وكالة سوا الاخبارية - 8/21/2026 9:34:25 AM - GMT (+2 )
لم يعد الحديث عن الانتخابات النصفية الأميركية، و الكنيست الإسرائيلي، حديثا تاليا للحرب الإقليمية بآخر فصولها، ونقصد الحرب على ايران، وقد حاول كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن تكون الحرب حدثا سابقا للانتخابات في البلدين، حتى يضمنا نتائج تلك الانتخابات، لكن جرت رياح الرجلين، بما لا تشتهي سفنهما، التي غرقت في بحر ايران، وعلى جبهتي القتال العسكري، والتفاوض السياسي، لذلك فإن عدم توقف الحرب أو حسم نتيجتها وصولا لانتخابات الكنيست الإسرائيلي والنصفي الخاص بالكونغرس الأميركي، وضعت كلا من نتنياهو وترامب في وضع لا يحسدا عليه، لذا فإن السؤال الذي بات متداولا هذه الأيام في أوساط المراقبين والمتابعين، هو ماذا سيفعل نتنياهو، ليتجنب السقوط الانتخابي، وماذا يمكن أن يفعل ترامب حتى لا يفقد حزبه الجمهوري أغلبيته الحالية في الكونغرس؟!
الإجابة عن هذا التساؤل ليست متطابقة لكلا الرجلين، اللذين توافقا كما لم يحدث من قبل بين رئيس أميركي ورئيس وزراء إسرائيلي، ذلك أن مستقبل نتنياهو هو أسوأ من مستقبل ترامب، فترامب سيبقى رئيسا حتى لو خسر، كما هو متوقع حزبه الجمهوري أغلبية مجلس النواب، وحتى أغلبية مجلس الشيوخ، وصحيح أن ذلك سيؤثر سلبا على أدائه كرئيس، والذي سيوصف حين ذاك بالبطة العرجاء، لكنه سيكمل ولايته، وأصلا هو لا يحق له الترشح لولاية ثالثة، وبحكم انه رجل أناني أو ذاتي، فإنه ليس مهتما كثيرا بالحفاظ على حزبه الجمهوري في البيت الأبيض، أو كأغلبية في الكونغرس، أما نتنياهو فإن خسارته للانتخابات هذه المرة، ستكون بمثابة نهايته السياسية على الأرجح، بحكم تقدمه في العمر، ولأن الخسارة قد تعني بداية تلاشي الليكود، كما حدث من قبل مع حزب العمل، والأهم ان نتنياهو سيواجه القضاء في تهم الفساد، فضلا عن القضاء الدولي بتهمة ارتكاب جرائم الحرب.
واذا كان هناك عدم تطابق في مستقبل الرجلين ارتباطا بانتخابات الكنيست في شهر تشرين الأول القادم، أي بعد شهرين، وانتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني القادم، فإن وضعهما يكاد يتطابق، وفق ما تعلنه استطلاعات الرأي في إسرائيل، وبرايمريز أي الانتخابات الداخلية للحزب الديموقراطي المنافس، حيث يتقدم مرشحو يسار الحزب أو الجناح الذي يوصف بأنه ديموقراطي اجتماعي أو حتى ديموقراطي اشتراكي، ولم يقتصر الأمر على فوز زهران ممداني كعمدة لنيويورك، ولا كل من عبد الرحمن السيد ورشيدة طليب لمجلس الشيوخ، بل يتوالى فوز مرشحي هذا الجناح من الحزب في مواجهة مرشحي الحزب المدعومين من «إيباك» رغم ضخ الملايين من الدولارات على حملاتهم الانتخابية، بما يعكس مزاج الناخب الأميركي، وأن ابتعاد الحزب الديموقراطي عن إيباك وعن التطابق مع السياسة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة المتصادمة مع كل دول الشرق الأوسط قد بات مؤكدا.
بالنسبة لترامب أصبح عاجزا تماما عن التصدي لما يلوح في أفق الانتخابات النصفية من نتيجة تبدو أنها في غير صالح حزبه الجمهوري، فخياراته العسكرية باتت شبه معدومة، سواء لجهة أنها ستكرر ما سبق وجربه ولم يحقق النتيجة المرجوة، أو لجهة نضوب المخزون الاستراتيجي من الصواريخ والذخائر، بعد كل تلك التي فقدتها أميركا في حرب الأربعين يوما على ايران، وما تلاها وما سبقها، وحتى حين تواضعت الأهداف الأميركية من حربها على ايران، لهدف فتح مضيق هرمز فقط، حتى يتوقف تأثيره السلبي على انتخابات الكونغرس النصفية، بما يحدثه من تضخم في أسعار السلع داخل أميركا، فإن ترامب وجد نفسه عالقا، غير قادر، لا بالقوة ولا بالحيلة، أي بعد التفاوض، ان يحقق هذا الهدف، الذي كان تحقيقه سيجعله يتجاوز استحقاق انتخابات الكونغرس النصفية، وبعد ذلك لكل حادث حديث.
على الأغلب فإن ترامب لن يفعل شيئا، لأنه حتى لو استسلم تماما لإيران، أي ترك لها هرمز تديره كما تريد، وتحصل عبره الرسوم التي ستنعش اقتصادها وتعوضها الأموال المجمدة، وحتى عائدات تصدير النفط، فإن ايران لن «تتركه في حاله»، بل ستستثني البواخر الأميركية والإسرائيلية، من السماح لها بالمرور، وإذا كان هذا الاحتمال يمكن له ان يقلل من التضخم، فإن رهان ترامب وحزبه الجمهوري، على ما يبدو، على ان الحزب الديموقراطي يختار مرشحين «راديكاليين» قد يكونون اسهل لمرشحي الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية، وأن من سيتصدى لمواجهة مرشحي الحزب الديمقراطي اليساريين، هو اللوبي الصهيوني أي الإيباك، وذلك لأن شعارات مرشحي الحزب الديموقراطي اليساريين تمزج بين التصدي للعدوانية الإسرائيلية، ومواجهة الأثرياء في الداخل، حيث سيجد الحزب الجمهوري من يدافع ويدعم مرشحيه من الأثرياء اليهود والأميركيين الآخرين لهذين السببين.
باختصار يميل ترامب الى ادارة الحالة مع ايران كما هي حاليا، اي لا حرب ولا سلم، لا عمليات عسكرية ولا تفاوض، وهو أعلن بوضوح أنه قد اختار الحصار البحري والبري على ايران، أما نتنياهو، فلا يمكنه أن يقف مكتوف اليدين يراقب أو يتابع استطلاعات الرأي، دون أن يفعل شيئا، وهو بدأ بالسيطرة التامة على الليكود، ليكون أداته الأولى في خروجه الآمن في أسوأ الحالات من المسرح السياسي، بعد أن حجز الموقع الأول، ونحو عشرة مواقع مضمونة، أي نحو ثلث مقاعد الحزب المتوقعة، ثم سيعمل على عدم تشتت اصوات اليمين، سواء بتوحيد الأحزاب اليمينية التي من المتوقع أن تعجز عن تجاوز نسبة الحسم، وكذلك بمتابعة سير الدعاية الانتخابية وعملية الترشح، وهو خبير تماما، في اجراء «الحسبة» التي تمكنه من اصطياد احد عصفوري انتخابات الكنيست السادس والعشرين، واحدهما هو ان يحقق الرقم الذهبي، أي أغلبية 61 دون اللجوء للشراكة مع العرب، تحديدا قائمة منصور عباس، والثاني هو في حال أخفق في الحصول على الأغلبية البسيطة عبر ائتلافه اليميني المتطرف، تكون محاولته منع خصومه من تحقيق تلك الأغلبية، ووضع الكنيست في حالة عجز عن تشكيل حكومة جديدة، وقد حدث هذا من قبل، حين جرت 4 انتخابات كنيست في اقل من عامين، ما بين 2019 - 2021.
لكن نتنياهو لن يكتفي بهذه الترتيبات غير المضمونة، فهو في الوقت الذي سيبقى فيه يمنع التقدم في مسارات لبنان و غزة وسورية السياسية، رغم السعي الأميركي في هذا الاتجاه، وبعد أن أيقن أن ترامب لن يعود لشن الحرب على إيران، ولا بأي صيغة، لا بإنزال بري، في جزر أو مواقع نووية، ولا عمليات قصف، ولا حتى تكرار عمليات الاثني عشر يوما الأخيرة، فإنه قد يغامر بقصف ايران منفردا، مع تردد إسرائيل كثيرا وخلال سنوات طويلة، في الذهاب للحرب مع ايران وحدها.
هكذا تجري رياح سفن ترامب ونتنياهو، وإذا ما خسر اليمين الإسرائيلي في انتخابات الكنيست السادس والعشرين، وترافق ذلك مع فقدان الحزب الجمهوري الأميركي لأغلبيته في مجلسي الكونغرس أو أحدهما، فإن ذلك سيكون دون ريب أو شك بسبب الفشل العسكري الإسرائيلي/الأميركي في حربهما المشتركة على إيران، خاصة في فصلها الأهم وهو حرب الأربعين يوما، التي بدأت في 28 شباط وتوقفت في الثامن من نيسان، وهذا يعني أن ايران قد هزمت كلا من ترامب ونتنياهو، وإن تكن ليس بالضرورة، قد هزمت أميركا وإسرائيل عسكريا، لكنها قد فرضت عليهما الفشل في تحقيق اهداف تلك الحرب، والتي لو كانت قد تحققت كما أراد ترامب ونتنياهو، لما واجها أي مشكلة انتخابية، بل لكانا قد ضمنا فيها الفوز سلفا.
على أي حال، فإنه حتى في حال خسارة نتنياهو واليمين لانتخابات الكنيست القادمة، فإن ذلك لن يغير كثيراً في سياسة إسرائيل الخارجية، ذلك أن الفارق بين الائتلاف اليميني المتطرف الحالي ومعارضيه هو حول شخصية نتنياهو فقط، والذي سيخرج في آخر المطاف، إن لم يكن غدا، فبعد غد، من مسرح السياسة الإسرائيلي، لكن بعد أن شق الطريق واسعا لليمين المتطرف، حامل شعار إسرائيل الكبرى، أما إذا خسر الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي الكونغرس كليهما أو احدهما، فإن ذلك سيكون بداية تحول تاريخي ليس فيما يخص الداخل الأميركي وحسب، بل سيؤثر ذلك على النظام العالمي، الذي، سيتغير بالضرورة، ولكن ليس بالتصادم مع أميركا هذه المرة، بل بالتوافق معها.
والتغير في جوهر وطبيعة النظام الأميركي الحاكم، سيؤثر فورا على إسرائيل، لأن الحزب الجمهوري في حال خسر الانتخابات النصفية، سيخسر لصالح يسار الحزب الديموقراطي، وليس لصالح الحزب الديموقراطي التقليدي الذي لا يختلف عنه كثيرا، خاصة في السياسة الخارجية، وعلى نحو أخص فيما يتعلق بالعلاقة الأميركية - الإسرائيلية.
لذا أيا تكن نتيجة انتخابات الكنيست، فإن انتخابات الكونغرس النصفية هي أكثر أهمية منها، حتى فيما يتعلق بمستقل إسرائيل.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


