خاص | مخاوف من مرحلة جديدة بالتعامل الإسرائيلي مع المستوطنين بالضفة
شبكة راية الإعلامية -

قال الباحث في الشؤون الإسرائيلية هاني أبو السباع، إن الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالإجراءات المتعلقة بالضفة الغربية يأتي في سياق تحولات متسارعة شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ تراجع وتيرة الحرب في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة بدأت، وفق تقديره، التركيز بصورة أكبر على الضفة وتغيير واقعها الميداني والقانوني.

وأوضح أبو السباع، في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن مراقبين كانوا يتوقعون أن تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى تكثيف إجراءاتها في الضفة الغربية بعد توقف أو تراجع العمليات العسكرية في قطاع غزة، معتبرًا أن التطورات اللاحقة جاءت في هذا الاتجاه وعلى أكثر من مستوى.

تصعيد في الاستيطان والاعتداءات على الفلسطينيين

وأشار أبو السباع إلى أن الحكومة الإسرائيلية، بحسب قراءته، أطلقت العنان للمستوطنين في مناطق واسعة من الضفة الغربية، ولا سيما المناطق المصنفة «ج»، التي تشكل الجزء الأكبر من مساحة الضفة.

وقال إن ذلك ترافق مع محاولات للسيطرة على أراضٍ فلسطينية وطرد مزارعين والاعتداء عليهم، إضافة إلى إحراق منازل ومهاجمة الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن هذه الاعتداءات أدت، وفق الأرقام التي أوردها، إلى مقتل نحو 11 فلسطينيًا خلال احتكاكات واعتداءات مرتبطة بالمستوطنين.

وأضاف أن التطورات لم تقتصر على ممارسات المستوطنين، وإنما رافقتها إجراءات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية بهدف تغيير الواقع القائم في الضفة الغربية.

سموتريتش وتوسيع الاستيطان والإنفاق على المستوطنات

وفي هذا السياق، قال أبو السباع إن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش حصل على ميزانيات أسهمت، بحسب تقديره، في تعزيز النشاط الاستيطاني وتطوير المستوطنات القائمة.

وأشار إلى أن هذه السياسات، وفق ما طرحه، شملت أيضًا تخصيص أموال لما يسمى إعادة تأهيل مواقع أثرية في الضفة الغربية، بما في ذلك مناطق تقع ضمن نطاقات خاضعة للسيطرة الفلسطينية.

وتحدث أبو السباع عن زيارة سموتريتش إلى منطقة برك سليمان قرب بيت لحم، واعتبر أن تصريحاته بشأن إعادة المنطقة إلى السيطرة الإسرائيلية تمثل، من وجهة نظره، جزءًا من مسار أوسع لتغيير الواقع الجغرافي والإداري في الضفة.

الجيش يريد التفرغ لجبهات القتال

وفيما يتعلق بنقل صلاحيات إنفاذ القانون على المستوطنين من الجيش إلى الشرطة الإسرائيلية، أوضح أبو السباع أن التبرير الإسرائيلي المطروح يرتبط برغبة الجيش في التفرغ للمهام العسكرية في الجبهات المختلفة.

وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل، وفق الخطاب الإسرائيلي الذي نقله، في أكثر من جبهة، تشمل قطاع غزة ولبنان والضفة الغربية، وأن الاحتكاكات مع المستوطنين تستهلك جزءًا من قدراته.

ولفت إلى إحصاءات إسرائيلية تحدثت عن أكثر من 22 اعتداءً نفذه مستوطنون ضد الجيش الإسرائيلي، مشيرًا في الوقت ذاته إلى وجود معارضة داخل الجيش وبعض قياداته لتصرفات المستوطنين في الضفة الغربية.

غير أن أبو السباع رأى أن غياب قرار سياسي واضح يمنع هذه الممارسات يجعل الجيش، في كثير من الحالات، يقوم بتوفير الحماية للمستوطنين خلال اعتداءاتهم على الفلسطينيين، وفق تقديره.

مخاوف من توسيع صلاحيات شرطة بن غفير

وحذر أبو السباع من أن نقل ملف إنفاذ القانون إلى الشرطة الإسرائيلية، التي يقودها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يحمل تداعيات خطيرة، معتبرًا أن بن غفير كان، بحسب وصفه، أحد أبرز الداعمين لتوسيع نشاط المستوطنين في الضفة الغربية.

وقال إن نقل الصلاحيات إلى الشرطة قد يؤدي إلى تعزيز الحماية القانونية والسياسية للمستوطنين، ويزيد من قدرتهم على ممارسة الاعتداءات ضد الفلسطينيين.

ويرى أبو السباع أن التطورات الحالية تندرج ضمن مسار أوسع يهدف إلى تغيير طبيعة السيطرة على الضفة الغربية، ودفع الفلسطينيين نحو التهجير.

ازدواجية قانونية في التعامل مع الفلسطينيين والمستوطنين

وأوضح الباحث أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون يؤدي، وفق قراءته، إلى تكريس حالة من الازدواجية القانونية في الضفة الغربية.

وبحسب أبو السباع، فإن الضفة الغربية تُعامل دوليًا باعتبارها أرضًا محتلة، بينما سيستمر الجيش الإسرائيلي في التعامل مع الفلسطينيين من خلال منظومة الحكم العسكري، في حين سيجري التعامل مع المستوطنين من خلال الشرطة باعتبارهم مواطنين إسرائيليين.

وقال إن هذه المعادلة تخلق واقعًا قانونيًا مختلفًا بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين المقيمين في المنطقة نفسها، وهو ما اعتبره تحولًا بالغ الخطورة على طبيعة إدارة الضفة الغربية.

حماية للمستوطنين مقابل تضييق على الفلسطينيين

وأشار أبو السباع إلى أن الإجراءات الإسرائيلية، بحسب وصفه، لم تقتصر على نقل الصلاحيات القانونية، بل شملت تقديم أشكال مختلفة من الدعم للمستوطنات والبؤر الاستيطانية.

وقال إن وزير المالية الإسرائيلي وفر، وفق ما ذكر، مركبات وآليات للمستوطنين في البؤر الاستيطانية، بينما يتولى بن غفير، بحسب أبو السباع، جانبًا من الحماية السياسية والقانونية لهم داخل الحكومة.

وفي المقابل، تحدث عن استمرار القيود المفروضة على الفلسطينيين، مشيرًا إلى حالات قال إنها شهدت حصار عائلات فلسطينية من قبل المستوطنين، مع عدم قدرة الجيش الإسرائيلي، وفق روايته، على وقف تلك الإجراءات.

نقل صلاحيات الاعتقال الإداري إلى بن غفير

ومن أبرز الملفات التي حذر منها أبو السباع مسألة نقل صلاحيات إصدار أوامر الاعتقال الإداري في الضفة الغربية من المستوى العسكري إلى وزير الأمن القومي.

وأوضح أن الاعتقال الإداري في الضفة الغربية يصدر، وفق النظام القائم، عن الحاكم العسكري وبناء على توصيات أمنية، مشيرًا إلى أن مدد الاعتقال ارتفعت بعد الحرب إلى مستويات أطول، مع وجود حالات امتدت لسنوات.

وحذر من أن نقل هذه الصلاحيات إلى المستوى السياسي، ممثلًا ببن غفير، قد يجعل استخدامها أكثر ارتباطًا بالاعتبارات السياسية، معتبرًا أن ذلك قد يؤدي إلى التعامل مع قرارات الاعتقال الإداري بصورة انتقائية أو مزاجية.

أبو السباع: بن غفير يسعى إلى توسيع التدخل الشرطي في حياة الفلسطينيين

واستشهد أبو السباع بعدد من الوقائع التي قال إنها تعكس طبيعة تدخل بن غفير وأجهزته في التعامل مع الفلسطينيين داخل إسرائيل والأراضي المحتلة.

وأشار إلى حادثة أوقف خلالها عريس وعروس في منطقة النقب لمدة ساعتين في مركز للشرطة من دون توجيه اتهام لهما، معتبرًا أن الحادثة استُخدمت لأهداف دعائية وانتخابية.

كما تحدث عن إرسال قوات إلى مناطق فلسطينية، بينها أم الفحم وبيت لحم، للتعامل مع تجمعات واحتفالات، وقال إن هذه الممارسات تعكس، وفق تقديره، توجهًا نحو توسيع صلاحيات الشرطة في التعامل مع الفلسطينيين.

الخليل في قلب الإجراءات الإسرائيلية

وتطرق الباحث إلى مدينة الخليل بصورة خاصة، معتبرًا أن الإجراءات الإسرائيلية فيها تحمل دلالات سياسية وجغرافية تتجاوز مسألة إنفاذ القانون.

وأشار إلى أن نقل بعض صلاحيات البناء في الخليل إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية بدلًا من الجهات المحلية الفلسطينية يمثل، وفق قراءته، مؤشرًا على تسارع إجراءات السيطرة الإسرائيلية على المدينة.

كما رأى أن التركيز الإسرائيلي على الخليل قد يكون مرتبطًا بمحاولات فصل المدينة عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، في إطار مسار أوسع لإعادة تشكيل الواقع الإداري والسياسي فيها.

إجراءات متراكمة لتغيير واقع الضفة

وخلص أبو السباع إلى أن نقل صلاحيات إنفاذ القانون من الجيش إلى الشرطة لا يمكن، من وجهة نظره، فصله عن سلسلة الإجراءات الأخرى التي تشهدها الضفة الغربية، بما فيها التوسع الاستيطاني، وتغيير الصلاحيات الإدارية، وزيادة الميزانيات المخصصة للمستوطنات، وتعزيز نفوذ المستوى السياسي في إدارة شؤون الأراضي المحتلة.

وأكد أن هذه التطورات تستدعي متابعة فلسطينية ودولية واسعة، لما قد تحمله من آثار على مستقبل الضفة الغربية وطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خصوصًا في ظل استمرار الحديث داخل الحكومة الإسرائيلية عن توسيع السيطرة الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض.



إقرأ المزيد