ُدمر محله مرتين.. فايز رواجبة يفقد مصدر رزقه فيما تُمهَّد جنين لعودة الاستيطان
شبكة قدس الإخبارية -

رام الله - خاص قدس الإخبارية:  منذ نحو عشرة أعوام، يعمل فايز حاتم رواجبة في بيع الخضار والفواكه. بدأ مهنته قرب معبر الجلمة، وبنى من هذا العمل مصدر رزقه الوحيد لإعالة أسرته المكوّنة من ثمانية أفراد. لكن محله الأول هُدم، فاضطر إلى البحث عن مكان آخر يبدأ فيه من جديد.

قبل نحو أربع إلى خمس سنوات، انتقل رواجبة إلى مدخل دير أبو ضعيف، عند دوار البادية. اشترى قطعة أرض، وأقام عليها محلًا جديدًا، وعاد إلى المهنة التي يعرفها، محاولًا استعادة الاستقرار الذي فقده مع الهدم الأول.

يقول رواجبة: «منذ عشر سنوات وأنا أعمل في مجال بيع الخضار. كنت أعمل سابقًا قرب معبر الجلمة، ولكن الاحتلال هدم المحل. وقبل نحو أربع إلى خمس سنوات، انتقلت إلى مدخل دير أبو ضعيف عند دوار البادية، واشتريت قطعة أرض وفتحت محلًا جديدًا وبدأت العمل من جديد، إلى أن صدر اليوم قرار بالهدم وتم تنفيذه بالفعل».

لم يكن المحل الثاني بالنسبة إليه مشروعًا إضافيًا، بل كان عمله الوحيد. ومن دخله كان يعيل أسرته، ولذلك كان الهدم يعني فقدان مصدر الرزق نفسه، لا مجرد خسارة مكان تجاري.

يقول: «لا أملك عملًا سوى محل الخضار الذي أملكه، ولا يوجد لدي أي عمل آخر. هذا المحل هو مصدر رزقي الوحيد».

وكان رواجبة قد تلقى إخطارًا بالهدم منحه، وفق إفادته، مهلة أسبوع واحد فقط. وبعد انتهاء المهلة، نُفذ القرار، ليجد الرجل نفسه أمام التجربة ذاتها للمرة الثانية.

يستعيد تجربته الأولى قائلًا: «كان لدي محل في الجلمة، وهُدم أيضًا عام 2020. انتقلت بعدها إلى أول الدير، عند دوار البادية، ومنذ نحو خمس سنوات وأنا أعمل هنا، واليوم عادوا وهدموه لي».

خمس سنوات قضاها رواجبة في المكان الجديد لم تكن مجرد فترة عمل؛ كانت سنوات من إعادة بناء ما خسره. اشترى الأرض، وأقام المحل، وبدأ بتوفير بضاعته، وبنى علاقته بزبائنه، ثم وجد نفسه مرة أخرى أمام الهدم.

لكن خسارة رواجبة تأتي هذه المرة في سياق يتجاوز محله وحده. فقد طالت إخطارات الهدم نحو 40 منشأة تجارية على الشارع الالتفافي شرق جنين، في وقت تتواصل فيه إجراءات إغلاق الطرق ومصادرة الأراضي وتجريفها.

وفي 12 آب/أغسطس، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بدء هدم 26 مبنى فلسطينيًا في محافظة جنين، وقال إن «عملية هدم 26 مبنى عربيًا غير قانوني انطلقت صباح اليوم في جنين، تمهيدًا لاستئناف الاستيطان في المنطقة».

وفي اليوم التالي، بدأت عائلات من المستوطنين العودة إلى موقع جانيم شرق جنين، بعد 21 عامًا من إخلائه عام 2005، في خطوة أعادت الموقع إلى المشهد الاستيطاني في المحافظة.

ولم يتوقف حديث سموتريتش عند جانيم، إذ تحدث عن العمل على إقامة 11 مستوطنة جديدة في شمال الضفة الغربية، مشيرًا إلى مواقع بينها حومش وشانور وجانيم وكاديم.

وهكذا تتقاطع قصة رواجبة مع تحول أوسع في المنطقة: منشآت فلسطينية تُهدم، وطرق تُغلق، وأراضٍ تُصادر، وفي المقابل يجري الحديث علنًا عن إعادة الاستيطان إلى مواقع أُخليت قبل سنوات.

وتقول الصحفية إيمان سيلاوي إن ما تشهده جنين يمثل «تغولًا عسكريًا واستيطانيًا»، لا يقتصر على الهدم، بل يترافق مع مصادرة الأراضي وتجريفها وشق الطرق وإقامة مواقع عسكرية وبؤر استيطانية جديدة.

وتشير سيلاوي إلى أن إغلاق الشارع الالتفافي دفع سكان الجلمة وعرانة إلى قطع مسافة تصل إلى نحو 40 كيلومترًا للوصول إلى مدينة جنين، بعدما كانت المسافة في الظروف الطبيعية نحو ثلاثة كيلومترات، الأمر الذي يضيف أعباء على المرضى والطلبة والعمال وأصحاب المصالح.

وفي عرابة، تشير المعطيات المحلية إلى أن نحو 1500 دونم مزروعة بأشجار الزيتون باتت محرمة على أصحابها منذ عام 2023، فيما وصلت الأراضي المصادرة لصالح مستعمرة «مافو دوتان» إلى نحو 749 دونمًا، وأُغلقت قرابة 1400 دونم أخرى بالسواتر الترابية في محيط «عيمك دوتان». كما صودرت نحو 230 دونمًا لإقامة المستعمرة الجديدة شمال عرابة.

وتصف سيلاوي هذا الاستهداف بأنه لا يقتصر على المصادرة المباشرة، بل يشمل «التجريف وشق الطرق العسكرية والاستيطانية وإزالة الأشجار ومنع أصحاب الأراضي من الوصول إليها».

لكن خلف هذه الأرقام، تبقى قصة فايز رواجبة واحدة من أكثر الصور وضوحًا لكلفة ما يحدث على حياة الناس.

رجل أمضى عقدًا في مهنة واحدة، خسر محله الأول، فاشترى أرضًا وبنى محلًا ثانيًا، ثم خسر الثاني أيضًا. لم يكن لديه مشروع آخر ينتقل إليه، ولا مصدر دخل بديل يعوضه عن عمله.

في المرة الأولى هُدم محل فايز، فانتقل وبنى من جديد. وفي المرة الثانية هُدم المكان الذي بناه ليكون بداية جديدة. وبين المحلين، بقيت أسرة من ثمانية أفراد تعتمد على مصدر رزق واحد أُزيل من أمامها.

ولذلك، فإن ما خسره رواجبة ليس محلًا بجدرانه وبضاعته فقط؛ إنه سنوات من العمل ومحاولتان لبناء مصدر رزق وحياة مستقرة.

واليوم، بعدما أُزيل محله الثاني، يعود السؤال ذاته الذي واجهه بعد هدم محله الأول: أين يبدأ من جديد؟

فبينما يقول سموتريتش إن هدم المباني يمهّد لاستئناف الاستيطان، يقف فايز على الجانب الآخر من هذه المعادلة، وقد هُدم المكان الذي كان يسترزق منه للمرة الثانية.

هو لم يكن يبحث عن أرض جديدة أو مشروع كبير؛ كان يبحث فقط عن مكان يعمل فيه، ويعود منه إلى أسرته بما يكفيها. لكن حتى هذا المكان أصبح هدفًا للهدم