أصوات من غزة | أميرة.. أمّ تنتظر الحياة وسط الحرب
شبكة راية الإعلامية -

جمعية المرأة العاملة الفلسطينية للتنمية: كانت أميرة عبد الهادي تقف عند حافة الليل، لا يفصلها عن أصوات الانفجارات سوى جدار متصدّع وقلبٌ ما زال يتشبث بالحياة. 

في الخامسة والثلاثين من عمرها، كانت تنتظر ولادة طفلها الجديد، لكن الولادة هذه المرة لم تكن تشبه أي ولادة عرفتها من قبل؛ فقد جاءت في زمنٍ تحوّل فيه كل شيء إلى خوف، وكل لحظة إلى اختبار للصبر.

في غزة، حيث لم تعد الحياة تسير وفق إيقاعها الطبيعي، تحوّلت الأيام إلى انتظار طويل، والليالي إلى امتحان جديد. 

كانت أميرة تحاول أن تحمي أطفالها من قسوة الواقع، وتبحث في عيونهم الصغيرة عن إجابة لسؤالٍ لا تملك له جوابًا: متى تنتهي هذه الحرب؟

قبل الحرب، كانت تعرف كيف تحمي نفسها وتعتني بأسرتها. 

كانت الأدوية جزءًا من روتينها، والمواعيد الطبية تمنحها شيئًا من الطمأنينة. 

أما الآن، فقد أصبحت وحدها في مواجهة كل شيء؛ الخوف، والنزوح، وشحّ المياه والطعام، وقلق الولادة التي تقترب يومًا بعد آخر.

حين بدأت الحرب، لم تحمل أميرة معها سوى ما استطاعت جمعه على عجل: بعض الملابس، وأوراقًا قديمة، وذكريات لم تكن تعرف أنها ستصبح كل ما تبقّى لها. خرجت من منزلها وهي تظن أن الغياب لن يطول، وأن العودة ستكون قريبة، لكنها سرعان ما أدركت أن الطريق إلى البيت قد يكون أطول مما توقعت.

أصبحت أميرة واحدة من آلاف النساء اللواتي يعشن تفاصيل الحرب بعيدًا عن بيوتهن، في أماكن ضيقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. 

الماء قليل، والطعام شحيح، والبرد قاسٍ، لكن أكثر ما يرهقها هو الخوف على أطفالها وعلى الجنين الذي تحمله.

وفي إحدى الليالي، اقترب طفلها الصغير منها، بعينين تملؤهما البراءة، وقال:
«ماما، بدّي يجي البيبي.هنجيبله ألعاب وملابس حلوة؟»

نظرت إليه أميرة، وشعرت أن العالم كله استقر في صدرها. ابتسمت، رغم الألم، وقالت له بهدوء:
«أكيد يا حبيبي، هنجيله أجمل الحاجات… ما يكون ذلك كذبًا، بل أملًا صغيرًا تحاول أن تحمي به قلب طفلها من حقيقة أكبر من قدرته على فهمها.»

في داخلها، كان القلق بحرًا لا شاطئ له. كانت تحاول ألّا تغرق فيه، لا لأنها لا تخاف، بل لأنها أم. 

وكلما اشتد الخوف، تذكرت أن هناك طفلًا في داخلها ينتظر أن يرى النور، وأطفالًا حولها يحتاجون إلى ابتسامتها، حتى لو كانت هي نفسها بحاجة إلى من يطمئنها.

ومع كل يوم يمر، كانت تقترب من لحظة الولادة. 

لحظة تختلط فيها الحياة بالموت، والخوف بالفرح، والدموع بالأمل.

لم تكن أميرة تعرف أين ستلد طفلها، ولا كيف ستؤمّن له ما يحتاجه، ولا إن كانت ستجد مكانًا آمنًا عندما يحين الموعد. 

لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط: أن هذا الطفل ليس مجرد مولود جديد، بل رسالة حياة في وجه حربٍ حاولت أن تسرق من الناس كل أسباب الحياة.

وفي وسط هذا الظلام، كانت أميرة تهمس لنفسها:

«ربما لا أملك الأمان، وربما ما زالت الآلام تحاصرني… لكنني أملك هذا الأمل.»
ثم تضع يدها على بطنها، وكأنها تطمئن طفلها قبل أن تطمئن نفسها:
"انتظر قليلًا… سأحاول أن أكون لك وللعالم الذي ستأتي إليه، مكانًا يشبه الحياة".



إقرأ المزيد