شبكة قدس الإخبارية - 8/18/2026 4:50:22 PM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: يسود مشهد الاعتقال السياسي في الضفة الغربية، ولكن بصورة صامتة، إذ لم تعد المؤسسات الحقوقية والأهلية تصدر بياناتها، كما كانت تفعل سابقًا، حول حملات الأجهزة الأمنية في ملاحقة النشطاء والأهالي على خلفيات سياسية، وأخرى مرتبطة بحرية الرأي والتعبير، وسط تساؤلات عن أسباب هذا الغياب وأحوال المعتقلين السياسيين.
ولم تتوقف حملات الاعتقال السياسي منذ سنوات طويلة، بل زادت من بعد الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، وبلغت ذروتها في مراحل عديدة، أبرزها: "يوم وقوع مجزرة المعمداني في 17 أكتوبر 2023، حين اعتقل أكثر من 50 فلسطينيا على خلفية المشاركة في احتجاجات رافضة للمجزرة، وقبيل العدوان على مخيم جنين حين أطلقت السلطة حملة أسمتها (حماية وطن) اعتقلت خلالها أكثر من 250 فلسطينيا بعد ديسمبر 2024 بينهم عشرات المقاومين من كتيبة جنين وتخلل حالات الاعتقال ضرب وإهانة وتصوير الاعتداء على المعتقلين ووضع البعض في حاويات قمامة". ومنذ بداية العام لم تتوقف الاعتقالات والملاحقات بحقّ النشطاء والأسرى المحررين وأخيرًا كوادر من حزب التحرير.
وتؤكد مجموعة "محامون من أجل العدالة"، على لسان مديرها مهند كراجة، أن الأسابيع الأخيرة شهدت زيادة في وتيرة الاعتقالات السياسية، شملت نشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، وأعضاء في حزب التحرير، إلى جانب استدعاءات تُنفذ على خلفية منشورات عبر "فيسبوك". ويشير إلى أن خطورة هذه الانتهاكات تتزامن مع مرحلة التسجيل للانتخابات التشريعية، بما يعكس غياب الحريات خلال العملية الديمقراطية.
وفي حديثه لـ "شبكة قدس"، يشير كراجة إلى أن المجموعة وثّقت، منذ عام، أكثر من 100 حالة صدرت لصالح أصحابها قرارات إفراج قضائية لم تُنفذ على الإطلاق. ويضيف: "يتجاوز اليوم عدد المعتقلين داخل سجون الأجهزة الأمنية على خلفية الرأي أو الانتماء السياسي 150 معتقلًا. وتتركز الاعتقالات في الآونة الأخيرة في الخليل، ورام الله، ونابلس".
"أما في جنين، فقد كانت هناك حملة استدعاءات أمنية استهدفت النساء؛ إذ وثّقنا ما مجموعه أربع حالات لنساء ناشطات اجتماعيًا، سواء في مجال تحفيظ القرآن أو إدارة حلقات الأطفال وما شابه ذلك"، كما يوضح كراجة. ويعتبر أن خطورة ما يجري ترتبط بعلاقة السلطة وانضمامها إلى الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وأهمها "العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية"، الذي يبدو أنه غير مفعّل على أرض الواقع، وفق كراجة.
وعن مدى تراجع رصد حالات الاعتقال السياسي، يقول كراجة: "إن المؤسسات الحقوقية والاجتماعية التي كانت تتابع ملف الاعتقال السياسي تراجع دور بعضها، بعد أن أغلق الاحتلال وألغى تصاريح عمل أكثر من 36 مؤسسة منذ نحو أربعة أعوام وحتى الآن، ويضاف إلى ذلك تغيير بعض المؤسسات سياساتها بحجة الاقتصار على الحديث عن انتهاكات الاحتلال وتجنب التطرق إلى انتهاكات السلطة، خشية مواجهة حملات التحريض".
الهيئة المستقلة: لسنا جهة إعلامية وما زلنا نرصد
وتوجّهت "شبكة قدس الإخبارية" بالسؤال حول ذلك إلى الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، التي يُعد من أبرز مهامها "رصد وإصدار التقارير، وتوثيق الانتهاكات وإعداد التقارير الدورية والسنوية حول حالة حقوق الإنسان في فلسطين"، وذلك بموجب المرسوم الرئاسي رقم (59) لعام 1995، الصادر عن الرئيس الراحل ياسر عرفات.
وبحسب متابعة "شبكة قدس" لـ"بيانات ومواقف" الهيئة عبر موقعها الرسمي، فإن الهيئة أصدرت بيانات حول قضايا الانتهاكات، مثل حادثة وفاة الشاب عنان يوسف في ضاحية الريحان برام الله، إثر حادثة السقوط المأساوية التي وقعت في سياق تنفيذ أمر حبس ومداهمة ليلية من قبل الأجهزة الأمنية، وأسفرت عن وفاته في مايو/أيار الماضي. وكذلك قضية تسليم الشاب محمود خضر العدرا (هشام حرب) للجهات الفرنسية في إبريل/نيسان الماضي، وقضية عائلة سمارة في طوباس التي وقعت في فبراير/شباط الماضي، وأسفرت عن مقتل الطفل علي سامر سمارة (15 عامًا) وإصابة طفلة أخرى برصاص الأجهزة الأمنية.
إلا أنه منذ بداية العام الجاري، غابت عن موقع الهيئة بيانات حول حالات الاعتقال السياسي أو أحوال المعتقلين في سجون السلطة، رغم أنها كانت تتطرق إلى ذلك في بيانات شهرية دورية. وبحسب تقرير الشهر الماضي، يوليو/تموز، الصادر عن الهيئة، فقد تلقت 18 شكوى تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة والاعتداء الجسدي من المكلفين بإنفاذ القانون، 17 منها في الضفة الغربية وحالة واحدة في قطاع غزة. كما سجلت الهيئة 28 حالة اعتقال الشهر الماضي على خلفية سياسية والتوقيف على ذمة المحافظين، و12 شكوى حول عدم تنفيذ قرارات المحاكم.
وفي إجابته عن تساؤلات "شبكة قدس"، يقول المفوض العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عصام العاروري، إن "دور الهيئة المستقلة لا يقتصر على إصدار البيانات؛ إذ إن شعارها هو استخدام الأسلوب الأمثل لخدمة قضايا المعتقلين. وهناك فارق بين الاتجار بقضايا المعتقلين، وبين زيارتهم ومتابعة حالاتهم وفقًا لإجراءات الاعتقال، وظروف معاملتهم، والاستماع إلى إفاداتهم وأقوالهم". ويتابع: "الهيئة المستقلة تتابع جميع حالات الاعتقال، وتنفذ زيارات لكل المعتقلين، كما تستقبل الشكاوى من ذويهم كافة".
وعما إذا كانت الهيئة قد تراجعت عن دورها في رصد الانتهاكات بحق المعتقلين، يجيب العاروري: "الهيئة لم تتراجع عن أداء هذا الدور؛ ففي جميع الحالات التي يُشتبه فيها بوقوع سوء معاملة، أو عند الحصول على معلومات تتصل بانتهاكات في إجراءات الاعتقال، تتواصل الهيئة مع الجهات الرسمية. بيد أن عملها لا يهدف إلى التشهير أو إثارة الضجيج حول القضية، بل تختار الأسلوب الأجدى الذي يحقق مصلحة فعلية لقضية المعتقل نفسه. وليس بالضرورة أن يتحقق ذلك عبر الظهور الإعلامي أو إصدار البيانات؛ إذ توجد حالات خاصة لها مقوماتها وتستدعي ذلك، إلا أنه ليس من الضروري إصدار بيان مع كل حدث".
ويضيف: "الهيئة تُصدر في تقريرها السنوي، الذي يرصد حالة حقوق الإنسان من خلال ما يقارب 30 مؤشرًا، وجميعها موثقة ومعلنة، كما تصدر تقارير دورية وشهرية، ولكن الهيئة في النهاية ليست جهة إعلامية مخصصة لإصدار البيانات".
ويقول: "موقفنا من الاعتقال ومن كيفية التعامل مع المعتقلين لا يتبدل بتبدل الانتماء الفكري أو السياسي للمعتقل؛ فلكل إنسان الحق في أن يُعامل باحترام وتُصان كرامته، وأن يحظى بمحاكمة عادلة وتطبيق لمبدأ المساواة كمواطن. أي إن الهيئة لا تتبنى موقفًا أيديولوجيًا في تعاملها". ويبين: "حتى من تُنسب إليه مخالفات، أو من تعتقد أجهزة الاعتقال أنه ارتكب خطأً، يجب أن يكون القضاء هو الفيصل والمحدد لمعرفة ما إذا كان الشخص قد ارتكب جنحة أو جرمًا؛ ونحن نرفض استخدام التوقيف والاحتجاز كعقوبة ضد أي إنسان".
لجنة الحريات مجمدة
كما يبدو في المشهد الميداني بالضفة الغربية، غيابٌ تام لما عُرف سابقًا بـ"لجنة المتابعة لقضايا الحريات العامة وبناء الثقة"، التي جاء تشكيلها انبثاقًا عن تفاهمات المصالحة الوطنية والفصائلية في القاهرة عام 2011، لمتابعة قضايا الحريات العامة. ومنذ بداية الحرب على غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تبدو اللجنة غائبة تمامًا عن المشهد، ولم تصدر أي مواقف حيال الانتهاكات السياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وعن سبب هذا الغياب، يقول عضو اللجنة خليل عساف لـ"شبكة قدس": "لجنة الحريات اليوم مجمّدة العمل، ولا نعلم سبب ذلك، فهي لا تدعو إلى عقد اجتماعات داخلية، على الرغم من أنه لا توجد لأي جهة سلطة عليها، كونها تشكلت بتوافق من كافة أطياف الشعب الفلسطيني، وهدفها وطني؛ أي إنها لا تحابي أحدًا ولا تنحاز لجهة ضد أخرى".
ويتابع: "لا أجد أي مبرر لعدم تفعيل دور اللجنة في هذه الظروف، كما لا يوجد مبرر إن كان السبب هو تجنب إغضاب الأجهزة الأمنية".
وحول المطلوب لتفعيل اللجنة، يجيب عساف: "المطلوب يكمن في توجيه الدعوة للانعقاد فقط، وأن تضطلع بمسؤولياتها بجرأة ودون خوف من أي جهة. لقد كانت اللجنة تتابع ملف الحريات بدقة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتحديدًا قضية الاعتقال السياسي، أما اليوم فهناك حالات اعتقال سياسي لا تجد من يتابعها".
شارك الخبر
إقرأ المزيد


