شبكة قدس الإخبارية - 8/20/2026 5:02:15 PM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: في بيت جدّهما لأمهما، تتوزع كتب المدرسة الجديدة على الطاولة؛ عائشة تستعد للصف الثامن، ومحمد للصف السابع، وبين حقيبتين ودفاتر تنتظر أن تحمل اسميهما، تبدو صورة الاستعداد للعام الدراسي عادية من الخارج، لكن تفصيلًا واحدًا ينقصها؛ اليد التي اعتادت أن تجهّز هذه الأشياء ليست هنا. إخلاص حماد، البالغة من العمر 36 عامًا، معتقلة إداريًا للمرة الثانية، بينما والدهما شادي عودة، الذي تحرر عام 2025 وأُبعد إلى مصر، لا يستطيع أن يكون إلى جوارهما في صباحات المدرسة.
لذلك لا يبدأ يوم عائشة ومحمد هذا العام بالسؤال عن الكتب التي تنقصهما أو عن الحقيبة التي يريدانها، بقدر ما يبدأ بسؤال آخر لا يشبه أسئلة الأطفال: هل جاء خبر عن أمي؟ وهل سيتصل أبي اليوم؟ يعيشان عند أهل أمهما، ويتقاسمان أيامهما بين انتظار زيارة المحامي التي قد تحمل إليهما خبرًا عن إخلاص، وانتظار مكالمة من شادي يأتي صوته فيها من مصر، فيقترب منهما للحظات قبل أن تنتهي المكالمة وتعود المسافة من جديد.
أبٌ تحرر.. لكن بقي بعيدًا
غياب الأب ليس جديدًا في حياة الطفلين؛ فقد اعتُقل شادي عودة عام 2002، وحُكم عليه بالسجن 23 عامًا، ثم تحرر ضمن صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011، قبل أن يُعاد اعتقاله عام 2014. خلال سنوات الأسر، كبرت عائشة، وجاء محمد إلى الدنيا ووالده خلف القضبان، فيما كانت إخلاص تحاول أن تحفظ لطفليها صورة الأب وحضوره رغم أن السجن كان يحول بينهما.
وحين تحرر شادي عام 2025 ضمن الصفقات الأخيرة، كان يفترض أن تكون الحرية عودة إلى البيت وإلى زوجته وأطفاله، لكنها جاءت مقرونة بالإبعاد إلى مصر، فخرج الأب من السجن دون أن يعود إلى المكان الذي انتظره طويلًا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الهاتف نافذة الطفلين إلى أبيهما. يسمعان صوته، يخبرانه عن المدرسة، يسأل عنهما، وربما يحاول أن يخفف عنهما شيئًا من الغياب، لكن المكالمة مهما طالت لا تمنح الطفلين ما تمنحه يد الأب حين تكون قريبة، ولا تعوّضهما عن وجوده في البيت. هو حرّ، يعرفان أنه موجود، لكنهما لا يستطيعان أن يرياه متى أرادا.
في بيتٍ اعتاد أن يترك مقعدًا فارغًا
ولعلّ إخلاص تعرف أكثر من غيرها معنى هذا النوع من الغياب؛ فهي ابنة عائلة عاشت الاعتقال كجزء من ذاكرتها. والدها الدكتور ياسر حماد أسير محرر، وهو اليوم خارج السجن، لكن سنوات الأسر تركت في العائلة صورة متكررة لمقعد يبقى فارغًا لأن أحد أفرادها غاب خلف القضبان.
كبرت إخلاص وهي ترى ذلك المكان الشاغر حول المائدة، وتعلمت أن العائلة قد تستمر في حياتها، لكنها تظل تترك مكانًا لمن غاب، على أمل أن يعود. واليوم، يعيش طفلاها الصورة نفسها، لكن من الجهة الأخرى من الحكاية؛ فالمقعد الذي اعتادت إخلاص أن تراه فارغًا في بيت والدها، أصبح اليوم مقعدها هي في بيت أطفالها.
يعيش عائشة ومحمد الآن عند أهل أمهما، في المكان الذي يحمل ذاكرة الجد الأسير المحرر، ويحاولان أن يكملا يومهما وسط عائلة تعرف جيدًا كيف يبدو البيت حين ينقصه أحد.
يومان فقط بين عودة الأم وغيابها
إخلاص حماد، البالغة من العمر 36 عامًا، لم تكن تتوقع أن يتحول شهر أيار/مايو إلى موعد جديد مع الغياب. اعتُقلت للمرة الأولى في 18 أيار/مايو 2026، قبل أن تُفرج عنها في 27 أيار/مايو، لكن فرحة عودتها إلى طفليها لم تدم طويلًا؛ ففي ليلة 28 أيار/مايو، أُعيد اعتقالها.
لم تمنحها الساعات القليلة التي عادت فيها إلى بيتها وقتًا كافيًا لتعويض طفليها عن أيام الغياب. بالكاد عادت الأم إلى مكانها حتى عاد الفراغ من جديد، وبقي عائشة ومحمد أمام السؤال ذاته: أين أمي؟
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت إخلاص معتقلة إداريًا للمرة الثانية، لتطول فترة غيابها عن طفليها، ويصبح على عائشة ومحمد أن يتعلما من جديد كيف يعيشان أيامهما من دون أم.
أربعة أشهر بلا تفاصيل الأم
أربعة أشهر قد تبدو مدة عابرة حين تُكتب على ورقة، لكنها في حياة طفلين تعني عشرات الصباحات التي لا توقظهما فيها، وأيامًا مدرسية كاملة لا تسألهما فيها عن دروسهما، وحقائب تُجهّز من دون أن تمد يدها لترى إن كان كل شيء في مكانه.
وهنا يصبح الغياب مؤلمًا بسبب التفاصيل الصغيرة تحديدًا؛ لأن الطفل لا يفتقد أمه فقط في اللحظات الصعبة، بل يفتقدها في الأشياء التي كان يظن أنها ستبقى دائمًا. في اختيار الحقيبة، وفي قياس المريول، وفي ترتيب الكتب، وفي صباح المدرسة حين يحتاج إلى صوت يقول له: أسرع، ستتأخر.
عائشة ومحمد لا يملكان الآن سوى أن يواصلا هذه التفاصيل من بيت الجد، فيما الأم تنتظر خلف القضبان، والأب ينتظرانه من مصر.
بين خبرٍ من المحامي وصوتٍ من مصر
يعيش الطفلان اليوم بين انتظارين؛ الأول يأتي من السجن، حين ينتظران زيارة المحامي لعلها تحمل خبرًا عن والدتهما، والثاني يأتي من مصر، حين ينتظران مكالمة والدهما.
وعندما يتصل شادي، يصبح الهاتف للحظات أقرب شيء إليهما.
يسمعان صوته، يخبرانه عن المدرسة، يسأل عنهما، وربما يحاول أن يخفف شيئًا من المسافة. لكن المكالمة تنتهي، ويعود الهاتف إلى مكانه، ويبقى الأب في مصر، وتعود الأم إلى الغياب، ويعود الطفلان إلى بيت الجد.
وهكذا لا يعيش عائشة ومحمد غيابًا واحدًا؛ أمّ قريبة في المكان لكنها خلف القضبان، وأبٌ حرّ لكنه بعيد عن البيت.
حين تصبح الحقيبة شاهدًا على الغياب
مع اقتراب العام الدراسي، تبدو الصورة بسيطة من الخارج: طفلة تستعد للصف الثامن، وطفل يستعد للصف السابع، وحقيبتان وكتب ومريولان. لكن خلف هذه الصورة عائلة أعاد الاعتقال والإبعاد توزيع أفرادها على أماكن متباعدة؛ شادي في مصر، وإخلاص خلف القضبان، وعائشة ومحمد في بيت جدّهما لأمهما.
سيذهبان إلى المدرسة، وسيفتحان الكتب، وسيمضي عام آخر من طفولتهما. لكن شيئًا سيبقى ناقصًا في صباحاتهما؛ صوت الأم.
وربما حين تعود إخلاص يومًا إلى البيت، لن تحتاج إلى أن يسرد لها الطفلان كل ما حدث في غيابها. ستكفيها الحقيبتان والكتب والمريولان لتعرف كم كبر طفلاها بعيدًا عنها.
قد تجلس بينهما، تفتح الحقيبة، تقلب الكتب، تنظر إلى المريول، ثم تسأل السؤال الذي حُرما منه طويلًا: «هذه الحقيبة جميلة؟ وهذا المريول مناسب؟».
وعندها، ربما لن تكون الإجابة أهم ما في السؤال؛ الأهم أن تكون الأم هناك، وأن يكون الطفلان إلى جوارها، وأن يعود المقعد الفارغ إلى مكانه حول المائدة.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


