المنطقة بين زمنيْن
وكالة سوا الاخبارية -
2026/08/10

تباعاً تظهر تطورات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لتصنع فارقاً بين زمنين، فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهداف الحرب أحدث شروخاً عميقة في كل مكان، فالولايات المتحدة تحصد نتائج كارثية على الإدارة الجمهورية، ستظهر نتائجها قبل نهاية العام حين تتبدل مواقع ومراكز القوى بعد الانتخابات النصفية.
الحزبان الكبيران يشهدان تبدلات عميقة وانقسامات ظاهرة للعيان، واللوبي الصهيوني يعاني من حالة تراجع في قدرته على التأثير في المجتمع كما في السياسة.
لم تشهد إسرائيل، بل وكان من الصعب أن يتوقع أحد أن تشهد مثل هذا التدهور في مكانتها ودورها في الولايات المتحدة، والقادم يبشر بما هو أسوأ.
المواقف بين الحليفين الاستراتيجيين تتباعد، وقد بدأ تأثير ذلك يظهر على أداء ومواقف نتنياهو وائتلافه الحكومي، الذي تتهمه المعارضة عن حق بأن سياساته الفاشلة أدت إلى التفريط باستقلالية القرار الاسرائيلي والخضوع لمتطلبات السياسة الأميركية، قدرة الردع الأميركية تآكلت، بعد حرب لم تخترها ولم تكن في مصلحة الولايات المتحدة، وها هي تبحث عن مخرج من تلك الورطة التي جرها إليها نتنياهو.
انهارت أيضاً الادعاءات الإسرائيلية، بشأن قدرتها على الردع والتباهي بالجيش الذي لا يقهر، وانهارت معها السردية الإسرائيلية ومعها انهارت او تكاد الأوهام الإسرائيلية بشأن تحقيق هدف إسرائيل الكبرى.
تظهر الولايات المتحدة على أنها حليف غير موثوق، ولا تقبل الشراكات أو تحترم مصالح الحلفاء المضللين، وبالكاد تستطيع إسرائيل الدفاع عن نفسها، خصوصاً بعد أن يقول الرئيس ترامب، بل يعترف حقاً، أنه لولاه لما كانت إسرائيل موجودة.
قبل سنوات، كانت الولايات المتحدة وإسرائىل تحلمان بتشكيل حلف سني معتدل في الشرق الأوسط، على غرار الناتو، و فتح أبواب المنطقة على انضمام الكثير من الدول العربية والإسلامية، لاتفاقيات أبراهام، لكن كل ذلك تبدل إلى شكوى إسرائيلية من نشوء اتفاق دفاع مشترك بين السعودية وتركيا والباكستان، من أن هذا التحاف السني متطرف، إذا جاز لنا أن نختصر فإن ثمة في المنطقة حتى الآن تحالفين، دون أن نقصد البعد الطائفي، ثمة تحالف إيران أو محور إيراني، وثمة محور سني تنخرط فيه دول وازنة بمساحة جغرافية واسعة، وعدد ضخم من السكان، وإمكانيات اقتصادية ومالية، وغطاء نووي، وقدرات تركية متقدمة في مجال الصناعات الدفاعية.
في وقت سابق أعلنت إسرائيل أنها جزء من حلف يضم الهند والإمارات العربية المتحدة، ومفتوح على انضمام المزيد. لكن ما أعلنته إسرائيل حينها، لا يزال لم ير النور وتنتظره صعوبات ليست سهلة.
اتفاقية مكة، لا تزال تخضع للتحليلات خصوصاً أنها لا تصل إلى مستوى الحلف، ولا تحدد الأهداف، أو الخطر الذي يستهدفه هذا الاتفاق، سوى التركيز على مبدأ الدفاع والردع.
في الواقع، فإن إيران لا تزال تشكل سبباً لإقامة مثل هذا التحالف خاصة بالنسبة للسعودية، ولذلك سننتظر سلوك إيران تجاه جيرانها العرب، إذا ما كانت ستنجح في طمأنتهم ومراعاة حسن الجوار بما يساعد في توجيه البوصلة نحو العدو الأساسي المشترك وهو إسرائيل.
في الواقع ثمة توتر شديد في العلاقات التركية الإسرائيلية، حيث تصاعدت التهديدات الإسرائيلية، تحت عنوان «تركيا هي إيران المقبلة»، فضلاً عن الصراع المرير في سورية، التي سبق لوزير الخارجية التركي إن قال إن الوجود الاسرائيلي فيها يشكل تهديدا للأمن القومي التركي حيث المسافة عن الحدود التركية تصل إلى مئتين وخمسين كيلو متراً.
تتوافق السياسات التركية والسعودية بشأن العمل في سورية التي تتعرض لمحاولات إسرائيلية لا تتوقف من أجل تدميرها، والتوسع في أراضيها، وانتهاك سيادتها بصورة يومية تقريباً.
أما الباكستان، فهي بالرغم من علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة، فإنها لا تعترف بإسرائيل.
يلفت النظر تصريح وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف بعد توقيع اتفاق مكة الذي اكد فيه أن إسرائيل تمثل تهديداً للعالم الاسلامي ولهذا يجب أن تكون هناك جبهة عسكرية موحدة ضدها، لكن وزير الدفاع الباكستاني قال قبل ذلك، إن إسرائيل أقوى معاول تهديد الاستقرار في المنطقة كونها جهة إشعال الحروب والمآسي.
هل تكون تصريحات وزير الدفاع الباكستاني مؤشراً على أن الدول الثلاث متفقة على أن التهديد الاسرائيلي يقع في صدارة أولويات الاتفاق ؟
إذا كان علينا أن ننتظر للإجابة عن هذا السؤال، دون أن نهمل مدى أهميته حين يصدر عن وزير دفاع الدولة التي تملك نحو مئة وسبعين رأساً نووياً، وهي ركن أساسي في الاتفاق، فإن حرب الخليج أفرزت جملة من الدروس.
ما يهمنا هو أن التجربة العملية أثبتت أن دول الخليج دفعت أثماناً باهظة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، بسبب وجود القواعد الأميركية على أراضيها، وأنها أيضاً لا تستطيع الرهان على الحماية الأميركية التي ذهبت بصورة مكشوفة لصالح إسرائيل.
يفسر البعض أن صمت الإدارة الأميركية، وغياب تعليقها على إعلان مكة على انه ربما كان الاتفاق قد تم برضا أميركي، ولكنّ ثمة من يعتقد أن الرضا الأميركي، ينطوي على عقوبة أميركية لإسرائيل.
هكذا تتبدل الظروف والأزمنة، وتتحول اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي لم ترَ النور يوماً، وكذا الحماية الأميركية، وادعاءات إسرائيل بالحماية لدول المنطقة إلى اتفاق عربي إسلامي مرشح للتوسع لاستعادة زمام الأمور في المنطقة من قبل أهلها، ولكن ثمة الكثير مما يمكن قوله أيضاً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد