تقرير: إجراءات الاحتلال في الضفة تقوض صلاحيات السلطة وتمهد لضم فعلي
شبكة قدس الإخبارية -

رام الله - شبكة قدس: قالت منظمة "السلام الآن" إن حكومة الاحتلال اتخذت خلال السنوات الأخيرة سلسلة إجراءات سياسية واقتصادية وميدانية وأمنية تستهدف تقويض صلاحيات السلطة الفلسطينية في المنطقتين أ وب من الضفة الغربية، معتبرة أن هذه الخطوات تمثل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى إضعاف السلطة ومنع أي تسوية على أساس حل الدولتين.

وبحسب تقرير أصدرته المنظمة في 13 آب/أغسطس 2026، تشمل الإجراءات إنشاء بؤر استيطانية، والاستيلاء على أراضٍ ومنازل ومنشآت فلسطينية، وتهجير تجمعات، وإصدار أوامر استيلاء عسكرية داخل مناطق يفترض أن تخضع للسيطرة الفلسطينية، إلى جانب تجميد أموال المقاصة وسحب صلاحيات التخطيط والبناء وتوسيع صلاحيات الإدارة المدنية التابعة للاحتلال في مجالات البيئة والمياه والآثار.

ووفق التقرير، أقيمت خلال العامين ونصف العام الماضيين 26 بؤرة استيطانية على الأقل في المنطقة ب، فيما استولى مستوطنون على أكثر من 100 ألف دونم في المنطقتين أ وب، وأجبروا ما لا يقل عن 19 تجمعًا ومجموعة سكانية فلسطينية في المنطقة ب على مغادرة مناطقها.

بؤر استيطانية تتمدد في المنطقة ب

وقالت "السلام الآن" إن سبع بؤر استيطانية جديدة أقيمت في المنطقة ب حتى نهاية عام 2024، قبل أن تضاف إليها 19 بؤرة أخرى، معظمها خلال الأشهر الأخيرة.

وأوضح التقرير أن بعض هذه البؤر بدأ بخيمة أو حظيرة للأغنام قبل أن يتوسع ليشمل مباني دائمة ومنشآت خرسانية وكنسًا، فيما أقيم في إحدى البؤر عربة لبيع القهوة، وأصبح المستوطنون يطلقون على الموقع اسم "المقهى".

وأضاف أن إقامة هذه البؤر تترافق غالبًا مع شق طرق والاستيلاء على مصادر المياه، وفرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، بما يسمح لمجموعات صغيرة من المستوطنين بفرض سيطرة فعلية على مساحات واسعة.

أكثر من 100 ألف دونم تحت سيطرة المستوطنين

وبحسب التقرير، استولى المستوطنون بالقوة على أكثر من 100 ألف دونم في المنطقتين أ وب.

واستندت المنظمة إلى خرائط أعدتها منظمة "كيرم نابوت" ونشرت ضمن تقرير مشترك في تموز/يوليو الماضي، أظهرت أن العنف والتهديدات التي يمارسها المستوطنون دفعت فلسطينيين إلى مغادرة أراضٍ، ومنعتهم حاليًا من الوصول إلى نحو 100 ألف دونم تقع ضمن مناطق يفترض أن تخضع للسيطرة الفلسطينية.

وتشمل المساحات، وفق التقرير، نحو 55 ألف دونم في المنطقة ب، و28 ألفًا و200 دونم في "المحمية الطبيعية المتفق عليها" بالمنطقة ب، و15 ألفًا و600 دونم في المنطقة أ.

تهجير فلسطينيين والاستيلاء على المنازل

وأشار التقرير إلى أن عنف المستوطنين أدى إلى تهجير أكثر من 120 تجمعًا ومجموعة سكانية فلسطينية في أنحاء الضفة الغربية، معظمها تجمعات بدوية ورعوية.

ووثقت "كيرم نابوت" 19 تجمعًا ومجموعة سكانية في المنطقة ب قالت إن سكانها أُجبروا على الرحيل بفعل مضايقات المستوطنين واعتداءاتهم.

كما تحدث التقرير عن توسع ظاهرة الاستيلاء على منازل فلسطينية تقع على أطراف التجمعات، مشيرًا إلى أن المستوطنين يهاجمون السكان ويهددونهم، وفي بعض الحالات يحاصرون المنازل ويقطعون عنها الخدمات إلى أن تضطر العائلات إلى الرحيل.

وذكر التقرير، في إحدى الحالات، أن عائلة طباسي من قرية جلجول تعرضت لمضايقات متواصلة قبل أن يحاصر المستوطنون منزلها ويقطعوا عنه المياه والكهرباء، ما دفعها إلى مغادرته، قبل إقامة بؤرة استيطانية في المكان.

الاحتلال يُبقي نحو 33 ألف فلسطيني من مخيمات شمال الضفة مهجرين

وتطرق التقرير إلى العملية العسكرية التي نفذها جيش الاحتلال في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس منذ كانون الثاني/يناير 2025.

ونقل عن بيانات للأمم المتحدة أن نحو 33 ألف فلسطيني أُجبروا على مغادرة منازلهم، فيما هُدمت منازل وشُقت طرق داخل المخيمات لاستخدامها في تحرك قوات الاحتلال.

وقال التقرير إن السكان ما زالوا، بعد أكثر من عام وثمانية أشهر، ممنوعين من العودة إلى منازلهم، وإنهم اضطروا إلى الإقامة في مدارس ومراكز مجتمعية أو استئجار شقق والسكن لدى أقارب.

وأضاف أن جيش الاحتلال أقام قاعدة عسكرية دائمة في المنطقة أ قرب مخيم جنين، معتبرًا أنها أول قاعدة عسكرية دائمة من هذا النوع داخل المنطقة منذ توقيع اتفاقات أوسلو.

أوامر استيلاء داخل المنطقة أ

وفي تموز/يوليو 2026، وقع قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، اللواء آفي بلوت، 15 أمر استيلاء للسيطرة على نحو 200 دونم داخل المنطقة أ.

وبحسب التقرير، تهدف الأوامر إلى شق طريق يربط بين مستوطنتين جديدتين، هما "عمق دوتان" قرب بلدة عرابة، و"نوعا" شمال قباطية.

وقالت "السلام الآن" إن هذه الخطوة تمثل، وفق تقييمها، المرة الأولى منذ اتفاقات أوسلو التي تستخدم فيها أوامر الاستيلاء العسكرية داخل المنطقة أ لغايات لا ترتبط بغرض أمني واضح أو مؤقت، وإنما لتلبية احتياجات المستوطنين.

كما أشار التقرير إلى شق طريق العيزرية-الزعيم، المعروف باسم "طريق السيادة"، بموجب أمر استيلاء عسكري يمر جزئيًا في المنطقة ب، بهدف تمكين الاحتلال من إغلاق منطقة مستوطنة معاليه أدوميم أمام الفلسطينيين.

104 مستوطنات جديدة

ويربط التقرير هذه الإجراءات بقرار المجلس الوزاري الأمني للاحتلال إقامة 104 مستوطنات جديدة، بينها 19 مستوطنة في شمال الضفة الغربية، عقب إلغاء قانون فك الارتباط.

وقال إن مواقع بعض هذه المستوطنات تتطلب المرور عبر المنطقة أ، بما يتعارض مع الترتيبات المنصوص عليها في اتفاقات أوسلو.

تضييق على البلديات الفلسطينية

وفي الأشهر الأخيرة، رصد التقرير أيضًا مصادرة شاحنات نفايات فلسطينية داخل المنطقة ب، في قرى وبلدات عدة، بينها بيت فوريك وبيتيلا وقريوت وسلواد وسلفيت وقصرة وبيت عنان ودومة.

وقالت المنظمة إن مصادرة الشاحنات قد تمنع إلقاء النفايات في مواقع محددة، لكنها في المقابل تعيق قدرة البلديات الفلسطينية على جمع النفايات، ما يؤدي إلى تراكمها وحرقها في أماكن أخرى.

وذكرت أن جنود الاحتلال صادروا شاحنة نفايات تابعة لبلدة بيتيلا في 18 حزيران/يونيو 2026.

تجميد أموال المقاصة

اقتصاديًا، اعتبرت "السلام الآن" أن تجميد أموال المقاصة يمثل إحدى الأدوات الرئيسية لإضعاف السلطة الفلسطينية ودفعها نحو الانهيار.

وبحسب التقرير، تبلغ أموال المقاصة نحو 11 مليار شيكل سنويًا، وتشكل أكثر من 60% من موازنة السلطة الفلسطينية.

وأشار إلى أن حكومة الاحتلال لم تحول منذ حزيران/يونيو 2025 أي أموال من المقاصة إلى السلطة الفلسطينية، فيما لم تحول خلال السنوات الثلاث حتى نهاية 2025 سوى نحو نصف الأموال المستحقة.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تدهور اقتصادي حاد في الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نتيجة منع مئات آلاف العمال الفلسطينيين من دخول "إسرائيل"، إلى جانب خفض رواتب موظفي السلطة وتراجع النشاط الزراعي بفعل اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي.

113 مليون شيكل للمواقع الأثرية

وفي تموز/يوليو الماضي، وافقت لجنة المالية في الكنيست على تحويل 113 مليون شيكل إلى الإدارة المدنية لتطوير مواقع أثرية في الضفة الغربية والحفاظ عليها.

وبحسب التقرير، أقر ممثل عن الإدارة المدنية بأن جزءًا من الموازنة سيخصص للتنقيب عن مواقع أثرية وتطويرها في المنطقتين أ وب، رغم أن تنفيذ ذلك يتطلب موافقة المستشار القانوني.

وعقب القرار، أعلن وزير المالية في حكومة الاحتلال بتسلئيل سموتريتش أن لجنة توجيهية أقرت خطة لتنفيذ المبلغ، ونشر صورة له خلال زيارة لبرك سليمان في المنطقة أ قرب بيت لحم.

توسيع صلاحيات الإدارة المدنية

وفي شباط/فبراير 2026، قرر المجلس الوزاري الأمني السماح للإدارة المدنية التابعة للاحتلال بفرض الرقابة والإنفاذ في المنطقتين أ وب في مجالات البيئة والمياه والآثار.

وبررت حكومة الاحتلال الخطوة بمنع المخاطر البيئية ومخالفات المياه والإضرار بالمواقع التراثية.

لكن "السلام الآن" حذرت من أن هذه الصلاحيات تفتح الباب أمام تدخل واسع في الشؤون الفلسطينية، موضحة أن تعريفات مثل "المخاطر البيئية" و"مخالفات المياه" يمكن أن تشمل مكبات النفايات والمصانع والمنازل وشبكات الصرف الصحي، إلى جانب حفر الآبار والبنى التحتية المرتبطة بالمياه.

كما حذرت من أن توسيع صلاحيات الاحتلال في مجال الآثار قد يطال أعمال البناء والتنمية الفلسطينية في مناطق واسعة من الضفة.

سحب صلاحيات التخطيط من بلدية الخليل

وفي حزيران/يونيو 2026، قرر المجلس الأعلى للتخطيط في الإدارة المدنية سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل فيما يتعلق بالمستوطنات الموجودة في قلب المدينة وعدد من المواقع الدينية.

ووصف سموتريتش الخطوة بأنها "إلغاء لاتفاق الخليل".

وبحسب التقرير، تمثل هذه الخطوة تراجعًا إضافيًا عن الترتيبات التي أقرت بموجب اتفاق الخليل لعام 1997، والذي أبقى الصلاحيات المدنية والتخطيطية في المدينة بيد بلدية الخليل، رغم تقسيمها إلى منطقتي H1 وH2.

وقال التقرير إن قرارات اتخذها المجلس الوزاري الأمني في شباط/فبراير، والمجلس الأعلى للتخطيط في حزيران/يونيو، نقلت فعليًا صلاحيات التخطيط والبناء المتعلقة بالمستوطنات والمواقع الدينية في الخليل إلى مؤسسات الاحتلال.

وبالتوازي، قرر المجلس الوزاري الأمني إنشاء مديرية لإدارة موقع قبر راحيل في بيت لحم، بما يتيح للحكومة تحويل أموال لتطوير الموقع والمدرسة الدينية اليهودية المقامة بجواره.

تصريحات لإسقاط السلطة

وربط التقرير الإجراءات الميدانية والاقتصادية بتصريحات سياسية لوزراء وأعضاء في الكنيست بشأن إسقاط السلطة الفلسطينية.

ومن أبرزها تصريح سموتريتش في 22 آذار/مارس 2026، حين قال: "سنسقط السلطة الشريرة المعروفة باسم السلطة الفلسطينية".

كما أشار التقرير إلى تصريحات سابقة لسموتريتش وصف فيها السلطة بأنها "عبء وحماس أصل"، وإلى زيارات وزراء وأعضاء في الكنيست لبؤر استيطانية في المنطقة ب.

من المنطقة ج إلى أ وب

وترى "السلام الآن" أن ما يجري في المنطقتين أ وب يمثل انتقالًا لسياسات الاحتلال من المنطقة ج إلى المناطق التي يفترض أن تخضع للسيطرة الفلسطينية.

وبموجب اتفاق أوسلو 2 الموقع عام 1995، قسمت الضفة الغربية إلى مناطق أ وب وج؛ وتشكل المنطقتان أ وب نحو 40% من مساحة الضفة، وتخضعان للسيطرة المدنية الفلسطينية، بينما تشكل المنطقة ج نحو 60% وتخضع لسيطرة الاحتلال.

ويقول التقرير إن حكومات الاحتلال عملت على مدى عقود على تقليص الوجود الفلسطيني في المنطقة ج، قبل أن تمتد هذه السياسة خلال السنوات الأخيرة إلى المنطقة ب، ومن ثم إلى المنطقة أ، عبر البؤر الاستيطانية وأوامر الاستيلاء والقرارات الحكومية وسحب الصلاحيات.

"السلام الآن": تمهيد لضم فعلي

وخلصت المنظمة إلى أن هذه الإجراءات لا تمثل خطوات منفصلة، وإنما جزء من سياسة أوسع تهدف إلى إضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لها.

وقالت إن حكومة الاحتلال "تلعب بالنار" من خلال تجاهل التزاماتها الدولية، معتبرة أن الإجراءات تمهد للاستيلاء على مزيد من الأراضي وتوسيع المستوطنات وتقويض أي فرصة للتوصل إلى حل للصراع.

وبحسب التقرير، فإن الضم الفعلي الذي بدأ في المنطقة ج يجري تمديده إلى المنطقتين أ وب، من دون إعلان رسمي عن إلغاء اتفاقات أوسلو أو فرض الضم بصورة معلنة، عبر سحب صلاحيات السلطة، وتوسيع تدخل الإدارة المدنية، وإصدار أوامر الاستيلاء، وإنشاء البؤر الاستيطانية، وتطوير البنية التحتية للمستوطنات داخل مناطق يفترض أن تكون خاضعة للسيطرة الفلسطينية.