وكالة سوا الاخبارية - 8/10/2026 7:16:19 AM - GMT (+2 )
لم يعد من ما زال على «يقينه» بأن الولايات المتحدة قد انتصرت في حرب السنوات الثلاث سوى قلة قليلة بدأت تختفي وتتوارى عن المشهد والأضواء، إلا أن كتلة أكبر من هذه القلة القليلة ما زالت قادرة على أن تطل برأسها عندما يتعلق الأمر بدولة الاحتلال لأن الوقائع في الميدان وفي لبنان وفلسطين تحديداً، وبما يشمل الضفة والقطاع، وليس القطاع فقط، تبدو لهم مختلفة عن حالة اللبس في مسألة انتصار الولايات المتحدة، ولأن «التسليم» بعدم انتصار الولايات المتحدة لا يعني، ولا يوازي برأيهم انتصار إيران وحلفائها، ومن بين هؤلاء الحلفاء كل مكونات محور المقاومة، إضافة إلى كل حلفاء إيران على المستوى الدولي.
العالم كله، الرسمي والشعبي، والرأي العام في العالمين العربي والإسلامي أصبح يدرك أن الولايات المتحدة عجزت عن الحسم والانتصار، والرأي العام داخل الولايات المتحدة، وداخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بات على هذه القناعة، بل وأعمق منها أيضاً، المهم في الأمر هنا أن المؤسسة الرسمية في الولايات المتحدة، وفي دولة الاحتلال بدأتا بصورة مواربة مسار الإقرار بهذا الواقع الجديد.
وليست «الهوبرة» و»الفشخرة» والتبجّح الذي ما زالت تنطوي عليه الخطابات السياسية والإعلامية الأميركية والإسرائيلية على يد كل من ترامب ونتنياهو، كل على طريقته، وبأسلوبه ومصطلحاته، سوى الطريقة للتهرب من هذا الإقرار بالفشل، بالرغم من أن مؤشرات الإقرار أصبحت أوضح من القدرة، ومن أي قدرة على التستر عليها.
المؤشرات الأميركية تأتينا تباعاً.
انزواء ماركو روبيو عن دائرة الفعل والتأثير، وعودة نائب الرئيس ترامب إلى هذه الواجهة بعد أن تمت الإطاحة ببيان المنامة، وتراجع الممر العماني، وقرب التوصل لتوافق واتفاق إيراني عماني على إدارة مضيق هرمز. وهذا معناه ببساطة أن لعبة روبيو قد انتهت إلى غير رجعة.
المؤشر الجديد الآخر هو توصيات القيادات الوازنة في المؤسسة العسكرية الأميركية بالإسراع بقدر الإمكان بوضع حد نهائي للحرب على إيران.
مؤشر ثالث هو حديث الرئيس ترامب عن أن نائب الرئيس هو الذي سيخوض معركة الرئاسة في العام 2028، والأولوية الآن للانتخابات النصفية.
أما المؤشر الأكبر والأخطر فهو الحلف الدفاعي الجديد بين تركيا وباكستان والعربية السعودية، والذي يعكس من بين ما يعكسه مخاوف العربية السعودية من اضطراب الإقليم بعد أن قرأت بعمق الخارطة الجديدة التي بدأت تتبلور جراء الفشل والعجز الأميركي في هذه الحرب.
وما كان ممكناً على الإطلاق أن تقبل الولايات المتحدة على كل تواضع أهدافها في أي درجة من درجات معارضة - حتى لا نقول مناوئة - الهيمنة الأميركية لولا أن الأمور قد أخذت مسارها ووجهتها نحو نهاية الحرب، ونحو الفراغ الاستراتيجي الكبير الناتج عن هذا الواقع الإقليمي الجديد، وهو مُتغيّر هائل سنفرد له مقالات خاصة، وسنحاول ربط هذا الفراغ بنتائج حرب السنوات الثلاث، وبعدم جدوى أي حلف إلا إذا بُني على نظرية الأمن الشامل في الإقليم كله، وعلى قاعدة الحل الإقليمي الشامل، وهو المخرج الوحيد من هذه الحرب التي خسرتها الولايات المتحدة، وخسرتها أولاً وبمقاييس أكبر وأخطر من حجم وتأثير خسارة أميركا هي الخسارة الإسرائيلية.
لأن الحل الإقليمي هو مقتل الأهداف الإسرائيلية في حين أنه المخرج الوحيد من مأزق مرحلة ما بعد الإخفاق والفشل الأميركي.
هنا جوهر المسألة، وهنا بيت القصيد، وهنا مربط الفرس.
من لم يقرأ بعد هذه المعادلة فقد أضاع على نفسه فرصة العمر.
الثمن ستدفعه دولة الاحتلال، وستدفعه من اللحم الحي لأهدافها، ليس فقط من أهدافها المعلنة والمباشرة لهذه الحرب، وإنما من أهدافها وطموحاتها النابعة من طبيعة المشروع وأهدافه التي تراكمت في سياق كامل مسار الصراع في هذا الإقليم على مدار أكثر من سبعين عاماً من هذا الصراع.
وأزعم هنا أيضاً أن هذه القراءة ليست مبكرة وإنما هي عاجلة وضرورية، لأنها ملحة وموضوعية، مؤسسة على رؤية النتائج الحسية الملموسة لما نشهده من ضعف وتآكل في جسد الإمبراطورية الأميركية، ومن ضعف وتآكل مماثل في الحالة الشاملة الإسرائيلية من كل جوانبها، بل إن هذا الضعف بات يطال إلى هذه الدرجة أو تلك، وبهذا القدر أو ذاك الحالة الغربية كلها.
متى سيبدأ مسار دفع الثمن وكيف؟ وكيف نستدل عليه؟
هذه معادلة مركبة لكنها قابلة للتفكيك.
اليمين العنصري المتطرف الحاكم في إسرائيل سيحاول بكل ما ملكت يداه أن يوقف هذا التدهور بأي ثمن، ومهما كانت الوسائل والطرق وسيستميت في ذلك خلال المرحلة القادمة من الشهور التي تفصلنا عن موعد الانتخابات الإسرائيلية - إن جرت - بهدف خلق وقائع جديدة تساعده على الفوز بها، أو تخلق من الوقائع ما يحول القبول بالحل الإقليمي إلى مستحيلات سياسية توقف المسار الانحداري نحو هذا الحل.
لكن نتنياهو الذي بات كما يرى البعض يفكر بالهروب من الحياة السياسية وعقد صفقة لأسقاط التهم وهو أمر ما زال خارج دائرة الترجيح - كما أرى - يفكر بأبعد من ذلك.
إذا عدنا إلى بعض تصريحاته التي كان قد قالها، ولم تستوقف المجتمع السياسي الإسرائيلي كثيراً، فإننا نستنتج منها «عزمه» العمل على التخلص من هذا الائتلاف والتوجه لتشكيل حكومة أغلبية يمينية من كل مكوناتها بمن فيهم نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، والتخلص من معارضي «الليكود» والأحزاب الدينية.
هذه مسألة صعبة وربما مستحيلة تحت قيادته، ولكنها لا تبدو كذلك إذا ما غادر المسرح السياسي.
وهل ستكون هذه المغادرة هي مفتاح الدخول إلى هكذا ائتلاف وحكومة؟
رغم استبعاد الأمر حتى الآن لكن الفرصة ليست معدومة، ولا يجب أن نفاجأ إذا تم إنضاجها على وقع وقف التدهور.
إذا فازت المعارضة، وقد بات فوزها مشروطاً برفع الحظر عن المشاركة العربية فيها على الأغلب، فإن دورها - كما أرى - سيكون ترميم الحالة الإسرائيلية لمحاولة التكيف مع معطيات الحل الإقليمي دون الانخراط فيه، ودون الوقوف العلني والمباشر ضده.
هنا سيعتمد الأمر كله على حجم الثمن.
قد يتم تحت ضغط الظروف الدولية والإقليمية قبول الحل الإقليمي الذي يتضمن أعلى درجة من الضمانات الأمنية بأقل درجة من السيطرة المباشرة الإسرائيلية، ليس في سورية ولبنان فقط، وإنما في الضفة والقطاع أولاً وقبل كل شيء، وهذا هو أبعد ما يمكن أن تذهب إليه هذه المعارضة إذا شكلت حكومتها بعد الانتخابات.
من حيث الجوهر، هذه الحالة ستشكّل هزيمة كاملة لمشروع إسرائيل الكبرى، وستشكّل انتكاسة استراتيجية كبرى لحقيقة المشروع الصهيوني في الإقليم، وهو ثمن من اللحم الحي لهذا المشروع على مدار سبعة عقود، وهو ثمن سيغير من وجه المنطقة والإقليم مهما استغرق من وقت لا يزيد على بضع سنوات على أبعد تقدير.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


