شبكة راية الإعلامية - 8/10/2026 12:26:20 PM - GMT (+2 )
الكاتب: عكرمة ثابت
يمثل التوقيع على "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين المملكة العربية السعودية ، وجمهورية تركيا ، وجمهورية باكستان الإسلامية ، تحولاً جيوسياسياً فارقاً ومفاجئاً في بنية الأمن الإقليمي .
هذا التحالف الدفاعي ، الذي يربط بين كتل ديموغرافية وعسكرية واقتصادية هائلة ، ينص صراحة على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً (على غرار المادة الخامسة لحلف الناتو) .
يأتي هذا المقال التحليلي ليفكك خلفيات هذا الحلف ، وأهدافه ، وأبعاده الإقليمية والدولية ومستقبله السيادي .
أولاً: الخلفية والتوقيت .. لماذا الآن وفي أدق مرحلة تصعيد عسكري وأمني؟!!
لم يأتِ التحالف من فراغ ، بل هو نتاج مسار بدأ باتفاق دفاعي ثنائي بين الرياض وإسلام آباد عام 2025 ، قبل أن يتوسع ليشمل أنقرة .
أما اختيار هذا التوقيت البالغ الحساسية والخطورة ، فيعود إلى عوامل ضاغطة :
_ تراجع المظلة الأمنية الأمريكية :
تزايدت قناعة الرياض بأن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد كافياً لحماية البنية التحتية والموانئ النفطية ، خاصة بعد التنصل الأمريكي من تقديم ضمانات حاسمة ضد الهجمات الإقليمية .
_ تداعيات حرب إيران (2026) :
اندلاع المواجهة العسكرية الشاملة ضد إيران ، وتعرض السعودية لضربات متكررة وهجمات من فصائل مدعومة طهرانياً في اليمن والعراق ، جعل الحاجة ملحة لبناء "حائط صد" فوري يغير الحسابات الهجومية لأي طرف .
_ تكامل المصالح والقدرات : وجد الثلاثي صيغة تكاملية مثالية ؛ السعودية توفر الملاءة المالية والنفوذ السياسي والروحي ، وتركيا تقدم الصناعات الدفاعية المتطورة والتكنولوجيا العسكرية كمقرر في الناتو ، بينما تمنح باكستان الحلف عمقاً بشرياً هائلاً وخبرة عسكرية ، إلى جانب قوتها الردعية كدولة نووية .
ثانياً: أهداف التحالف وانعكاساته على الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية :
يهدف التحالف بالدرجة الأولى إلى صياغة بنية أمنية إقليمية مستقلة تحقق الاكتفاء الذاتي دفاعياً ، دون الاستغناء التام عن الشراكات الدولية .
_ الأثر على الشرق الأوسط :
يخلق التحالف ميزان قوى جديد يعتمد على " الردع الجماعي".
الهدف ليس شن هجوم مباشر على طهران ، بل حماية الممرات البحرية الاستراتيجية (مضيق هرمز وباب المندب) ، وفرض تهدئة إجبارية من خلال رفع كلفة أي مغامرة عسكرية ضد حقول الطاقة الخليجية .
_ الأثر على القضية الفلسطينية :
رغم الطابع الدفاعي العام للاتفاق ، إلا أن توحيد جبهة تضم قوى كبرى ترفض علناً سياسات الهيمنة الإسرائيلية وتطالب بوقف انتهاكاتها يحمل رسائل سياسية قوية . السعودية لا تزال تتمسك بمسار واضح يقود إلى دولة فلسطينية مستقلة كشرط لأي سلام ، ووجود باكستان وتركيا خلفها يمنح الدبلوماسية العربية أوراق ضغط عسكرية وسياسية صلبة في مواجهة مخططات التهجير أو الضم الإسرائيلية.
ثالثاً: الموقف الأمريكي والإسرائيلي من التحالف :
_ الولايات المتحدة تنظر واشنطن إلى الاتفاق بمزيج من القبول الحذر والامتعاض . من جهة ، يتماشى مع استراتيجيتها في تمكين الحلفاء من إدارة أمن مناطقهم وتقليل الانخراط الأمريكي المباشر ؛ لكن من جهة أخرى ، يزعجها خروج حلفائها عن المسار الذي رسمته لبناء بنية أمنية تكون إسرائيل جزءاً منها (توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية) .
_ إسرائيل تسود حالة من القلق والرفض الضمني في الأوساط الإسرائيلية .
ترى تل أبيب في هذا التكتل العسكري تهديداً لتفوقها النوعي التاريخي في المنطقة ، وتخشى أن يضع حداً لقدرتها على الاستفراد بملفات المنطقة ، لاسيما أن قادة الحلف يتحدثون بلغة التضامن الإسلامي والردع المشترك ضد الاعتداءات .
رابعاً: بقية دول المنطقة وأين تقف من هذه المعادلة؟
_ إيران : التزمت الصمت الرسمي بدايةً ، لكن برلمانيين وسياسيين هاجموا الاتفاق ووصفوه بأنه "اتفاق ورقي" لن يجلب الأمن للرياض .
ورغم ذلك ، تقرأ طهران الحلف باعتباره خطاً أحمر يمنعها من تصعيد عملياتها عبر الوكلاء ضد المنشآت السعودية .
_ مصر: تعد "الغائب الحاضر" والأقرب للانضمام .
كشف وزير الخارجية التركي أن مصر مدعوة ومؤهلة لتكون الطرف الرابع في التحالف بمجرد إنهاء المسائل الفنية ، مما سيمنح الحلف عمقاً استراتيجياً هائلاً للتحكم بقرابة كامل الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس .
_ الإمارات العربية المتحدة : تسود توقعات بأن تظل أبوظبي متوجسة من هذا الاتفاق الجديد ، بالنظر إلى التباينات الأخيرة مع الرياض حول ملفات النفوذ في اليمن والسودان والصومال ، وبسبب اتجاه الإمارات نحو بناء شراكات بديلة ومغايرة (مثل التقارب مع الهند وإسرائيل).
خامساً: الأبعاد الإقليمية والدولية للتحالف :
دمر هذا التحالف النظريات السابقة التي حصرت صراعات المنطقة في ثنائيات ضيقة .
_ إقليمياً ، يؤسس لنظام أمني "متعدد الطبقات" ينهي حقبة الفراغ التي كانت تستغلها القوى العسكرية الكبرى .
_ دولياً ، يتقاطع الحلف مع مصالح الصين وروسيا في تهدئة بؤر النزاع لضمان تدفق الطاقة والتجارة عبر ممرات برية وبحرية كبرى يسيطر عليها هذا الثلاثي ، بينما يعيد رسم علاقة الشرق الأوسط بالقوى الغربية كشريك ندّي وليس كتابع يطلب الحماية .
سادساً: التوقعات والنتائج .. هل سيدوم أم سيتفكك؟!
يرتبط نجاح هذا التحالف أو تفككه بقدرته على الصمود أمام الاختبارات الميدانية الأولى والموازنة بين الحسابات الوطنية المعقدة لكل دولة :
_ عوامل الديمومة: إن بقاء التهديدات المشتركة وحاجة الدول الثلاث الحيوية لبعضها (المال السعودي والتكنولوجيا التركية والسلاح النووي الباكستاني) يمثل صمام أمان لاستمرار التنسيق .
كما أن التوجه لتوسيع الحلف نحو مصر ودول أخرى يعطيه طابع المؤسسة الإقليمية المستدامة بدلاً من التكتل المؤقت .
_ مكامن الخطر (ثغرات التفكك) : يكمن التحدي في "الغموض القانوني وبنود الالتزام المباشر" .
فهل ستكون أنقرة ملزمة عسكرياً بالدخول في حرب ضد الحوثيين باليمن إذا تفعّلت الاتفاقية؟ وهل ستقبل الرياض بالدخول في نزاع باكستاني ضد الهند حول كشمير ؟ إضافة إلى أن لباكستان وتركيا حدوداً برية مباشرة ومصالح معقدة مع إيران تجعلهما حريصتين على عدم التحول إلى أداة هجومية صدامية .
_ النتيجة المتوقعة : لن يندفع هذا الحلف نحو مغامرات عسكرية هجومية ، بل سيحافظ على طابعه كأداة ردع دبلوماسية وعسكرية صامتة وعالية الفعالية . سيسهم الاتفاق في خفض حدة التصعيد الإقليمي الإيراني-الخليجي قسراً ، وسيجبر القوى الكبرى وإسرائيل على إعادة حساباتها مئات المرات قبل اتخاذ أي خطوة قد تؤدي إلى صدام مباشر مع تكتل يمتلك ثروات الخليج، وجيش الناتو الثاني ، والعمق النووي الإسلامي .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


