شبكة راية الإعلامية - 8/12/2026 3:55:24 PM - GMT (+2 )
على حافة ليلة جديدة في قطاع غزة، كانت أميرة عبد الهادي، البالغة من العمر 35 عامًا، تحاول أن تصنع من الخوف مساحة صغيرة للنجاة.
لم يكن يفصلها عن أصوات القصف والانفجارات سوى جدار متصدع، فيما كانت تحمل في أحشائها طفلًا ينتظر أن يرى النور في وقتٍ غابت فيه ملامح الحياة الآمنة.
كانت أميرة تقضي ساعات طويلة على الأرض، محاطة بأطفالها الخمسة، تراقب وجوههم الصغيرة وتحاول أن تمنحهم شيئًا من الطمأنينة التي فقدها الجميع.
أسئلتهم كانت أكبر من أعمارهم، وخوفهم من المجهول يزداد مع كل ليلة جديدة.
قبل الحرب، كانت متابعة حملها جزءًا من حياتها اليومية؛ مواعيد طبية منتظمة، أدوية، وفحوصات تمنحها شعورًا بالأمان.
أما خلال الحرب، فقد أصبح الوصول إلى الرعاية الصحية تحديًا آخر يضاف إلى قائمة طويلة من المخاوف.
كانت تراقب حركة طفلها في بطنها، وكأن كل ركلة منه تطمئنها بأنه ما زال بخير. تقول في داخلها: “أنا هنا”، فتبتسم رغم القلق، وتحاول أن تخفي دموعها عن أطفالها.
عندما بدأت الحرب، غادرت أميرة منزلها حاملة معها القليل مما استطاعت إنقاذه: بعض الملابس، أوراقًا شخصية وذكريات لم تكن تعرف حينها أنها قد تصبح كل ما تبقى لها من حياتها السابقة. خرجت وهي تعتقد أن النزوح لن يطول، وأن العودة إلى المنزل مسألة أيام، لكن الأيام امتدت، وأصبح الرجوع حلمًا مؤجلًا.
في مكان النزوح، ضاقت مساحة الحياة واتسعت مساحة الخوف. شحّ الماء والطعام، وازدادت صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية، بينما كانت أميرة تواجه قلقًا مضاعفًا: خمسة أطفال يحتاجون إلى الحماية والرعاية، وطفل سادس ينتظر موعد ولادته وسط ظروف بالغة القسوة.
ورغم ذلك، حاولت أن تحافظ على تفاصيل صغيرة تشبه الحياة.
في إحدى الليالي، اقترب منها طفلها الأصغر وسألها ببراءة:
ماما، لما يجي البيبي، هنجيب له ألعاب وملابس حلوة؟
توقفت أميرة للحظة. كانت تعرف أن السؤال بسيط، لكن الإجابة عليه كانت أصعب من أي شيء آخر. ابتسمت وقالت له: أكيد يا حبيبي… هنجيب له أجمل الحاجات.
لم تكن أميرة تملك حينها إجابة عن الغد، لكنها كانت تملك القدرة على حماية حلم طفلها. كانت تلك الكلمات محاولة لإبقاء شيء من الطفولة حيًا وسط واقعٍ قاسٍ.
ومع اقتراب موعد الولادة، كان الخوف يكبر معها. أين ستلد؟ كيف ستصل إلى الرعاية الطبية؟ وهل ستكون الظروف متاحة لها ولطفلها؟ أسئلة كثيرة بقيت بلا إجابات واضحة، لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا: تمسّكها بالحياة.
لم تكن أميرة قوية طوال الوقت. كانت تخاف، تبكي، وتتعب، لكنها كانت تعود في كل مرة إلى أطفالها. فالأمومة، بالنسبة لها، لم تكن مجرد مسؤولية، بل كانت سببًا للاستمرار.
في غزة، لا تنتظر أميرة طفلها فقط؛ إنها تنتظر معه لحظة تعود فيها الحياة إلى معناها، وتصبح الولادة بدايةً لا استمرارًا للخوف.
وبين أصوات القصف وصمت الانتظار، تتمسك أميرة بفكرة بسيطة: أن يولد طفلها سالمًا، وأن يجد يومًا عالمًا أكثر أمانًا من العالم الذي انتظر فيه ولادته.
تقول لنفسها:
ربما لا أملك الأمان…لكنني ما زلت أملك الأمل.
وفي زمنٍ تُسلب فيه أشياء كثيرة من الناس، بقي الأمل بالنسبة لأميرة شيئًا لا تستطيع الحرب أن تنتزعه منها .
إقرأ المزيد


