خاص | "اتفاق لا اتفاق".. محلل سياسي يقرأ ملامح المرحلة المقبلة في غزة
شبكة راية الإعلامية -

قال المحاضر في الإعلام والكاتب والمحلل السياسي الدكتور إياد القرا، إن التطمينات التي تلقتها حركة حماس والفصائل الفلسطينية بشأن التزام إسرائيل بما يترتب عليها وفق تفاهمات ما يسمى «خريطة الطريق» جاءت نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها عوامل داخلية إسرائيلية وأخرى إقليمية، إلى جانب الموقف الذي أبدته حماس والفصائل خلال مراحل التفاوض الأخيرة.

وأوضح القرا، خلال حديثه لشبكة رايـــة الإعلامية، أن الوسطاء باتوا يدركون أن حركة حماس والفصائل الفلسطينية تعاملت، خلال الفترة الماضية، بروح إيجابية مع مسار التفاوض، وأنها قدمت ما لديها، فيما تكمن المشكلة، وفق تقديره، في الموقف الإسرائيلي.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة، إلى جانب الجهات الدولية المشاركة في جهود الوساطة، تسعى في الوقت نفسه إلى إيجاد مخرج لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحيث لا يظهر أمام المعارضة الإسرائيلية وكأنه اضطر إلى الاستسلام لحماس أو تقديم تنازلات كبيرة لها.

«اتفاق لا اتفاق».. صيغة لتخفيف الضغوط

ورأى القرا أن المسار الحالي قد يتجه نحو صيغة يمكن وصفها بأنها «حالة اللا اتفاق» أو «اتفاق لا اتفاق»، بحيث يجري خفض مستوى التوتر والعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة دون الإعلان رسمياً عن تنفيذ اتفاق شامل.

وأضاف أن هذه الصيغة تسمح، بحسب تقديره، بتطبيق بعض البنود بصورة تدريجية أو غير معلنة، بما يخفف الحرج عن الحكومة الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يؤدي إلى تهدئة الأوضاع على الأرض.

وأكد أن الجانب الفلسطيني لم يسجل، وفق ما أشار إليه الوسطاء خلال اللقاءات الأخيرة، خروقات واضحة للتفاهمات، معتبراً أن هذا الأمر كان ينبغي أن ينعكس على طريقة التعامل مع الطرف الإسرائيلي أيضاً.

مساعٍ لإخراج نتنياهو من المأزق

وقال القرا إن التعامل الأمريكي والدولي مع نتنياهو يختلف، في هذه المرحلة، عن الطريقة التي جرى التعامل بها في مراحل سابقة مع الفصائل الفلسطينية.

وأوضح أن الولايات المتحدة والجهات الوسيطة لم تتخذ موقفاً علنياً شديد اللهجة تجاه نتنياهو بسبب رفضه بعض بنود الاتفاق، ولم تهاجمه أو تتهمه بأنه لا يريد التوصل إلى اتفاق، كما كان يحدث في السابق مع الفصائل الفلسطينية.

وبحسب القرا، فإن ما يحدث حالياً هو محاولة لتوفير مساحة لنتنياهو تسمح له بتنفيذ بعض البنود بطريقة غير مباشرة أو «صامتة»، بما يساعده على تجاوز المأزق السياسي الداخلي دون الظهور أمام جمهوره باعتباره قدم تنازلات لحماس.

وقف الغارات خطوة إيجابية رغم محدوديتها

وفي تقييمه لما يمكن أن يكون مقبولاً إسرائيلياً في المرحلة الحالية، أشار القرا إلى تجارب سابقة خلال الحروب على قطاع غزة، موضحاً أن إسرائيل سبق أن لجأت إلى ترتيبات ميدانية دون الإعلان رسمياً عن اتفاقات شاملة.

واستشهد بما جرى في أعقاب حربي عامي 2008 و2014، حيث توقفت العمليات العسكرية وانسحبت القوات الإسرائيلية من بعض المناطق دون الإعلان بالضرورة عن تفاصيل اتفاق رسمي.

ورأى أن السيناريو الحالي قد يكون أكثر تعقيداً، لكنه لا يستبعد تكرار أسلوب مشابه، بحيث يجري تنفيذ بعض البنود التي يمكن أن تعتبرها إسرائيل مقبولة دون الإعلان عن اتفاق شامل.

وأشار إلى أن وقف الهجمات الإسرائيلية المباشرة على قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة يمثل مؤشراً مهماً، لافتاً إلى أن المرحلة الحالية كانت، وفق وصفه، في اليوم الخامس تقريباً من دون غارات مباشرة واسعة النطاق.

مرونة في التعامل مع «المنطقة الصفراء»

وتطرق القرا إلى التطورات المتعلقة بما يعرف بـ«المنطقة الصفراء»، مشيراً إلى وجود قدر من المرونة في تعامل حركة حماس مع حركة المواطنين في تلك المناطق.

كما تحدث عن معلومات، نقلها عن شهود عيان، تفيد بحدوث انسحابات إسرائيلية محدودة من بعض المناطق التي كانت قد توسعت فيها القوات الإسرائيلية، إلى جانب احتمال توقف عمليات التوسع في مناطق أخرى.

وشدد على ضرورة التعامل بحذر مع هذه المعلومات، لكنه اعتبر أن أي تراجع إسرائيلي، ولو كان محدوداً، يمكن أن يترك أثراً مهماً على حياة المدنيين، خصوصاً في ظل المساحات المحدودة التي يعيش فيها النازحون.

إمكانية تحسين الأوضاع الإنسانية

ورجح القرا أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات إضافية لتحسين الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، بما في ذلك زيادة إمكانية وصول بعض الاحتياجات الأساسية مثل الوقود وغاز الطهي وغيرها من المواد الضرورية للسكان.

وأكد أن هذه الخطوات، رغم أنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب فلسطينياً، تظل إيجابية من ناحية تأثيرها المباشر على حياة المدنيين.

وأضاف أن مجرد توقف آلة القتل والغارات الإسرائيلية يمثل، في ظل الظروف التي يعيشها القطاع، تطوراً بالغ الأهمية بالنسبة للفلسطينيين.

«وقف العمليات أمر إيجابي في ظل ذروة الحرب»

ووصف القرا توقف العمليات والغارات خلال الأيام الأخيرة بأنه تطور إيجابي، خصوصاً أن الأيام التي سبقت هذا الهدوء شهدت تصعيداً شديداً، جعل الأوضاع في القطاع أقرب إلى ذروة الحرب.

وقال إن الحديث عن خيام يمكن استهدافها في أي لحظة، ومربعات سكنية يجري إخلاؤها على نطاق واسع، يعكس حجم الخطر الذي كان يواجه المدنيين.

ورأى أن تحسين هذه الأوضاع أو وقف بعض الانتهاكات يمكن أن يشكل خطوة أولى نحو استمرار حالة التهدئة خلال الفترة المقبلة.

الانتخابات الإسرائيلية تحد من قدرة نتنياهو

وفي قراءته للمشهد السياسي الإسرائيلي، توقع القرا أن تستمر هذه الحالة من التهدئة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن نتنياهو لن يكون في موقع يسمح له باتخاذ خطوات كبيرة باتجاه الانسحابات التي يجري الحديث عنها.

وأوضح أن نتنياهو قد يفضل ترك مساحة للجيش الإسرائيلي للتحرك ميدانياً، بحيث تحدث تراجعات محدودة هنا أو هناك دون أن يتحمل هو بصورة مباشرة تبعات قرار سياسي كبير.

وأضاف أن تضييق نطاق «المنطقة الصفراء» وعودة انتشار القوات إلى مساحة أقل يمكن أن يكون له تأثير كبير على المدنيين، خصوصاً النازحين الذين يعيشون في مناطق مكتظة ومساحات محدودة للغاية.

تراجع القوات يخفف العبء عن النازحين والمؤسسات الإنسانية

وأكد القرا أن أي تراجع إسرائيلي من بعض المناطق من شأنه أن يخفف العبء عن النازحين والمؤسسات الإنسانية والإغاثية التي تعمل في قطاع غزة.

وأشار إلى أن تقليص المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية أو تخفيف القيود المفروضة على حركة المدنيين يمكن أن يوفر مساحة أكبر أمام المؤسسات الإنسانية لتقديم الخدمات، كما يمنح النازحين هامشاً إضافياً للحركة والاستقرار.

وفي ختام حديثه، شدد القرا على أن المرحلة الحالية لا تعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي، وإنما قد تكون أمام مسار تدريجي يقوم على خفض التصعيد وتنفيذ محدود لبعض التفاهمات، في انتظار ما ستؤول إليه التطورات السياسية داخل إسرائيل ومواقف الأطراف والوسطاء خلال الفترة المقبلة.



إقرأ المزيد