عنصرية تحميها نصوص موضوعة، واحتلال بتوجيهات إلهية مزعومة
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. محمد عودة

بدأت الصهيونية من فرضية قلبت العلاقة بين الأرض والإنسان رأسًا على عقب: أرض الميعاد موجودة، وعلى الأغلب ليس في فلسطين، أما الشعب الذي يسكنها فيجب طرده أو إبادته حسب نصوص بعض الأسفار، ومن هنا لم تكن المشكلة في العثور على الأرض، بل في اختراع شعب لليهود، واختراع رواية تجعل الأرض يهودية وفارغة، وعليه فلا بد من إعادة قراءة النصوص القديمة، وانتقاء ما يخدم الفكرة، وإعادة تفسير الوعد الديني بوصفه حقًا تاريخيًا وسياسيًا، ثم بناء رواية عن شعب يعود إلى أرضه بعد غياب طويل. وهكذا تحولت «أرض الميعاد» من مفهوم ديني إلى مشروع سياسي، وتحول سكان الأرض إلى عائق أمام استعادة أرض قيل إنها كانت تنتظر أصحابها

لكن المفارقة الأعمق أن المشروع لم يكتفِ بالقول إن الأرض لنا، بل احتاج إلى الإجابة عن سؤال أكثر خطورة: وماذا نفعل بمن وجدناه على الأرض؟ هنا تبدأ رحلة النص والتفسير، ومن «الشعب المختار» إلى «الأغيار»، ومن الشعوب التي تذكرها الأسفار إلى روايات الطرد والاستئصال، ومن إعادة تفسير الماضي إلى إعادة تعريف الإنسان في الحاضر، وعند هذه النقطة تصبح عبارة «الحيوانات البشرية» التي أطلقها يوآف غالانت على سكان غزة جزءًا من سؤال أكبر بكثير من عبارة قيلت في لحظة حرب: كيف يُعاد تعريف الإنسان عندما يصبح وجوده نفسه عقبة أمام رواية الأرض؟

تبدأ الحكاية من رواية تقول إن بني إسرائيل عندما دخلوا أرض الميعاد كانوا قلة، فاستنجدوا بالرب كي يرسل إليهم من يساعدهم في الزراعة والحرث، فجاءت المساعدة في صورة غير مألوفة، حتى قيل إن الله حوّل الحيوانات إلى بشر لكي تساعدهم. قد تبدو الرواية غريبة، لكن أهميتها بالنسبة إلى موضوعنا تكمن في السؤال الذي تثيره حول الحدود بين الإنسان وغيره، وحول الطريقة التي يمكن بها للرواية الدينية أن ترسم صورة الجماعة التي تقف في مركز العالم، ومن يقف خارجها.

في التصور القرآني تأتي الإجابة من مكان مختلف تمامًا، فالقرآن يقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ويقول كذلك: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. فالكرامة ليست لعرق محدد ولا لقومية محددة ولا لجماعة سياسية بعينها، وإنما لـ«بني آدم». فالإنسان إنسان قبل أن يكون صاحب هوية أو دين أو أرض أو دولة.

لكن عندما ننتقل إلى بعض نصوص الأسفار، نجد صورة أخرى لعلاقة الجماعة بالأرض وبالشعوب التي تعيش عليها، ففي سفر التثنية ترد أسماء سبع أمم مرتبطة بأرض كنعان: الحثيون والجرجاشيون والأموريون والكنعانيون والفرزيون والحويون واليبوسيون، وتأتي في هذا السياق أوامر شديدة تجاه هذه الشعوب، وفي موضع آخر، في تثنية 20، ترد ستة من هذه الشعوب، ويظهر نص يتحدث عن عدم إبقاء «كل ما يتنفس» حيًا في المدن التي يحددها النص، وهنا يظهر السؤال: كيف تتحول الأرض التي توصف بأنها أرض الميعاد إلى أرض يصبح فيها وجود شعب آخر مشكلة ينبغي حلها بالطرد أو الاستئصال؟

ولا تتوقف الصورة عند الحرب والطرد، ففي سفر اللاويين 25 نجد أحكامًا تتحدث عن شراء العبيد من الأمم المحيطة وامتلاكهم، مع تمييز في بعض الأحكام بين العبد الإسرائيلي والعبد من غير الإسرائيلي. وهنا يتحول «الآخر» من منافس على الأرض إلى شخص يمكن أن يصبح موضوعًا للخدمة والامتلاك، ومن هنا يصبح مفهوم «الأغيار» مهمًا في فهم العلاقة بين الجماعة اليهودية وغير اليهود، خصوصًا عندما تقترن بعض النصوص بفكرة خدمة الأمم لإسرائيل أو لصهيون، كما تظهر في بعض نصوص الأنبياء، حيث تُرسم صورة الأمم وهي تأتي إلى صهيون وتحمل إليه ثرواتها وتخدم جماعته.

هنا ندخل إلى الطبقة الحاخامية التي تناولها إسرائيل شاحاك في كتابه «الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة ثلاثة آلاف عام». أهمية شاحاك بالنسبة إلى هذه الرسالة أنه كان يهوديًا إسرائيليًا وناجيًا من الهولوكوست، ثم أصبح من أبرز منتقدي المؤسسة الدينية والسياسية الإسرائيلية، وفي كتابه انتقل من الأسفار إلى التلمود والتقاليد الحاخامية، وناقش العلاقة بين اليهود وغير اليهود، والأحكام المتعلقة بالأغيار والعبودية، وما اعتبره تمييزًا في بعض الأحكام بين اليهودي وغير اليهودي، والأكثر أهمية أنه يروي أنه عندما استشار حاخامات حول مسائل تتعلق بغير اليهود، سمع إجابات صدمته، ثم دفعه ذلك إلى البحث في المصادر الحاخامية عن جذور تلك الإجابات.

وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر اتساعًا: ماذا يحدث عندما لا يعود الآخر مجرد إنسان مختلف في الدين أو القومية، وإنما يصبح إنسانًا أقل استحقاقًا؟ فالمشكلة ليست في وجود الاختلاف بين البشر، وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الاختلاف إلى تراتبية في القيمة الإنسانية، فيصبح الآخر أقل استحقاقًا للحماية أو النجدة، أو قابلًا للاستعباد والطرد.

ومن هنا تبدو عبارة يوآف غالانت في أكتوبر 2023 شديدة الدلالة. ففي سياق الحرب على غزة قال وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك إن إسرائيل «تحارب حيوانات بشرية». العبارة تجمع كلمتين متناقضتين: «حيوانات» و«بشرية». وكأن اللغة نفسها ترسم منطقة رمادية بين الإنسان والحيوان، بين من يستحق أن يُرى كإنسان ومن يمكن التعامل معه بوصفه شيئًا آخر، وهنا تعود العبارة القرآنية بقوة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. كيف يمكن للإنسان الذي خُلق في أحسن تقويم أن يتحول في خطاب الحرب إلى «حيوان بشري»؟

لكن المفارقة الأشد إثارة تأتي من داخل إسرائيل نفسها، لأن الحديث عن عنف المستوطنين وإرهابهم لم يأتِ من خصوم إسرائيل وحدهم، وإنما صدر من شخصيات تقع في أعلى سلم المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية. إيهود أولمرت، رئيس وزراء سابق، وصف عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الخليل بأنه «مذبحة» أو «بوغروم»، وقال إنه يشعر بالخجل من رؤية يهود يطلقون النار على فلسطينيين، بينما وصف موشيه يعلون هجمات المستوطنين بأنها «هجمات إرهابية»، وكان إيهود باراك، بصفته رئيسًا لأركان الجيش، قد أكد أن المستوطنين الذين يمارسون العنف يمكن التعامل معهم بوصفهم مخالفين للقانون. هذه ليست أصواتًا هامشية، بل شخصيات من الصف الأول في الدولة والجيش والأمن، ولذلك فإن وصف عنف المستوطنين بأنه إرهاب ليس تعبيرًا اخترعه خصوم إسرائيل من الخارج.

والأخطر من مجرد الاعتراف بوجود «إرهاب يهودي» أن بعض الأصوات داخل الحكومة الإسرائيلية لم تكتفِ بالدفاع عن المستوطنين أو تبرير أفعالهم، بل صدرت عنها مواقف صريحة تحرض على العنف ضد الفلسطينيين وتدعو إلى إخراجهم من منازلهم. وفي يونيو 2025 فرضت المملكة المتحدة وأستراليا وكندا ونيوزيلندا والنرويج عقوبات على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وقالت إنهما حرضا على العنف ضد الفلسطينيين، وإن خطابًا متطرفًا كان يدعو إلى تهجير الفلسطينيين من منازلهم ويشجع العنف وانتهاكات حقوق الإنسان. وهنا تنتقل المسألة من وجود أفراد يمارسون العنف إلى سؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث عندما يلتقي عنف المستوطنين بخطاب سياسي صادر عن وزراء في الحكومة نفسها، وعندما يصبح طرد الفلسطيني من أرضه جزءًا من الخطاب السياسي لا مجرد فعل فردي على الأرض؟

وهنا تظهر قضية معاداة السامية، وهي القضية التي كثيرًا ما تدخل النقاش لتغلقه بدل أن تفتحه. لا شك أن معاداة اليهود بسبب يهوديتهم شكل من أشكال العنصرية والكراهية، لكن هل يصبح كل نقد لإسرائيل أو للاحتلال أو للاستيطان أو لعنف المستوطنين معاداة للسامية؟ وإذا كان أولمرت ويعلون وغيرهما من المسؤولين الإسرائيليين قد وصفوا عنف المستوطنين بأوصاف شديدة الوضوح، فكيف يصبح الشخص الذي يصف الظاهرة نفسها من خارج إسرائيل معاديًا للسامية لمجرد أنه قال ما قاله إسرائيليون أنفسهم؟

ومن المفارقات أن الخلط بين اليهودية وإسرائيل والسياسات الإسرائيلية يضر بالجميع. فهو يسمح لمن يكره اليهود بأن يخفي كراهيته خلف نقد إسرائيل، كما يسمح لمن يريد حماية سياسات الاحتلال من النقد بأن يحول كل نقد إلى تهمة معاداة السامية. وفي الحالتين تضيع القضية الأصلية: ماذا يحدث للإنسان عندما يُطرد من أرضه، أو يُستعبد، أو يُحاصر، أو يُقتل، أو يُوصف بأنه حيوان؟

وهكذا تقترب الخيوط التي بدت متباعدة من بعضها: رواية الحيوانات التي تحولت إلى بشر، ونصوص الشعوب السبعة، ونصوص الطرد والاستئصال، والعبودية، والأغيار وخدمة الأمم، وما رواه شاحاك عن أسئلته للحاخامات، ثم عبارة غالانت عن «الحيوانات البشرية»، ثم اعتراف شخصيات إسرائيلية من الصف الأول بعنف المستوطنين وإرهابهم، وصولًا إلى خطاب بعض الوزراء الذي يدعو إلى العنف والتهجير، ثم الصراع حول معاداة السامية. والخيط الذي يجمعها هو الطريقة التي يمكن أن يُعاد بها تعريف الآخر حتى يفقد مكانته الإنسانية.

فالأمر يبدأ أحيانًا بكلمة بسيطة: غريب. ثم يصبح الآخر، ثم دخيلًا، ثم عدوًا، ثم خطرًا، ثم حيوانًا. وعندما يصبح الآخر في الوعي أقل من إنسان، يصبح طرده واستعباده وإخضاعه وقتله أسهل بكثير، وهنا لا تعود المشكلة في السلاح وحده، وإنما في اللغة التي تسبق السلاح، وفي الفكرة التي تجعل الإنسان قادرًا على النظر إلى إنسان آخر ثم يقرر أنه لا يستحق المعاملة التي يستحقها هو.

ولذلك فإن السؤال الذي يخرج من هذه الرحلة ليس فقط: ماذا قالت الأسفار عن الشعوب السبعة؟ ولا ماذا سمع شاحاك من الحاخامات؟ ولا لماذا وصف غالانت سكان غزة بأنهم «حيوانات بشرية»؟ ولا لماذا وصف مسؤولون إسرائيليون عنف المستوطنين بأنه إرهاب؟ السؤال الذي يجمع كل ذلك هو: من يملك حق تعريف الإنسان

فالقرآن حسم المسألة من البداية: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. لم يقل كرمنا جماعة دون جماعة، ولم يجعل الكرامة امتيازًا تمنحه جماعة لجماعة، وإنما قال: بني آدم. ولذلك فإن الإنسان لا يفقد إنسانيته لأن دولة حاصرته، ولا لأن جيشًا قاتله، ولا لأن خطابًا سياسيًا وصفه بالحيوان، ولا لأن جماعة أخرى قررت أن تعتبر نفسها أكثر استحقاقًا للأرض أو الحياة.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في كل الحكاية: الإنسان لا يحتاج إلى أن يثبت أنه إنسان، لكن المجتمعات التي تنزع عنه إنسانيته تصوغ مبررات أو تفسر نصوصًا بشكل مغلوط. تبدأ المبررات بتقسيم البشر، ثم تجعل الآخرين أقل شأنًا، ثم تبحث عن نص يبرر ذلك، ثم تفسير يعيد إنتاج الفكرة في زمن جديد. وعندما تصل العملية إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان «حيوانًا بشريًا»، تكون الكارثة قد بدأت قبل أن يصل السلاح

لهذا ربما لا تكون المعركة الحقيقية على الأرض وحدها، ولا على الحدود، ولا حتى على الهوية، إنها معركة على المعنى الأول للإنسان. فإذا قبلنا أن تحدد جماعة من هو الإنسان الكامل ومن هو الإنسان الناقص، فقد فتحنا الباب لكل شيء بعد ذلك، أما إذا بقي الإنسان إنسانًا، مكرمًا بحكم إنسانيته، فإن كل أرض وكل دولة وكل دين وكل قومية تصبح أقل قيمة من الإنسان نفسه.

فالإنسان إنسان، قبل أن يكون يهوديًا أومسلما ، فلسطينيًا،او من بني اسرائيل ، وقبل أن يكون صهيونيا أو عربيًا، وقبل أن يكون من «نحن» أو من «هم». وعندما ننسى هذه الحقيقة، تبدأ أخطر الحروب، الحرب على إنسانية الإنسان.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد