شبكة قدس الإخبارية - 8/12/2026 1:45:22 PM - GMT (+2 )
ترجمة عبرية - شبكة قُدس: يتسع نطاق العزلة الدولية التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي، لتتجاوز الإدانات والمواقف السياسية إلى إجراءات قانونية واقتصادية بدأت تؤثر في قرارات الحكومات والمؤسسات المالية والشركات الدولية.
وخلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، وتحديدًا منذ تشكيل حكومة اليمين نهاية عام 2022، تراكمت مجموعة من الإجراءات والقيود والتحذيرات المرتبطة بالاستيطان وسياسات الاحتلال، قبل أن تشكل حرب غزة المستمرة منذ 7 أكتوبر، نقطة تحول سرعت هذا المسار ووسعت نطاقه.
ويشير الباحث الاقتصادي في صحيفة «كالكاليست»، أوري تال تينا، إلى أن حكومات غربية بدأت بإصدار تحذيرات بشأن النشاط الاقتصادي في المستوطنات، فيما أعادت مؤسسات مالية النظر في استثماراتها، وطُلب من شركات دولية التعامل مع مخاطر الامتثال والتبعات القانونية المرتبطة بأنشطتها في فلسطين المحتلة.
وفي مقال نشره موقع «زمان إسرائيل» العبري، يرى تال تينا أن تآكل مكانة الاحتلال لم يبدأ مع حرب غزة، بل سبقها، وارتبط بالانقلاب القانوني الذي أحدثته حكومة اليمين، والتوسع في بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية، والتصريحات الصادرة عن وزراء في حكومة الاحتلال بشأن ضم الضفة الغربية وتغيير واقعها، قبل أن تضيف الحرب بعد 7 أكتوبر 2023 طبقة جديدة وأكثر حدة من الضغوط الدولية.
من العزلة السياسية إلى المخاطر الاقتصاديةيقول تال تينا إن الاحتلال كان يشعر، مع نهاية عام 2022، بالعزلة وفق المعنى التقليدي، لكن السنوات التالية شهدت اتساعاً تدريجياً في دائرة الإجراءات السياسية والقانونية والاقتصادية التي لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل.
فقد أصدرت دول تحذيرات رسمية بشأن الاستثمار في المستوطنات، وشددت مؤسسات مالية سياساتها الاستثمارية، وبدأت شركات دولية إعادة النظر في أنشطتها التجارية، فيما وفرت المحاكم والمؤسسات الدولية إطاراً قانونياً زاد الضغط على الحكومات والشركات.
ووفق الكاتب، وجد بنك الاحتلال نفسه أمام فجوة تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار في الصادرات إلى دول أوروبية اتخذت مواقف أكثر انتقاداً خلال عام 2025، بالتزامن مع تزايد الأدلة على حذر المستثمرين والشركات الدولية في التعامل مع السوق الإسرائيلية.
ومع ذلك، لا يرى تال تينا أن الاحتلال يواجه في المستقبل القريب خطراً يتمثل في مقاطعة اقتصادية شاملة، لكنه يراكم تدريجياً ما يسميه «علاوة مخاطر» سياسية وقانونية واقتصادية، بحيث تبدو كل خطوة منفردة محدودة التأثير، بينما يؤدي تراكمها إلى تغيير أوسع في مكانة الاحتلال داخل الاقتصاد والمجتمع الدوليين.
ويؤكد أن هذا التحول يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى سرعة حدوثه، إذ نادراً ما شهد تاريخ الاحتلال تغيراً بهذه الحدة في موقعه الدولي خلال فترة زمنية قصيرة.
الحرب على غزة سرعت التراجعقبل اندلاع الحرب، كانت حكومة الاحتلال تواجه انتقادات متزايدة بسبب سياساتها الداخلية والخارجية، إذ حذر اقتصاديون ومستثمرون ووكالات تصنيف ائتماني وحكومات حليفة من تداعيات تغيير منظومة الضوابط والتوازنات في أعقاب الانقلاب القانوني.
وفي الوقت ذاته، توسع البناء في البؤر الاستيطانية، وتبنى وزراء في حكومة الاحتلال مواقف تدعو إلى ضم الضفة الغربية وإلغاء السلطة الفلسطينية، وهي مواقف كانت تُسمع سابقاً في أوساط اليمين الأكثر تطرفاً، قبل أن تنتقل إلى مستوى رسمي على لسان وزراء بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ومع اندلاع حرب غزة، حظي الاحتلال في بدايتها بدعم سياسي واسع في عدد من الدول الغربية، لكن استمرار الحرب وارتفاع أعداد الشهداء الفلسطينيين وتفاقم الأزمة الإنسانية أدى إلى تراجع هذا الدعم، واتساع الانتقادات الموجهة إلى سياساته.
ويرى تال تينا أن الربط بين الحرب وسياسات حكومة الاحتلال خلق واقعاً جديداً؛ فلم تعد قضية المستوطنات، بالنسبة إلى حكومات أوروبية وعربية وإسلامية، ملفاً منفصلاً عن الحرب، بل أصبحت جزءاً من العلاقة مع الاحتلال.
كما أضرت تصريحات وزراء الاحتلال بشأن إقامة مستوطنات في قطاع غزة بالرواية الإسرائيلية التي حاولت تقديم الحرب باعتبارها موجهة حصراً ضد حركة حماس، وأتاحت للجهات الدولية المنتقدة للاحتلال مساحة أوسع لمهاجمته.
المقاطعة ليست المسار الوحيديشدد الكاتب على ضرورة التمييز بين ثلاثة مسارات مختلفة غالباً ما يجري الخلط بينها في النقاش العام: حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، واللوائح الحكومية المتعلقة بمنشأ المنتجات والجمارك والمشتريات، والقرارات التجارية التي تتخذها الشركات والمؤسسات المالية بناءً على تقييم المخاطر.
وبحسبه، كان تأثير حملات المقاطعة المباشر على اقتصاد الاحتلال محدوداً لسنوات، إذ بقي الضغط في الغالب ضمن إطار الحملات السياسية والمدنية والإدانات. لكن خلال عامي 2024 و2025 طرأ تغير جوهري، بعدما بدأت دول بترجمة مواقفها السياسية إلى إجراءات عملية، من بينها قيود على الاستثمار، وعقوبات موجهة، وتوجيهات تنظيمية، وتحذيرات للشركات من المخاطر القانونية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، وفق الكاتب، تحديث المملكة المتحدة إرشاداتها المتعلقة بالمخاطر للشركات العاملة في الأراضي المحتلة، وتشديد القيود القائمة على الأنشطة الاقتصادية والمالية في المستوطنات.
ويرى تال تينا أن أهمية هذه الإجراءات تكمن في كونها صادرة عن حكومة رسمية لدولة تُعد من أبرز حلفاء الاحتلال، وليس عن منظمة سياسية أو حملة مدنية.
كما واصل الاتحاد الأوروبي التمييز بين الأراضي الواقعة داخل الخط الأخضر والمستوطنات، عبر تطبيق مبادئ توجيهية قائمة منذ عام 1995، وأقرتها محكمة العدل الأوروبية عام 2019، وتنص على عدم منح منتجات المستوطنات الامتيازات الجمركية المقررة بموجب اتفاقية التجارة الحرة مع الاحتلال، وضرورة وضع علامات تميز منشأها.
المستوطنات وعنف المستعمرينويشير الكاتب إلى أن مركز الثقل في الضغط الاقتصادي على الاحتلال انتقل تدريجياً من المنظمات والحملات الأهلية إلى الحكومات والهيئات التنظيمية والمحاكم، مع تركيز متزايد على المستوطنات.
ويقول إن تصريحات وزراء الاحتلال بشأن توسيع المستوطنات وضم مزيد من الأراضي وتغيير الوضع القائم في الأراضي المحتلة أسهمت في إضعاف مكانة الاحتلال، كما أن تصاعد إرهاب المستعمرين ضد الفلسطينيين زاد من الضغوط الدولية.
ويربط تال تينا ذلك، جزئياً، بسياسات وزراء في الحكومة قلصت قدرة الأجهزة الأمنية على ملاحقة المستعمرين المتطرفين، إلى جانب الدعم والميزانيات الموجهة إلى البؤر الاستيطانية غير القانونية، التي ينطلق منها كثير من الاعتداءات ضد الفلسطينيين.
كما أن انتشار صور الاعتداءات ونتائج العنف ضد الفلسطينيين ساهم في زيادة الضغوط الدولية الرامية إلى عزل الاحتلال سياسياً واقتصادياً.
ورغم تسجيل صادرات الاحتلال أرقاماً قياسية، يحذر الكاتب من اختزال الوضع الاقتصادي في مؤشرات التجارة وحدها، إذ إن التأثير الأعمق قد يظهر في قرارات المستثمرين والشركات والحكومات، ولا تتوزع هذه التأثيرات بالتساوي بين القطاعات والدول، فيما تراجعت الصادرات إلى دول شددت مواقفها تجاه الاحتلال.
عزلة تراكمية لا قرار واحدويخلص تال تينا إلى أن الاتجاه نحو عزل الاحتلال دولياً بصورة جزئية ليس نتيجة قرار واحد أو حدث منفرد، بل حصيلة عملية تراكمية تشكلت طبقة فوق أخرى، بدأت مع سياسات حكومة اليمين نهاية عام 2022، ثم تسارعت بفعل الحرب على غزة.
وتُظهر هذه القراءة أن تراجع مكانة الاحتلال لا يرتبط فقط باستمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما بالطريقة التي تنظر بها دول ومؤسسات دولية إلى سياسات حكومة الاحتلال، والتوسع الاستيطاني، وتصريحات وزرائها، والتعامل مع الفلسطينيين.
وبذلك، فإن الكلفة التي يواجهها الاحتلال لا تتجسد بالضرورة في مقاطعة شاملة أو انهيار اقتصادي مباشر، وإنما في تآكل تدريجي للثقة السياسية، وارتفاع المخاطر القانونية، وتزايد القيود على الاستثمارات والأنشطة التجارية، واتساع الفجوة مع حلفاء تقليديين.
ومع استمرار الحرب وسياسات التوسع والاستيطان، يبدو أن الاحتلال يدخل مرحلة تتجاوز فيها العزلة حدود الخطاب السياسي إلى إعادة حسابات فعلية لدى الحكومات والشركات والمؤسسات المالية، بما يهدد بتعميق عزلته الدبلوماسية والسياسية ورفع كلفته الاقتصادية على المدى الطويل.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


