شبكة قدس الإخبارية - 8/19/2026 8:56:16 PM - GMT (+2 )
لم تكن الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب في 18 أغسطس/آب 2026 مجرد استهداف لمنشأة عسكرية سورية، بل حملت دلالة تتجاوز الموقع نفسه، بعدما ربطت إسرائيل الضربة بخطط لنشر قوات وقدرات تركية في القاعدة. وبهذا المعنى، تكشف العملية عن انتقال التنافس الإسرائيلي–التركي في سوريا إلى مستوى أكثر حساسية: من يتولى تشكيل البنية العسكرية السورية الجديدة، وما الحدود التي ستسمح بها إسرائيل للحضور التركي داخلها؟
أعلن مكتب بنيامين نتنياهو أن دمشق كانت على وشك الإخلال بتفاهمات أمنية قائمة عندما سمحت بانتشار تركي في الموقع، مؤكدًا أن إسرائيل حذرت الجانب السوري مرارًا من أن تمركز قوات تركية في قاعدة سورية سيشكل تهديدًا لأمنها. وقال نتنياهو: «لن نتحمل تموضعًا عسكريًا تركيًا في سوريا يهدد إسرائيل»، في رسالة واضحة بأن تل أبيب تنظر إلى الوجود التركي المحتمل باعتباره تطورًا مختلفًا عن الترتيبات العسكرية السورية السابقة.
وتكتسب الضربة أهمية أكبر في ضوء ما أوردته تقارير إسرائيلية عن تحذيرات مباشرة وجهها مسؤولون إسرائيليون إلى مسؤولين سوريين قبل الهجوم، بقولهم: «نحن نعلم أن الأتراك قادمون. هذا انتهاك للوضع الراهن». كما أشارت تقارير إلى أن وفدًا تركيًا زار القاعدة قبل الضربة بساعات، وهي واقعة تعزز أهمية التوقيت، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن قرار الانتشار العسكري كان قد حُسم نهائيًا.
ما يلفت هنا أن إسرائيل اختارت التحرك قبل اكتمال أي بنية عسكرية تركية معلنة في الموقع. وهذا يعكس نمطًا معروفًا في التفكير الأمني الإسرائيلي يقوم على التعامل مع التهديد المحتمل في مرحلة مبكرة، بدل انتظار تحوله إلى قدرة قائمة يصعب تغييرها. فالهدف، وفق هذه القراءة، ليس فقط تعطيل قاعدة جوية، وإنما منع تشكل واقع عسكري جديد قد يفرض على إسرائيل قيودًا لم تكن موجودة في السنوات الماضية.
وتنبع المخاوف الإسرائيلية من التحول الأوسع الذي تشهده سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد. فقد تراجع النفوذ الإيراني الذي كان يمثل محورًا أساسيًا في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، مقابل صعود الدور التركي داخل المشهد السوري سياسيًا وعسكريًا. وتخشى تل أبيب أن تنتقل أنقرة من تقديم الدعم والتدريب إلى بناء حضور عسكري مؤسسي طويل الأمد، بما يمنحها تأثيرًا مباشرًا في إعادة تشكيل الجيش السوري وانتشار قواته وقدراته.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: تركيا ترى في دعم بناء مؤسسات الدولة السورية جزءًا من استقرار المنطقة، بينما تنظر إسرائيل إلى إعادة بناء قوة عسكرية سورية بدعم تركي باعتبارها احتمالًا قد يقلص هامش حركتها. ومن ثم، فإن الخلاف لا يتعلق بقاعدة أبو الظهور وحدها، بل بمستقبل المؤسسة العسكرية السورية ومن يملك التأثير الأكبر في تشكيلها.
ويؤكد هذا الاتجاه ما نقلته صحيفة «جيروزاليم بوست» عن الباحث حي إيتان كوهين يناروجاك، الذي قال إن إسرائيل «غير معنية بالدخول في مواجهة عسكرية مع تركيا»، لكنها تعمل على إبعاد القوات التركية عن حدودها، معتبرًا أن بقاء القوات التركية في شمال سوريا دون توسع جنوبًا يسمح لإسرائيل بالشعور بمزيد من الأمان. وهذه الرؤية تختصر المعضلة الإسرائيلية: تل أبيب لا تريد مواجهة أنقرة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يصبح الوجود التركي عاملًا يقيد قدرتها على العمل داخل سوريا.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن التحول الأوسع في موقع تركيا الإقليمي. فأنقرة تعمل على توسيع قدراتها الدفاعية والصناعات العسكرية، وتعزيز شراكاتها مع قوى إقليمية، بالتوازي مع تعميق حضورها في سوريا. ويأتي ذلك في سياق توقيعها اتفاق دفاع مشترك مع السعودية وباكستان، وهو تطور يعكس، إلى جانب الملف السوري، اتجاهًا تركيًا نحو بناء شبكة علاقات أمنية تتجاوز حدود الدور التقليدي لعضوية الناتو.
ومن المنظور الإسرائيلي، فإن صعود تركيا يختلف عن التهديد الإيراني الذي اعتادت تل أبيب التعامل معه خلال السنوات الماضية. تركيا دولة عضو في الناتو، تمتلك جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متقدمة، وتحتفظ بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى بناء نفوذ إقليمي مستقل. ولهذا تبدو سوريا نقطة احتكاك مثالية بين مشروعين إقليميين متنافسين.
في المقابل، رفضت أنقرة المبررات الإسرائيلية للضربة، واتهمت حكومة نتنياهو باستخدام مزاعم أمنية لتبرير ما وصفته بالاعتداء على السيادة السورية، مؤكدة أن التعاون التركي مع دمشق يهدف إلى دعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويجعل هذا التباين من سوريا ساحة اختبار فعلية لحدود النفوذ بين الطرفين. فكلما توسع الدور التركي في إعادة بناء الجيش السوري، زادت حساسية إسرائيل تجاه طبيعة هذا الدور، وكلما حاولت إسرائيل وضع حدود ميدانية له، ارتفعت احتمالات الاحتكاك مع أنقرة.
لكن قدرة إسرائيل على التحرك ليست مطلقة. فالولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة معقدة: فهي حليف استراتيجي لإسرائيل، وتركيا عضو في الناتو، كما أنها معنية بالحفاظ على الاستقرار السوري ومنع انهيار الترتيبات الإقليمية الناشئة. وقد وصفت واشنطن الضربة بأنها «تصعيد غير ضروري»، ما يعكس وجود سقف سياسي للتحرك الإسرائيلي عندما يقترب من المصالح التركية أو يهدد بتوسيع دائرة الصراع.
لذلك، فإن المسألة لا تتعلق فقط بامتلاك إسرائيل القدرة على ضرب موقع ما، وإنما بقدرتها على استخدام هذه القوة دون تحويل التنافس مع تركيا إلى مواجهة مباشرة، ودون الاصطدام بالموقف الأميركي.
ومن هنا يمكن فهم ضربة أبو الظهور باعتبارها رسالة ردع مبكرة أكثر من كونها عملية معزولة. الرسالة موجهة إلى دمشق بقدر ما هي موجهة إلى أنقرة: إعادة بناء الجيش السوري ممكنة، لكن إسرائيل تريد أن تحدد مسبقًا طبيعة الشركاء والقدرات التي يمكن أن تدخل في هذه العملية.
أما الرسالة الأبعد، فهي أن تراجع النفوذ الإيراني في سوريا لا يعني أن إسرائيل مستعدة لقبول انتقال الساحة إلى نفوذ إقليمي تركي غير محدود. فبالنسبة إلى تل أبيب، المشكلة لم تعد فقط في من يملك السلاح داخل سوريا، وإنما في من يملك القدرة على بناء هذا السلاح وتحديد عقيدة المؤسسة العسكرية السورية المقبلة.
وعليه، فإن أبو الظهور قد يكون بداية مرحلة جديدة من الصراع على شكل سوريا المقبلة. لن يكون هذا الصراع بالضرورة مواجهة إسرائيلية–تركية مباشرة؛ فالمصالح الأميركية والقيود السياسية تدفع الطرفين إلى تجنبها. والأرجح أن تتخذ المنافسة شكل ضغوط سياسية، ورسائل ردع، وتحركات عسكرية محدودة، ومحاولات لتثبيت قواعد اشتباك جديدة.
في المحصلة، لم تكن ضربة أبو الظهور مجرد ضربة لقاعدة جوية، بل محاولة إسرائيلية لرسم خط أحمر أمام التحول المحتمل للحضور التركي من نفوذ سياسي وعسكري غير مباشر إلى وجود عسكري مؤسسي داخل سوريا. وما سيحدد مستقبل هذا الصراع ليس حجم الدمار الذي خلفته الغارة، بل ما إذا كانت تركيا ودمشق ستواصلان مسار إعادة بناء القدرات العسكرية، وما إذا كانت واشنطن ستنجح في إبقاء التنافس بين أنقرة وتل أبيب داخل حدود يمكن احتواؤها.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


