شبكة قدس الإخبارية - 8/16/2026 8:51:17 PM - GMT (+2 )
تشهد العاصمة المصرية القاهرة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، في ظل محاولات متسارعة لتجاوز حالة الجمود التي تعترض الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
ويأتي وصول المبعوث الأميركي جاريد كوشنر إلى القاهرة ولقاؤه بقيادة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، بحضور الوسطاء، بالتوازي مع مباحثاته مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في إطار تحرك يبدو أنه يستهدف إعادة دفع المسار التفاوضي ومنع انهيار الاتفاق أو العودة إلى مربع التصعيد.
ويكتسب التحرك المصري الأميركي أهمية خاصة، في ظل توجه كوشنر إلى تل أبيب، حيث يُنتظر أن يحمل معه مخرجات مباحثات القاهرة، وأن يحاول تقريب وجهات النظر بشأن الملفات العالقة، وفي مقدمتها شكل المرحلة الثانية وآليات تنفيذها والضمانات المرتبطة بها.
تكمن المشكلة الأساسية في أن الانتقال إلى المرحلة الثانية لا يزال يصطدم بتباين واضح بين الرؤية الإسرائيلية وما تتضمنه خريطة الطريق التي أقرها «مجلس السلام».
فالخريطة المؤلفة من 15 بندًا تضع مجموعة من الاستحقاقات، أبرزها الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، والبدء في عملية إعادة الإعمار، وهي ملفات تمثل جوهر المرحلة المقبلة، لكنها في الوقت ذاته الأكثر حساسية بالنسبة إلى حكومة الاحتلال.
ومن هنا، فإن الخلاف لا يبدو متعلقًا بتفاصيل إجرائية فقط، بل يرتبط بجوهر مستقبل قطاع غزة: من يملك القرار على الأرض؟ وما شكل الوجود الإسرائيلي؟ ومن يتولى إدارة القطاع؟ وكيف ستتم عملية الإعمار؟ وما الضمانات التي تمنع العودة إلى الحرب؟
تحاول القاهرة، باعتبارها أحد أبرز الوسطاء، الحفاظ على مسار التفاوض ومنع انهيار التفاهمات القائمة. ولذلك فإن استضافة اللقاءات المتتالية تحمل رسالة واضحة بأن الحل لا يزال ممكنًا عبر التفاوض، رغم ارتفاع مستوى التعقيدات السياسية والميدانية.
لكن نجاح الوساطة المصرية لن يتوقف على قدرتها في تقريب وجهات النظر فحسب، بل على مدى استعداد الأطراف، وخاصة الجانب الإسرائيلي، للانتقال من مرحلة الشروط والتصريحات إلى مرحلة الالتزام الفعلي ببنود الاتفاق.
فالمرحلة الثانية ستكون اختبارًا حقيقيًا للاتفاق بأكمله؛ لأنها تتطلب خطوات ميدانية لا يمكن الاكتفاء بإدارتها سياسيًا، وفي مقدمتها الانسحاب، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات، وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.
يحمل تحرك المبعوث الأميركي دلالة مهمة، خصوصًا أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط وتأثير على الحكومة الإسرائيلية لا تتوافر للوسطاء الآخرين.
لكن السؤال الأهم يبقى: هل يأتي كوشنر إلى القاهرة وتل أبيب بهدف تعديل خريطة الطريق بما يتوافق مع الموقف الإسرائيلي، أم بهدف دفع إسرائيل إلى الالتزام بما تم التوافق عليه؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير تجاه المرحلة المقبلة.
فإذا نجحت الإدارة الأميركية في الضغط باتجاه تنفيذ الالتزامات، فقد تفتح زيارة كوشنر الباب أمام استئناف فعلي للمرحلة الثانية. أما إذا اقتصرت المهمة على إعادة صياغة المطالب الإسرائيلية أو تأجيل الاستحقاقات، فإن الأزمة ستبقى قائمة، وقد يتحول الاتفاق إلى مسار طويل من المماطلة السياسية.
وبعيدًا عن الحسابات السياسية، تبقى غزة هي الطرف الأكثر انتظارًا لنتائج هذا الحراك.
فالحديث عن الاتفاق والمرحلة الثانية لا يعني الكثير بالنسبة إلى سكان القطاع ما لم يتحول إلى خطوات ملموسة على الأرض: وقف مستدام لإطلاق النار، إدخال المساعدات، فتح المجال أمام إعادة الإعمار، وتهيئة الظروف لعودة الحياة إلى طبيعتها.
وفي النهاية، تبدو القاهرة أمام اختبار جديد، فيما تواجه واشنطن اختبارًا أكثر أهمية يتعلق بقدرتها على ترجمة نفوذها السياسي إلى التزامات عملية.
أما إسرائيل، فتقف أمام استحقاق حقيقي: إما التعامل مع المرحلة الثانية باعتبارها جزءًا من اتفاق ملزم، أو الاستمرار في سياسة وضع الشروط التي قد تدفع المسار برمته نحو مزيد من التعقيد.
وبينما تتجه الأنظار إلى القاهرة ثم تل أبيب، يبقى السؤال الأهم: هل يكون الحراك الدبلوماسي الحالي بداية لتنفيذ المرحلة الثانية، أم مجرد جولة جديدة من إدارة الأزمة وتأجيل استحقاقاتها؟
شارك الخبر
إقرأ المزيد


