طفلة تخاف الحمام وشقيقتها مريضة دون علاج.. حكاية عائلة محاصرة في قصرة
شبكة قدس الإخبارية -

خاص - شبكة قُدس: كان يوسف حسان يخرج من منزله في منطقة رأس العين ببلدة قصرة كل صباح متوجهًا إلى عمله، ويعود في نهاية النهار إلى زوجته وطفلتيه كندا ذات الأعوام الأربعة، وحور ذات العامين والنصف. كان يومه يسير على إيقاع بسيط: عمل في النهار، وبيت في المساء، وطفلتان تكبران أمامه مع تفاصيلهما الصغيرة.

عرفت كندا بيتها جيدًا، وأين تلعب وتنام ومتى يدخل والدها من الباب. وكانت حور، الأصغر منها، لا تزال في عمر تتشكل فيه أيامها من الأشياء الأقرب إليها؛ أمها وأبوها وأختها والبيت الذي تعيش فيه، ولكن منذ كانون الثاني/يناير، بدأ هذا اليوم العادي يتغير.

يقول حسان إن مجموعة من المستوطنين نصبت خيمة في منطقة رأس العين، ومنذ ذلك الوقت بدأت الاعتداءات تتكرر حول المنزل. كانوا يأتون بصورة شبه يومية، يرشقون البيت وساحته بالحجارة، ويقطعون المياه والكهرباء، ويقومون بجولات حول المكان، فيما تعرضت العائلة للهجوم أكثر من مرة.

في إحدى المرات، اقتحم المستوطنون المنزل وحطموا محتوياته أثناء غياب العائلة. وفي مرات أخرى، وقعت الهجمات وهم داخله.

يتذكر حسان إطلاق النار باتجاه المنزل وإلقاء قنابل صوتية، كما يروي حادثة أخرى يقول فيها إن المعتدين فتحوا أسطوانة غاز وأدخلوها إلى المطبخ، في محاولة لتفجير المنزل.

مع تكرار هذه الحوادث، لم يعد ما يحدث مجرد اعتداءات يتحدث عنها الأب بعد انتهائها؛ صار شيئًا تعيشه طفلتا العائلة في يومهما.

كندا، ذات الأعوام الأربعة، بدأت تعاني من التبول اللإرادي في النهار والليل، وترفض استخدام الحمام لأنها تعتقد أن المستوطنين سيهاجمونها، بحسب والدها.

لم تكن كندا بحاجة إلى أن تفهم تفاصيل ما يجري حول المنزل كي يتغير سلوكها. بالنسبة إليها، كان يكفي أن ترى الخوف في المكان من حولها حتى تصبح حاجة يومية مثل دخول الحمام مرتبطة باحتمال هجوم.

ثم مرضت حور؛ الطفلة التي لم تتجاوز عامها الثالث تعاني من الزكام وارتفاع الحرارة والاستفراغ. يحاول والدها تخفيف أعراضها بالأعشاب ودواء «تروفين»، لكن الدواء أوشك على النفاد، بينما تحتاج الصغيرة إلى زيارة الطبيب. وهنا ظهرت مشكلة أخرى: كيف تصل طفلة مريضة إلى الطبيب إذا كان الطريق إلى المنزل مغلقًا؟

أمس، حاولت مركبة إسعاف الوصول إلى العائلة، لكن طريقها، وفق رواية حسان، اعترضه المستوطنون، ولم تتمكن من الوصول إلى المنزل. بقيت حور في مكانها، فيما واصل والدها محاولة تخفيف مرضها بما هو متوفر لديه.

وفي الخارج، كان الوضع يتجه إلى مزيد من التضييق.

قبل يومين، نُصبت خيمة بالقرب من منزل يوسف والفيلا المجاورة، وأُغلقت الطرق الرئيسية والفرعية، بحسب حسان. ويقول إن مجموعات من المستوطنين، يقدّر عدد أفراد المجموعة الواحدة منها بنحو عشرة، تقوم بجولات حول المنزل ليلًا ونهارًا، وتراقب المكان.

أما المياه والكهرباء، فقد انقطعتا عن المنزل منذ أكثر من شهرين. ومع انقطاع الكهرباء، لجأت العائلة إلى مساعدة أحد الجيران، الذي شبك لهم من ألواح الطاقة الشمسية لديه. لكن ما يصل إلى المنزل محدود، وينقطع عندما لا تكفي الطاقة المتوفرة. ومع استمرار الحصار، بدأ الطعام والخبز بالنفاد أيضًا.

لم تعد المشكلة إذن في حادثة واحدة يمكن للعائلة تجاوزها بعد انتهائها. كل حاجة يومية أصبحت مرتبطة بالوضع المحيط بالمنزل: الكهرباء تحتاج إلى مصدر خارجي، والطعام يحتاج إلى طريق مفتوح، والدواء يحتاج إلى الوصول إلى الصيدلية أو الطبيب، والطبيب نفسه يحتاج إلى سيارة إسعاف تستطيع الوصول.

في الداخل، يعيش يوسف وزوجته وطفلتاهما في حالة من الخوف والهلع، ويقول إنهم لا يستطيعون النوم بصورة طبيعية.

وبينما يحاول الأب أن يتعامل مع مرض حور، يتعامل في الوقت نفسه مع خوف كندا، ومع نقص الطعام والكهرباء، ومع مراقبة المنزل والطرق المحيطة به.

قبل أشهر، كان خروج يوسف إلى العمل حدثًا عاديًا في يومه، وعودته إلى المنزل نهاية طبيعية لذلك اليوم. أما الآن، فقد تغيرت وظيفة العودة نفسها؛ صار عليه أن يعود ليطمئن إلى طفلتيه، وأن يعرف كيف سيمضي الليل، وماذا سيفعل إذا احتاجت إحداهما إلى الطبيب.

في هذه العائلة، لا يظهر أثر ما يحدث في رواية طويلة عن الخوف، بل في سلوك طفلة في الرابعة، وفي حرارة طفلة لم تكمل عامها الثالث، وفي سيارة إسعاف توقفت قبل أن تصل إلى باب المنزل.

كندا لا تعرف لماذا أصبحت تخشى الحمام، وحور لا تعرف لماذا لا يستطيع والدها أخذها إلى الطبيب. أما يوسف، فيعرف أن أبسط احتياجات طفلتيه أصبحت تحتاج إلى شيء لم يعد متاحًا بسهولة: طريق مفتوح.

ولذلك، حين ينتهي يومه، لم يعد يوسف يفكر فقط في موعد العمل التالي. ينظر إلى طفلتيه ويتابع حال حور، ويحاول أن يطمئن كندا، ثم ينتظر مع عائلته ليلة أخرى.

كان يعرف في السابق أن عمله ينتهي عندما يعود إلى البيت. الآن، ينتهي يومه حين يتأكد أن طفلتيه ما زالتا بخير.