الشباب والانتخابات: قراءة في تحولات المشاركة السياسية لدى الجيل الجديد
شبكة راية الإعلامية -

في ظل انسداد الأفق السياسي وتطاول سنوات الانقسام الداخلي، يجد الجيل الجديد من الشباب الفلسطيني نفسه أمام واقع معقد يُحرم فيه من تجربة ديمقراطية منتظمة تُتيح له ممارسة حقه الطبيعي في الاقتراع والترشح وتقرير المصير.

في هذا الإطار، ناقش برنامج "قضايا في المواطنة" عبر "راية" ملف "الشباب والانتخابات: قراءة في تحولات المشاركة السياسية لدى الجيل الجديد"، مُسلطاً الضوء على أسباب تراجع ثقة الشباب بالمؤسسات السياسية، وآليات الانتقال من خانة "الناخب المُغَيَّب" إلى صانع القرار والمرشح الفاعل.

وقد استضافت الحلقة كلاً من: رزق عطاونة، منسق برنامج الحكم والسياسة العامة في مؤسسة REFORM، ورينا منصور أبو كريم، عضو منتدى REFORM لإعمار غزة، حيث قدم الضيفان قراءة عميقة ومفصلة لأزمة الثقة المتبادلة بين الجيل الجديد والبنية السياسية القائمة.

زق عطاونة منسق برنامج الحكم والسياسة العامة في مؤسسة REFORM

أكد عطاونة أن العلاقة بين الجيل الجديد ومؤسسات النظام السياسي الفلسطيني باتت غير قابلة للقياس؛ نظراً لطول عمر الانقسام وتعطل المؤسسات الدستورية والتشريعية كالمجلس التشريعي، وتشكيل حكومات متعاقبة لا تحظى بملف الثقة البرلمانية، مما انعكس سلباً على سلوك الأحزاب وفقدان التجديد في كادرها القيادي.

وأوضح أن غياب التداول الديمقراطي ولد لدى الشباب شعوراً عارماً بمحدودية الوصول، وأنهم باتوا مجرد متلقين لقرارات وسياسات لا تُعبر عن تفاصيل حياتهم المحدثة ولا تتلاءم مع التغيرات المجتمعية والتكنولوجية المتسارعة.

وأشار عطاونة إلى أنه عند إجراء مقارنة بين آخر انتخابات جرت قبل نحو 19 عاماً والواقع الحالي، نجد ظاهرة تدوير الأشخاص واحتكار الشخصية الواحدة لنحو 3 إلى 4 مناصب قيادية في النظام السياسي، مقابل تهميش جيل كامل رغم مبادراته المستمرة في العمل الوطني والمجتمعي والتطوعي والأزمات المالية والميدانية.

واعتبر عطاونة أن انتخابات المجلس التشريعي تتطلب قوائم على مستوى الوطن (الضفة، غزة، والقدس)، وهو ما يعجز عنه الشاب المستقل في ظل انقطاع الجغرافيا والقيود الميدانية، بينما تفتقر الأحزاب للرغبة الحقيقية في إبراز قيادات شابة وإفساح المجال لها للمنافسة أمام نخب سياسية متمرسة منذ عقود.

وانتقد عطاونة الثقافة المكرسة محلياً والتي تربط الخبرة بالعمر الفعلي وتهمش قدرات الشباب، مشيراً إلى تجارب دولية يقود فيها الشباب رئاسة الوزراء (كإسبانيا وبلجيكا)، ومؤكداً أن الخبرة في عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة ترتبط بالممارسة والأدوات التي يمتلكها الشباب بدرجة أعمق من النخب التقليدية.

وحذر عطاونة من أن استمرار انسداد الأفق قد يحول رغبة الشباب العارمة في التغيير إلى احباط وركود، أو ردة فعل خطيرة تتمثل في كفرهم بالنظام السياسي برمته والتراجع نحو هويات ضيقة (عشائرية ومناطقية)، مما يخدم مخططات الاحتلال في تجزئة الجغرافيا والمجتمع الفلسطيني.

وحول الرؤية المستقبلية لاستعادة الثقة، رأى عطاونة أن المدخل الأساسي يكمن في تحقيق توافق وطني شامل على برنامج نضالي واجتماعي يضع حداً للانقسام الممتد، ويضمن تمكين الفئات المهمشة والشبابية من ممارسة حياتها بحرية وكرامة.

وشدد عطاونة على ضرورة إحداث تجديد هيكلي داخل القوى والأحزاب السياسية لضخ دماء جديدة في أطرها التنظيمية ومجالسها القيادية، والتخلي عن محاولات إشراك الشباب بصورة شكلية في أذيال القوائم الانتخابية، لضمان بناء بيئة ديمقراطية حقيقية تتجاوز تكرار الوجوه والسياسات السابقة.

رينا منصور أبو كريم (عضو منتدى REFORM لإعمار غزة)

رفضت أبو كريم التعميم القائل بأن الشباب الفلسطيني كتلة واحدة محبطة وغير مهتمة بالسياسة، مشددة على أن الانتقاد المستمر المستند للوعي من قِبل الشباب للعملية السياسية يُعد في حد ذاته دليلاً قاطعاً على الاهتمام والرغبة في التغيير، وليس زهداً أو لامبالاة.

وشددت على أن اختزالية دور الشاب في وضع الورقة داخل صندوق الاقتراع دون معرفة ما يتبع ذلك تجعل العملية الانتخابية غير جاذبة. والمطلوب هو إشراك الشباب في مسار ديمقراطي ممتد يشمل المساءلة، المتابعة، والصياغة المباشرة للسياسات العامة.

وأوضحت أبو كريم أن الشباب سيتفاعلون بإيجابية مع العملية الانتخابية متى ما شعروا أن نتائجها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقضاياهم اليومية المباشرة؛ مثل فرص العمل، التعليم، وتوفير الخدمات والتمكين الاقتصادي.

وبينت أن الجيل الحالي عانى من انقطاع طويل حرمه من ممارسة حقه الطبيعي في التعلم عبر التجربة، ومقارنة البرامج الانتخابية، ومحاسبة المسؤولين، مما خلق فجوة ثقة بين المواطن والمؤسسة، مؤكدة في الوقت ذاته أن هذا الواقع يفرض مسؤولية لبناء تجربة ديمقراطية جديدة تبتعد عن أخطاء الماضي.

وانتقدت أبو كريم تعاطي الأحزاب والقوائم مع ملف الشباب باعتباره ديكوراً أو استيفاءً لنسب ومحاصصات شكلية لإظهار التنوع العمري والجندري، بينما يُستبعد الشباب عملياً من صياغة البرامج والترشح في المراتب المتقدمة القادرة على الوصول والتأثير.

ودعت إلى تهيئة البيئة لتكامل الخبرات؛ بحيث تُستغل خبرة الكبار إلى جانب طاقات وأفكار الشباب الخلاقة، مؤكدة أن الشباب لا يطلبون امتيازات استثنائية، بل يطالبون بفرصة عادلة للوصول والمنافسة وتحمل المسؤولية الوطنية.

وفيما يتعلق بخارطة الطريق للانتقال نحو القيادة، أكدت أبو كريم على أهمية اعتماد منهج التدرج لتمكين الشباب عبر مسارات تدريبية وتطبيقية تنطلق من المجالس الشبابية والمؤسسات الميدانية واللجان القاعدية، وتتوسع لتشمل بناء القدرات في صياغة القوانين، وقراءة الموازنات العامة، وإتقان مهارات التفاوض السياسي.

واختتمت أبو كريم بتأكيد ضرورة تفعيل أدوات المساءلة والمتابعة المجتمعية من خلال إيجاد مساحات حوارية مفتوحة ومناظرات علنية قبل الاستحقاقات الانتخابية، مع بناء أطر وآليات مستدامة تتيح للمواطنين والشباب متابعة أداء ممثليهم ومحاسبتهم بفعالية عقب إعلان النتائج.

تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة REFORM ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.

رابط الحلقة للمتابعة: اضغط هنا لمشاهدة الحلقة كاملة عبر يوتيوب اضغط هنا وعبر فيسبوك اضغط هنا



إقرأ المزيد