خاصl حين تُسرق المياه: حكاية عيون الضفة التي جفّت في حقول أصحابها
شبكة قدس الإخبارية -

خاص قدس الإخبارية: في فصايل بالأغوار الفلسطينية، لم تعد المياه تصل إلى الحقول كما كانت. النبع الذي اعتاد المزارعون الاعتماد عليه لري محاصيلهم أصبح جزءًا من مشهد مختلف؛ مياه تتجمع في بركة يقصدها المستوطنون للسباحة، فيما تنتظر الأرض الفلسطينية قطرة تعيد إليها الحياة.

يقف المزارع سعد نمر أمام أرضه التي كانت تنتج الباذنجان والكوسا والبطيخ. بالنسبة إليه، لم يكن النبع مجرد مصدر للمياه، بل كان جزءًا من رزقه اليومي. ومع انقطاع المياه، توقفت الزراعة، وبدأت الخسارة تتسلل إلى حياة عائلته وعائلات أخرى تعمل في الأرض.

يقول نمر: «ما زال إمدادنا بالمياه مقطوعًا حتى اليوم، ما يحرمنا من المياه التي نعتمد عليها لمنازلنا ومصادر رزقنا وأراضينا الزراعية.»

كان يفترض أن تصل المياه إلى الحقول، لكن مسارها تغير. ووفق تحقيق نشرته رويترز في آب/أغسطس 2026، استولى مستوطنون على خط ري كان ينقل المياه إلى الأراضي الزراعية، وحُولت المياه إلى بركة في موقع أثري، قبل أن يبدأ تطوير المكان كموقع ترفيهي.

لم يتوقف أثر ذلك عند توقف المحاصيل. يقول نمر إن قطع المياه ألحق خسائر بالمزارعين، محذرًا من أن عائلات عدة قد تفقد أعمالها ومصادر دخلها.

ويضيف: «لقد تسبب قطع المستوطنين للمياه في خسائر لنا، وسيؤدي إلى فقدان كثير من العائلات أعمالها ومصادر رزقها.»

لكن الخوف، كما يروي نمر، لم يكن بعيدًا عن الماء. فقد تحدث عن تعرض أحد العاملين لديه للضرب، وعن تهديدات واجهها عندما حاول الوصول إلى النبع. المكان الذي كان يقصده بحثًا عن المياه أصبح مكانًا يحتاج إلى الحذر.

وفي الجهة المقابلة، كانت البركة تستقبل المستوطنين. وقال المستوطن يشاي شرايبر، البالغ 21 عامًا، إن الفلسطينيين لم يعودوا يقتربون من المكان، مضيفًا: «عندما يرون هذه الحشود الكبيرة، وكل هذه المجموعات الكبيرة من اليهود التي تأتي للاستحمام هنا، فإنهم يخافون من المجيء.»

ولا تتوقف الحكاية عند فصايل. ففي وادي الباذان، شمال شرق نابلس، بدأت الينابيع التي اعتاد الفلسطينيون الوصول إليها للراحة والاستجمام تستقبل مجموعات كبيرة من المستوطنين.

يقول نظام فارس، صاحب متنزه للينابيع الطبيعية في الباذان: «أصبح الناس خائفين ومتوترين. يأتون ويسألون: هل سيأتي المستوطنون أم لا؟»

في هذه الجملة تختصر حكاية مكان كامل؛ فالماء الذي كان يجمع الناس حوله أصبح يزرع القلق بينهم.

وتوثق الأمم المتحدة خلال عام 2026 عشرات الاعتداءات التي طالت مصادر المياه والمنشآت المرتبطة بها في الضفة الغربية. وبحسب بيانات نقلتها رويترز، تعرض ما لا يقل عن 160 موقعًا للمياه والصرف الصحي لهجمات من المستوطنين منذ بداية العام.

ويصف عادل ياسين، المسؤول في سلطة المياه الفلسطينية، ما يجري بأنه «حرب على المياه؛ إنها الرصاصة الصامتة التي تقتل الفلسطينيين من دون صوت.»

خلف كل أنبوب مقطوع أو نبع مغلق قصة حياة تتغير. فالمزارع الذي يفقد الماء يخسر محصوله، والأسرة التي تفقد مصدرها تضطر إلى شراء المياه، والقرية التي تخشى الوصول إلى عينها تبدأ بفقدان واحدة من أبسط مقومات الاستقرار.

لذلك، لا تبدو المعركة على الينابيع معركة على الماء وحده. إنها معركة على قدرة الإنسان على البقاء في المكان.

وفي فصايل، تختصر الصورة كل شيء: بركة تمتلئ بالماء، وحقول تنتظر قطرة.

فحين يُنتزع الماء من الأرض، لا تجف العين وحدها؛ يبدأ المكان نفسه بفقدان قدرته على احتضان أهله.