وكالة سوا الاخبارية - 8/10/2026 6:57:22 PM - GMT (+2 )
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد صراع على النفوذ في الشرق الأوسط، كما لم تعد حرب الإبادة على قطاع غزة حدثًا منفصلًا عن التحولات الإقليمية. فكلاهما أصبح جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل توازنات المنطقة، وإعادة تعريف أدوار القوى الفاعلة فيها، ورسم نظام إقليمي جديد قد تمتد آثاره لعقود.
في مثل هذه اللحظات، لا يُحسم التاريخ في ميادين القتال وحدها، بل في السياسة التي تعقبها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه هذه الحرب ليس من ينتصر عسكريًا، بل من يمتلك القدرة على صياغة “اليوم التالي”، وتحويل القوة إلى ترتيبات سياسية جديدة.
ومن هذا المنظور، تبدو إدارة ترامب معنية بإعادة رسم ميزان الردع في المنطقة أكثر من انخراطها في حرب استنزاف جديدة. فتكرار التهديد بتصعيد استخدام القوة العسكرية ضد إيران، رغم بقائه احتمالًا قائمًا ضمن أدوات الضغط، لا يعني بالضرورة أن المواجهة ستتجه إلى حرب شاملة، إذ لطالما استخدمت واشنطن سياسة حافة الهاوية لتعزيز شروطها التفاوضية وردع خصومها. ولذلك، فإن المسار المقبل سيبقى مفتوحًا بين خيارات متعددة، تبدأ بالضغط والعقوبات والتفاوض، ولا تستبعد الخيار العسكري إذا فشلت الأدوات الأخرى.
وفي ظل هذا السياق المتعدد المسارات، لا يمكن تفسير الضغوط الأمريكية المتزايدة لوقف الحرب على غزة باعتبارات إنسانية فقط، رغم أهميتها، بل أيضًا باعتبارها ضرورة استراتيجية. فاستمرار الحرب لم يعد يستنزف إسرائيل وحدها، بل بات يربك المشروع الأمريكي، ويعمق عزلة إسرائيل، ويؤجل ولادة النظام الإقليمي الذي تعمل واشنطن على بلورته.
لذلك، تبدو استراتيجيته قائمة على كسب الوقت وتحسين شروط التفاوض، فيما يحاول المناورة بين ضغط واشنطن لإنهاء الحرب، وائتلافه الذي يرى في أي تسوية تهديدًا لمستقبل الحكومة وأهدافها، سيما أن الحظوظ الانتخابية لمكوّنات ائتلافه آخذة في التراجع. وهنا بيت القصيد.
وهنا يأتي رفض نتنياهو الشديد لـ«خريطة الطريق» التي وافقت عليها حماس ، ليضع الحسابات الانتخابية للكنيست في صلب الموقف، ويطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول مدى جدية الخلاف بين نتنياهو والبيت الأبيض. فكلما طال أمد المواجهة الإقليمية، تأخر الانتقال إلى التسوية في غزة، لكنه لن يلغي الحاجة إليها، إذ تبقى حرب غزة أحد أكثر ملفات المنطقة كلفةً وتعقيدًا أمام واشنطن.
غزة… اختبار النظام السياسي الفلسطيني
غير أن أهمية هذه التحولات لا تكمن في نتائج الصراع الأمريكي–الإيراني بقدر ما تكمن في ما تفتحه من نافذة قد تكون الأخيرة أمام الفلسطينيين لاستعادة زمام المبادرة.
فقد أعادت حرب الإبادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الوعي العالمي بوصفها قضية تحرر وطني وحقوق إنسان، وكشفت في الوقت نفسه فشل المقاربات التي قامت على إدارة الصراع بدلًا من حله. لكن التعاطف الدولي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائيًا إلى إنجاز سياسي. فالتاريخ لا يكافئ الضحية لكونها ضحية، بل يكافئ الشعب القادر على تحويل تضحياته إلى مشروع سياسي.
وهنا تكمن المعضلة الفلسطينية. فإلى جانب اختلال ميزان القوى مع الاحتلال، يبرز غياب القيادة الوطنية الموحدة القادرة على استثمار التحول الدولي والإقليمي. لقد دفعت غزة ثمنًا غير مسبوق دفاعًا عن الوجود الوطني الفلسطيني، لكن النظام السياسي لم يرتقِ بعد إلى مستوى هذه التضحيات، ولم ينجح في تحويلها إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء المشروع الوطني.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: من سيربح المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟ بل: هل يستطيع الفلسطينيون تحويل التحول الإقليمي إلى فرصة لإعادة تأسيس مشروعهم الوطني، أم ستُدار نتائج هذه التحولات من خارج إرادتهم؟
من يصنع المستقبل الفلسطيني؟
ما تزال الفرصة قائمة، لكنها لن تبقى مفتوحة طويلًا. فالاحتمال الأول هو أن يُصاغ مستقبل غزة، وربما مستقبل القضية الفلسطينية، في العواصم الإقليمية والدولية، بينما يبقى الفلسطينيون أسرى الانقسام وغياب الرؤية المشتركة. وعندها قد تُفرض ترتيبات تخفف من الكارثة الإنسانية، لكنها لا تؤسس لمسار ينهي الاحتلال أو يعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني، بل تكرس إدارة الشأن الفلسطيني ضمن ترتيبات يصوغها الآخرون.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن تتحول التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها غزة، إلى لحظة تأسيس جديدة للحركة الوطنية. غير أن ذلك لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى الوحدة، بل بإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة الوطنية، والشرعية الديمقراطية، والمؤسسات الجامعة، ورؤية استراتيجية توحد بين مهام التحرر الوطني ومتطلبات بناء الدولة.
فالتحدي لم يعد اختيار شكل الحكومة المقبلة أو توزيع الصلاحيات بين المؤسسات، بل إعادة تعريف وظيفة النظام السياسي نفسه. فالمطلوب ليس سلطة تدير السكان تحت الاحتلال، وإنما حركة تحرر وطني تمتلك مؤسسات حديثة، قادرة في آن واحد على قيادة النضال الوطني وبناء الدولة الديمقراطية.
وتفرض هذه المهمة مراجعة عميقة لتجربة السلطة الوطنية. فقد أثبتت السنوات الماضية، والحرب الأخيرة بصورة خاصة، أن إضعاف سيادة القانون، وتراجع المشاركة الشعبية، واستبدال المساءلة بالمحاصصة، لم تكن مجرد اختلالات إدارية، بل عوامل أضعفت قدرة المجتمع نفسه على الصمود في مواجهة الاحتلال. فالمجتمع الحر، الذي تحكمه مؤسسات شرعية وقضاء مستقل ومساءلة حقيقية، هو الأكثر قدرة على حماية مشروعه الوطني.
ومن هنا، فإن إعادة تأسيس المشروع الوطني لا تبدأ بإعادة إعمار غزة فقط، على أهميتها، بل بإعادة بناء العقد السياسي الفلسطيني؛ عقد يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الوطني الجامع، ويجدد شرعيتها عبر الديمقراطية، ويقيم علاقة متوازنة بين مؤسسات الدولة وحركة التحرر، بحيث تصبح كل منهما رافعة للأخرى، لا بديلًا عنها.
إن إعادة تأسيس المشروع الوطني لا تعني التراجع عن ثوابته، ولا استبدال هدف التحرر بإدارة الواقع القائم، بل تعني امتلاك أدوات أكثر قوة وشرعية للدفاع عن الحقوق الوطنية. فالتجربة أثبتت أن مشروع التحرر لا يستقيم من دون مجتمع حر ومؤسسات تمثيلية، كما أن بناء الدولة لا يمكن أن ينجح في ظل غياب استراتيجية وطنية تنهي الاحتلال. ولذلك، فإن الربط بين التحرر الوطني والديمقراطية ليس ترفًا فكريًا، بل شرطًا من شروط الصمود وتحويل التضحيات إلى مكاسب سياسية.
الفرصة التي لا تنتظر
إن غزة لا ينبغي أن تُختزل في كونها ساحة دمار أو مجرد ملف لإعادة الإعمار، بل يجب أن تُقرأ باعتبارها لحظة سياسية فارقة كشفت مأزق النظام القائم، وفي الوقت ذاته فتحت إمكانية إعادة بناء الحركة الوطنية على أسس جديدة.
لقد أثبتت غزة، بصمودها وتضحياتها، أن الشعب الفلسطيني ما زال قادرًا على الدفاع عن وجوده الوطني، لكنها كشفت أيضًا أن البطولة وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى سياسة، وأن التضحيات، مهما عظمت، لا تصنع مستقبلًا ما لم تجد قيادة قادرة على ترجمتها إلى مشروع وطني جامع.
ولعل المفارقة التاريخية أن الحرب التي أُريد لها أن تُنهي القضية الفلسطينية أو تدفعها إلى الهامش، قد أعادت وضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية. لكن هذه اللحظة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ فالتاريخ لا ينتظر من يتردد في صناعة مستقبله.
إن ما يتقرر اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل غزة أو بشكل الإدارة التي ستتولى شؤونها بعد الحرب، بل بمستقبل المشروع الوطني الفلسطيني نفسه؛ هل سيبقى مشروعًا للتحرر الوطني وبناء الدولة الديمقراطية، أم سيتحول إلى ملف إنساني وأمني يُدار ضمن ترتيبات إقليمية ودولية يصوغها الآخرون.
وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للحركة الوطنية الفلسطينية. فالمطلوب ليس فقط وقف الحرب أو إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، بل إعادة إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها؛ سياسة تستعيد وحدة التمثيل، وتجدد الشرعية عبر الديمقراطية، وتبني مؤسسات قادرة على الجمع بين مهام التحرر الوطني ومتطلبات الحكم الرشيد.
وفي النهاية، فإن قيمة هذه اللحظة لن تُقاس فقط بما ستنتهي إليه الحرب الأمريكية ضد ايران، بل بما إذا كان الفلسطينيون سيتمكنون من تحويل ما قدموه من تضحيات إلى مشروع وطني جديد. فالتاريخ يمنح الشعوب، في لحظات نادرة، فرصًا استثنائية، لكن مسؤوليتها أن تُحَوِّلها إلى بدايات جديدة. فمن يملك القرار الفلسطيني هو من سيحدد ما إذا كانت غزة بداية إعادة تأسيس، أم ستترك لتتحول إلى أخطر كارثة وطنية في التاريخ الفلسطيني الحديث.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


