث تحولت مخصصاتهم من دائرة الأسرى إلى بند الرواتب في وزارة الداخلية وجهاز المخابرات العامة. 

وقدرت المصادر، أن هذه الحالات لا تمثل أكثر من 20% من إجمالي المخصصات التي كانت تُدفع للأسرى، ما يعني، وفق حساباتها، أن الجزء الأكبر من الأموال التي كانت مخصصة لهذا الملف لم يعد يُصرف بالطريقة السابقة.

وتقدّر المصادر أن قيمة الأموال التي لم تدفعها السلطة للأسرى وذويهم منذ وقف النظام السابق للمخصصات تتجاوز مليارًا ونصف مليار شيقل، معتبرة أن هذه الأموال لم تُصرف لمستحقيها، في الوقت الذي لم تحقق فيه السلطة، مكاسب مالية أو سياسية واضحة من قرار إلغاء النظام السابق للمخصصات.

ولا تشمل هذه التقديرات، بحسب المصادر، نحو 30 ألف مستفيد آخر من الجرحى وعائلات الشهداء والأسرى الذين كانوا يتلقون هم أيضًا مخصصات شهرية وفق أنظمة سابقة، قبل أن تتوقف هذه المخصصات أو تتقلص بصورة كبيرة منذ مطلع عام 2025. إذ كان الجرحى وذوي الشهداء يتلقون مخصصات شهرية تتراوح بين 1400 شيقل و3000 شيقل. 

وتفتح هذه الأرقام، وفق المصادر، ملفًا أوسع يتعلق بكيفية إدارة السلطة الفلسطينية للأموال التي كانت مخصصة للأسرى والشهداء والجرحى بعد تغيير النظام القانوني الخاص بصرفها، وما إذا كانت هذه الأموال قد أعيد توزيعها على بنود أخرى في الموازنة العامة، في ظل غياب بيانات تفصيلية منشورة توضح حجم الوفورات الناتجة عن وقف المخصصات، والجهات التي أعيد توجيهها إليها.

ولا تكشف وزارة المالية الفلسطينية، في بياناتها الرسمية للموازنة العامة، عن حجم الأموال التي كانت تُخصص لملف الأسرى، مبررةً ذلك بـ"حجب المعلومات عن المانحين"، باعتبار أن الأمر يتعلق بسياق وطني. لكن هذا التبرير لم يتغير حتى بعد إلغاء نظام المخصصات ووقف صرفها؛ إذ ما تزال الوزارة تحجب الأرقام الدقيقة التي كانت تنفقها على الأسرى، والأهم من ذلك، لا تقدم بيانات توضح مصير الأموال التي وفرتها بعد وقف تلك المخصصات، أو البنود التي أُعيد توجيهها إليها. 

ولم يقتصر أثر وقف مخصصات الأسرى على المعتقلين والمحررين أنفسهم، بل امتد بصورة مباشرة إلى عائلاتهم وزوجاتهم إذ كانت هذه الأموال توفر لهم حدًا أدنى من متطلبات المعيشة في ظل غياب المعيل، كما باتت العائلات تتحمل تكاليف قانونية كانت السلطة تساهم سابقًا في تغطيتها، بما في ذلك أتعاب المحامين والغرامات التي تفرضها المحاكم الإسرائيلية على الأسرى، إلى جانب النفقات الطبية والاحتياجات المرتبطة بظروف الاعتقال بعد التحرر.