وكالة سوا الاخبارية - 8/14/2026 5:25:22 PM - GMT (+2 )
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي التشريعي (المتوقع في نوفمبر 2026)، تقف الساحة الفلسطينية أمام منعطف تاريخي شديد التعقيد. وفي ظل حالة الانفكاك الشعبي عن الفصائل التقليدية، وتداعيات مرحلة ما بعد الحرب الطاحنة في قطاع غزة ، تبرز التعديلات القانونية الأخيرة—وعلى رأسها خفض نسبة الحسم إلى 1% واعتماد نظام "سانت ليغو"— كمتغيرات جوهرية لن تكتفي بتغيير شكل البرلمان، بل ستعيد هندسة النظام السياسي الفلسطيني برمته.
أولاً: الخارطة الديموغرافية والرياضيات الانتخابية
بناءً على الإسقاطات الإحصائية الحالية، يمكن تأطير المشهد بالأرقام التالية:
* الكتلة السكانية والناخبة: من أصل 5.5 مليون نسمة، هناك قرابة 2.95 مليون مواطن يحق لهم الاقتراع (ممن بلغوا 18 عاماً فأكثر).
* نسبة المشاركة وأزمة العزوف: بالقياس مع نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية السابقة، والأوضاع الفلسطينية الراهنة في قطاع غزة والضفة الغربية، يتوقع ألا تتجاوز نسبة الإقبال 55% (ما يعادل 1.54 مليون مقترع)، وهو تراجع حاد يعكس "تصويتاً عقابياً صامتاً" وحالة من اليأس العام.
* عتبة الحسم (1%): بناءً على حجم الاقتراع المتوقع، ستحتاج أي قائمة إلى قرابة 15,400 صوت فقط لضمان مقعدها تحت قبة البرلمان.
ثانياً: سيناريو التوزيع البرلماني المتوقع (132 مقعداً)
وفقاً للأوزان السياسية الحالية، ومع تطبيق نظام "سانت ليغو" (الصديق للقوائم الصغيرة)، فإن التوزيع المتوقع يفرز المشهد التالي:
* حركة فتح: 35% (46 مقعداً)
* حركة حماس : 20% (26 مقعداً)
* التيار الإصلاحي: 15% (20 مقعداً)
* الجبهة الشعبية: 12% (16 مقعداً)
* بقية الفصائل: 8% (11 مقعداً)
* القوائم المستقلة والشبابية والعائلية مجتمعة: 10% (13 مقعداً)
ثالثاً: التحليل الاستراتيجي وديناميكيات المشهد
1. ثنائية "الشرعية القانونية" مقابل "العجز الشعبي":
برلمان ينتخبه 55% فقط من الشارع هو برلمان "قانوني" بلا شك، لكنه سيعاني من "عجز في الشرعية الشعبية". غياب نصف المجتمع عن الصناديق يضعف قدرة المجلس التشريعي القادم على اتخاذ قرارات مصيرية، خاصة في ملفات ثقيلة كإعادة إعمار غزة وإصلاح منظومة السلطة الفلسطينية.
2. سقوط الأغلبية المطلقة وتكريس "البرلمان الفسيفسائي":
تؤكد الأرقام انتهاء حقبة هيمنة الفصيل الواحد، لن تستطيع أي من القوى الكبرى الوصول منفردة إلى الأغلبية (67 مقعداً). هذا التفتت، المدفوع بنظام "سانت ليغو"، سيجعل المجلس التشريعي ساحة للمناورات المعقدة، مما يهدد بإنتاج حكومات ائتلافية هشة وقابلة للسقوط عند أول أزمة، على غرار أزمات البرلمانات الإسرائيلية والإيطالية.
3. القوائم الصغيرة كـ "بيضة القبان" وتكتيك "قوائم الظل":
في برلمان لا يمتلك فيه أحد الأغلبية، ستتحول الكتل الصغيرة (المستقلون والعائلات بـ 13 مقعداً) إلى صانع الملوك. وهنا تبرز الخطورة؛ فالفصائل الكبرى، هرباً من التصويت العقابي، ستعمد إلى تمويل "قوائم ظل" عشائرية ومناطقية لاجتياز عتبة الـ 15 ألف صوت بسهولة. هذا التكتيك سيؤدي إلى ترييف وتكريس "العشائرية" داخل المؤسسة التشريعية على حساب العمل الوطني المُمأسس.
4. معضلة التعافي وإعادة الإعمار:
قطاع غزة، المنهك من الحرب، يحتاج إلى حكومة قوية وموحدة قادرة على جلب التمويل الدولي وفرض الأمن وإدارة الإعمار. البرلمان المفتت والمثقل بالمحاصصات الفصائلية والعائلية سيكون عاجزاً عن توفير الغطاء السياسي لحكومة تكنوقراط فاعلة، مما قد يعيق جهود التعافي بشكل كارثي.
رابعاً: التوصيات الاستراتيجية:
بناءً على المعطيات السابقة، نوصي بما يأتي:
* للقوى السياسية وصناع القرار: ضرورة التوجه نحو بناء "تحالفات وطنية عريضة" قبل الانتخابات (قوائم مشتركة) لضمان كتلة برلمانية وازنة قادرة على تشكيل حكومة مستقرة، وتجنب الانزلاق نحو فوضى الائتلافات الهشة.
استبدال تكتيك "قوائم الظل" بالدفع بشخصيات "تكنوقراط" ومستقلين مشهود لهم بالكفاءة ونظافة اليد، لإعادة بناء الثقة مع الشارع والمجتمع الدولي.
* للنخب والمستقلين والمجتمع المدني:
تجنب تفتيت الأصوات عبر تشكيل عشرات القوائم الصغيرة. العتبة المنخفضة (1%) هي فخ قد يؤدي إلى ضياع الأصوات أو اختطافها. يجب التوحد في "قائمة وطنية للمستقلين" تحمل برنامجاً واضحاً للإنقاذ وإعادة الإعمار، لتشكل ثلثاً معطلاً وإيجابياً داخل البرلمان.
* للشارع الفلسطيني (الكتلة الناخبة):
إن المقاطعة في ظل نسبة الحسم المتدنية تعني عملياً إهداء مقاعد البرلمان لـ "الأقلية المنظمة" (الكتل الصلبة للفصائل والتحالفات العشائرية). التغيير يتطلب المشاركة وكثافة التصويت أولاً، ثم التصويت لقوائم الكفاءات الحقيقية لرفع سقف العتبة الانتخابية وإسقاط قوائم المحاصصة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


