شبكة راية الإعلامية - 8/13/2026 9:08:22 AM - GMT (+2 )
حذر الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، من التداعيات الصحية بعيدة المدى لاستمرار سوء التغذية بين الأطفال في قطاع غزة، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص الوزن أو الغذاء، وإنما باتت تهدد نمو الأطفال وتطورهم العقلي والنفسي، وقد تمتد آثارها إلى أجيال قادمة.
وقال الفرا، خلال حديثه لشبكة رايـــة الإعلامية، إن سوء التغذية ما زال يضرب مختلف الفئات في قطاع غزة، رغم وجود تحسن نسبي في حركة المعابر ودخول البضائع، مشيرًا إلى أن القطاع لا يزال يعاني من ظروف إنسانية وصحية قاسية، أبرزها استمرار انعدام الكهرباء ومحدودية الحصول على المياه والغذاء.
وأوضح أن قطاع غزة شهد خلال الفترة الماضية مستويات شديدة الخطورة من انعدام الأمن الغذائي، وصلت في إحدى المراحل إلى التصنيف الخامس وفق المعايير الدولية، بينما تتراوح الأوضاع حاليًا، بحسب تقييمه، بين التصنيفين الثالث والرابع.
المياه والكهرباء جزء من أزمة الغذاء
وأشار الفرا إلى أن تحسن حركة دخول بعض البضائع لا يعني انتهاء أزمة الغذاء، موضحًا أن قطاع غزة لا يزال يعاني من نقص حاد في الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه.
ولفت إلى أن نصيب الفرد من المياه لا يتجاوز، وفق ما عرضه، نحو ثلاثة لترات يوميًا، في حين تشير التحذيرات الصحية إلى ضرورة توفير ما لا يقل عن 15 لترًا للفرد يوميًا لتلبية الاحتياجات الأساسية، بينما يبلغ المعدل العالمي المتعارف عليه نحو 100 لتر للفرد.
وأكد أن انقطاع الكهرباء يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي، خصوصًا فيما يتعلق بمصادر البروتين المتاحة في القطاع، والتي تعتمد بدرجة كبيرة على الأغذية المجمدة التي تحتاج إلى الكهرباء للحفظ، سواء قبل الطهي أو بعده.
وأوضح أن غياب الكهرباء قد يؤدي إلى فساد هذه الأغذية وفقدان مصدر مهم من مصادر البروتين، ما يزيد من صعوبة حصول الأطفال والسكان على تغذية متوازنة.
تراجع الإنتاج الزراعي يزيد الأزمة
وأشار الفرا كذلك إلى أن جزءًا كبيرًا من الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة الخضروات والفواكه يقع في المناطق الشرقية من قطاع غزة، وهي مناطق قال إن الاحتلال لا يسمح بزراعتها في الوقت الحالي، ما ينعكس على توفر المنتجات الزراعية ومصادر الغذاء المحلية.
وأكد أن استمرار هذه الظروف يطيل أمد أزمة سوء التغذية ويحد من قدرة الأسر على توفير احتياجات أطفالها الغذائية بصورة منتظمة.
استمرار سوء التغذية يهدد نمو الأطفال
وحذر مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر من خطورة استمرار سوء التغذية لفترات طويلة، مشيرًا إلى أن تقارير ودراسات دولية تحذر من الآثار الصحية المترتبة على استمرار سوء التغذية لدى الأطفال لأكثر من أربعة أسابيع متواصلة.
وأوضح أن هذه الآثار قد تشمل التقزم وتأخر البلوغ وتأخر النمو العقلي والنفسي والعصبي، إضافة إلى مشكلات في التركيز والحفظ والتفاعل مع المحيط.
وقال إن بعض الآثار العصبية والنفسية الناتجة عن سوء التغذية الشديد خلال مراحل النمو المبكرة قد تستمر حتى بعد تحسن الوضع الغذائي وتوفر الطعام لاحقًا، الأمر الذي يجعل معالجة الأزمة الغذائية بصورة عاجلة أمرًا بالغ الأهمية.
خطر يمتد إلى جيل كامل
ورأى الفرا أن تداعيات سوء التغذية في غزة قد تتجاوز الأطفال الذين يعيشون الأزمة حاليًا، لتؤثر في دورة حياة جيل كامل.
وأوضح أن النساء الحوامل اللواتي تعرضن لسوء تغذية شديد خلال فترات المجاعة قد يواجهن مخاطر أعلى لولادة أطفال منخفضي الوزن أو مبتسرين.
وأشار إلى أن معدلات الولادة المبكرة أو انخفاض وزن المواليد، وفق الأرقام التي أوردها، ارتفعت في قطاع غزة إلى مستويات تتراوح بين 30 و40%، وأحيانًا 50%، مقارنة بنحو 10% قبل الحرب.
وأكد أن انخفاض وزن المولود أو الولادة المبكرة قد يرتبطان لاحقًا بمشكلات صحية متعددة، من بينها اضطرابات النمو، وزيادة مخاطر الإصابة بالسمنة والسكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم في مراحل لاحقة من العمر.
كما أشار إلى وجود مخاوف من آثار نفسية وعصبية طويلة الأمد، بما في ذلك مشكلات القلق وبعض الاضطرابات النمائية، مؤكدًا أن تداعيات سوء التغذية لا تنتهي بمجرد تحسن توفر الغذاء.
الأطفال من 6 أشهر إلى 6 سنوات الأكثر هشاشة
وحول الفئات الأكثر عرضة لمخاطر سوء التغذية والتقزم، أوضح الفرا أن الأطفال من عمر ستة أشهر وحتى ست سنوات يمثلون الفئة الأكثر هشاشة وحاجة إلى التدخل العاجل.
وقال إن المؤسسات الدولية والمنظمات الصحية تركز بصورة كبيرة على هذه الفئة العمرية، نظرًا إلى حساسية مرحلة النمو وحاجتها إلى الغذاء المتوازن والمكملات والتدخلات العلاجية المناسبة.
وشدد على ضرورة العمل على تدارك ما يمكن تداركه من خلال توفير الغذاء والمكملات الغذائية والعلاجات اللازمة للأطفال، قبل أن تتحول آثار سوء التغذية إلى مشكلات دائمة.
وقف إطلاق النار والكهرباء والغذاء.. أولويات عاجلة
وأكد الفرا أن مواجهة سوء التغذية في قطاع غزة تحتاج إلى منظومة متكاملة من الإجراءات، تبدأ، بحسب قوله، بـوقف حقيقي لإطلاق النار، بما يوفر للسكان شعورًا بالأمن والأمان ويسمح ببدء معالجة الأزمة الإنسانية والصحية بصورة فعالة.
كما شدد على ضرورة توفير الكهرباء في القطاع، ليس فقط لتحسين ظروف الحياة اليومية، وإنما أيضًا لحفظ الأغذية وتشغيل المرافق الصحية وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة.
وطالب بالسماح بإدخال كميات غير محدودة من الاحتياجات الأساسية للأطفال، بما يشمل الحليب والمكملات الغذائية والتركيبات الخاصة وأنواع الحليب اللازمة للحالات الطبية.
نقص حاد في مستلزمات العناية بالأطفال
وفي جانب آخر، كشف الفرا عن نقص حاد في مستلزمات طبية أساسية داخل القطاع، مشيرًا إلى أن بعض الاحتياجات الطبية أصبحت أكثر صعوبة في التوفر خلال الفترة الحالية.
وقال إن زملاءه في أقسام العناية المركزة أبلغوه بعدم توفر جهاز تحليل غازات الدم، وهو من الأجهزة الأساسية لمتابعة الأطفال الموضوعين على أجهزة التنفس الصناعي.
كما أشار إلى نقص ما يعرف بالـ«سنترال لاين»، أو القسطرة الوريدية المركزية، التي تستخدم لإعطاء العلاجات والسوائل والأدوية للأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية مكثفة.
وأضاف أن النقص يشمل أيضًا الإنسولين، الذي وصفه بأنه «هرمون الحياة» بالنسبة لمرضى السكري، مؤكدًا أن عدم توفر مثل هذه المستلزمات والأدوية يزيد من صعوبة تقديم الرعاية الطبية للأطفال المرضى.
دعوات إلى تدخل عاجل لإنقاذ الأطفال
وفي ختام حديثه، شدد الفرا على أن أزمة سوء التغذية في غزة لا يمكن التعامل معها باعتبارها أزمة غذاء فقط، بل هي أزمة متكاملة تشمل الغذاء والمياه والكهرباء والرعاية الصحية والأدوية والمستلزمات الطبية.
وأكد أن حماية الأطفال من التداعيات طويلة المدى لسوء التغذية تتطلب تدخلًا عاجلًا لتوفير الغذاء العلاجي والمكملات والحليب والمياه والكهرباء والأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب توفير بيئة آمنة ومستقرة تسمح للأطفال بالنمو والتعلم والتعافي.
وحذر من أن استمرار الأزمة دون معالجة شاملة قد يترك آثارًا تمتد لسنوات طويلة، مؤكدًا أن إنقاذ الأطفال اليوم يمثل، في الوقت نفسه، حماية لصحة جيل كامل ومستقبل المجتمع في قطاع غزة.
إقرأ المزيد


