شبكة راية الإعلامية - 8/13/2026 3:16:24 PM - GMT (+2 )
الكاتب: عكرمة ثابت
تأتي انتخابات الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 ، كإستفتاء تاريخي على العقد الاجتماعي والأمني داخل إسرائيل .
تخوض الدولة العبرية هذه الانتخابات وهي غارقة في استنزاف عسكري ممتد ، من تعزيز السيطرة في قطاع غزة والضفة الغربية ، مروراً بتبادل الضربات والضغط العسكري المستمر في لبنان وسوريا ، وصولاً إلى المواجهات المباشرة وغير المباشرة مع إيران وميليشياتها في العراق واليمن .
هذا التوسع العسكري لا يعكس فائض قوة بقدر ما يعكس "عقيدة الحرب الأبدية" التي ينتهجها اليمين الحاكم .
ورغم إتمام الحكومة ومدتها الدستورية ، فإن هذه الحروب أحدثت شرخاً عميقاً في الاقتصاد والمجتمع ، وفجرت أزمة ثقة حادة تجاه نزاهة وإدارة حزب الليكود الحاكم للملفات المصيرية.
_ مصير نتنياهو وتفكك "العفن السياسي" لليكود :
وفق العديد من استطلاعات الرأي ، يواجه بنيامين نتنياهو تراجعاً كبيراً ، حيث تمنح الاستطلاعات معسكره الحالي 50 مقعداً فقط ، وهو ما يمنعه من تشكيل حكومة (الأغلبية تتطلب 61 مقعداً) .
سقوط الليكود ليس وليد الصدفة ، بل هو نتاج عقود من النفاق الاجتماعي والفساد المؤسسي القائم على المحسوبية أو ما يُعرف بـ "الكومبينا" (المرتبطة بالامتيازات وتوزيع الموارد العامة) .
نتنياهو وظف الحرب لضمان بقائه السياسي والهروب من محاكمات الفساد وعزل نفسه عن المبادرات الدولية (مثل رفضه خطة ترامب الأخيرة لإنهاء حرب غزة ليرضي جمهور اليمين المتطرف المتطلع لضم الضفة) .
غياب نتنياهو المتوقع عن المشهد بعد الهزيمة سيترك الليكود في أزمة وجودية ، لكون الحزب تحول لكيان "مشخصن" يتمحور حول زعيمه دون بديل يمتلك ذات القدرة على المناورة .
_ غادي آيزنكوت .. "الأمير المغربي" والإنكار الإشكنازي :
تشير استطلاعات الرأي الى صعود صاروخي فلكي لـ "غادي آيزنكوت" وحزبه الجديد "يشار" (مستقيم) ، والذي يتربع حالياً على صدارة هذه الإستطلاعات بـ 24 مقعداً متفوقاً على الليكود (22 مقعداً) .
*سوسيولوجيا الصعود : آيزنكوت (رئيس الأركان الأسبق المنحدر من أصول مغربية) ، يمثل بضاعة سياسية نادرة .
إنه يمنح الطبقة الوسطى "الشرقية" بديلاً نظيفاً غير فاسد عن الليكود .
*سياسة الإنكار : في المقابل ، تتبناه النخبة "الإشكنازية" (المهيمنة تقليدياً على مراكز القوة والصهيونية الليبرالية) كـ "مخلص" طال انتظاره . هذا التبني يسمح للطبقة الوسطى الإشكنازية بوهم التغيير السياسي والعودة لـ "سيادة القانون الديمقراطي"، دون الحاجة لمواجهة الانقسام الإثني-الطبقي (الشرقي ضد الإشكنازي) المتجذر في المجتمع .
آيزنكوت يُقدم نفسه كـ "مصحح أخلاقي" وعسكري رصين يجسد حالة قوية ضد "شخصية بيبي" الفاسدة والمراوغة .
_ الأحزاب العربية في الداخل "بيضة القبان" الرقمية والمأزق الأخلاقي :
بناءً على الحسابات الرقمية الدقيقة لاستطلاعات الرأي ، تبرز معضلة الحكم الكبرى لـ "محور التغيير" :
*حتمية الاعتماد على الصوت العربي : يمتلك معسكر التغيير الصهيوني مجتمعاً حوالي 60 مقعداً .
هذا يعني حسابياً وعملياً أن غادي آيزنكوت لا يمكنه حكم البلاد أو نيل ثقة الكنيست دون دعم مباشر أو غير مباشر (عبر شبكة أمان) من الأحزاب العربية ( القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس ، والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ، والحركة العربية للتغيير ، والتجمع الوطني الديمقراطي ) .
*شرط سيادة القانون مقابل الحقوق : ستحاول الأحزاب العربية استغلال هذا الواقع الحاسم لفرض شروط تتعلق بمكافحة الجريمة المستفحلة في الداخل ، ووقف سياسات هدم المنازل ، وتوجيه الميزانيات للمجالس المحلية . لكن المفارقة تكمن في أن آيزنكوت ، الذي يرفع شعار "سيادة القانون الديمقراطي المبدأ التنظيمي الوحيد" ، سيجد نفسه في مأزق أمام جمهوره الصهيوني إذا بدا و كأنه "مرتهن" للأحزاب العربية ، مما يوحي بأن عمر حكومته سيكون قصيراً جداً نتيجة التناقضات الحزبية والاتهامات اليمينية له بـ "تجاوز الخطوط الصهيونية الحمراء" .
_المستقبل الأمني في الضفة الغربية (إدارة النزاع لا حله) :
إن صعود آيزنكوت وسقوط نتنياهو واليمين المتطرف (بن غفير وسموتريتش) قد يغير "شكل" إدارة الملف الأمني في الضفة الغربية ، لكنه لن يغير "جوهره" الاستعماري :
*تفكيك الميليشيات الاستيطانية : الإيجابية النسبية لحكومة بقيادة آيزنكوت تكمن في محاولة استعادة "هيبة الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية" في الضفة، ما يعني كبح جماح إرهاب المستوطنين المنفلت وضبط الميليشيات المسلحة التي حظيت بغطاء بن غفير .
*نهج "العصا والجزرة" ونظام الحواجز : آيزنكوت كجنرال عسكري يؤمن بنظرية "إدارة النزاع وتقليصه" وليس حله. لن نشهد في عهده تفكيكاً للحواجز أو انسحاباً ، بل سيعاد مأسسة النظام الأمني بشكل يتفادى الانفجار الشامل ؛ عبر تسهيلات اقتصادية مشروطة (الجزرة) مقابل قبضة استخباراتية وعسكرية صارمة ضد المقاومة (العصا) .
لن يكون هناك أفق لحل سياسي يمنح الفلسطينيين دولة، بل ترتيبات أمنية تسعى للاستقرار دون دفع أثمان سياسية .
_ الخلاصة: هل هناك أفق للهدوء ؟
لا يوجد أفق قريب لهدوء مستدام .
المجتمع الإسرائيلي أفرز إجماعاً يمينياً وعسكرياً جديداً حول "الأمن الصارم" ، حتى وإن سقط نتنياهو وفريقه المتطرف .
المخرج الوحيد الذي يراه معسكر آيزنكوت من " كوكب الفساد " هو استعادة "دولة القانون والمؤسسات" داخلياً.
لكن على الصعيد الإقليمي والفلسطيني ، يظل هذا المعسكر متمسكاً بمقاربات عسكرية هجومية .
بالتالي ، فإن تغيير الوجوه في تل أبيب بفضل الصوت العربي قد ينهي حقبة الفساد "البيزنطي" لليكود ، ويعيد تنظيم القبضة الأمنية في الضفة ، لكنه لن ينهي عقيدة المواجهة ، مما يجعل "الهدوء" مجرد استراحات محارب قصيرة في حرب استنزاف إقليمية ممتدة .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


