شبكة قدس الإخبارية - 8/21/2026 11:11:20 AM - GMT (+2 )
القدس المحتلة - قدس الإخبارية: في 21 أغسطس/آب 1969، استيقظت مدينة القدس على حريق اندلع داخل المسجد الأقصى، أحد أبرز المقدسات الإسلامية، وألحق أضرارا واسعة بأجزاء من المسجد، بينها المنبر التاريخي المعروف بمنبر صلاح الدين، وأثار موجة غضب واحتجاجات واسعة في العالمين العربي والإسلامي.
وبعد 57 عاما على الحريق، لا تزال ذكراه حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي، باعتباره واحدا من أبرز الأحداث التي شهدها المسجد الأقصى في العقود التي أعقبت احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس عام 1967.
حريق في وضح النهار
اندلع الحريق صباح الخميس 21 أغسطس/آب 1969، واستمر أكثر من ثلاث ساعات، بحسب وثائق الأمم المتحدة. وأفادت برقية أردنية رفعت إلى مجلس الأمن في اليوم نفسه بأن النيران اندلعت عند الساعة 7:20 صباحا، وأدت إلى تدمير الجزء الجنوبي من سقف المسجد وإحراق المنبر التاريخي، فضلا عن إلحاق أضرار جسيمة بالجدران.
وأدى الحريق إلى أضرار واسعة في القسم الجنوبي من المسجد، بينما بقي الهيكل الرئيسي والقبة قائمين بعدما تمكنت فرق الإطفاء من السيطرة على النيران. وذكرت وثائق الأمم المتحدة أن جهود إخماد الحريق شارك فيها رجال إطفاء عرب ويهود، وأن النيران أُخمدت قبل أن تؤدي إلى تدمير الهيكل الرئيسي للمسجد والقبة.
وكان من أبرز ما دمرته النيران منبر صلاح الدين، وهو منبر تاريخي يعود إلى القرن الثاني عشر، وكان يعد من أبرز التحف الإسلامية في المسجد الأقصى. وأصبح تدميره أحد أكثر مشاهد الحريق رسوخا في الذاكرة الإسلامية والفلسطينية.
من أشعل النار؟
بعد الحريق، اعتقلت الشرطة شخصا أستراليا يدعى دينس مايكل روهان، كان موجودا في القدس بتأشيرة زيارة. وأفادت وثائق الأمم المتحدة بأن اعتقاله جاء في 22 أغسطس، أي بعد يوم واحد من الحريق، بناء على أدلة قدمها حراس المسجد.
وخلال المحاكمة، أقر روهان بإشعال النار في المسجد، فيما دفع محاميه بأنه كان يعاني مرضا عقليا وقت ارتكاب الجريمة. وفي ديسمبر/كانون الأول 1969، قضت محكمة في القدس بأنه غير مسؤول جنائيا عن فعلته بسبب مرض عقلي، وأمرت بإيداعه مؤسسة للأمراض النفسية.
وأظهرت وقائع المحاكمة أن روهان تبنى أفكارا دينية متطرفة، وقال أمام المحكمة إنه أشعل النار معتقدا أن ذلك يحقق مهمة دينية مرتبطة بإعادة بناء الهيكل في القدس. وتعرضت هذه الرواية خلال السنوات اللاحقة لقراءات وتفسيرات سياسية ودينية متباينة.
وفي المقابل، أثار الحكم القائم على المرض العقلي تساؤلات وانتقادات واسعة في العالم العربي والإسلامي، خصوصا أن الحريق وقع في القدس بعد عامين فقط من احتلال الجزء الشرقي من المدينة والمسجد الأقصى.
ماذا احترق في الأقصى؟
لم يكن المنبر التاريخي وحده ضحية للحريق؛ فقد ألحقت النيران أضرارا واسعة بالجزء الجنوبي من المسجد، ودمرت أجزاء من السقف وألحقت أضرارا بالجدران.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الحريق تسبب في تدمير كامل للمنبر الذي يعود إلى القرن الثاني عشر، إضافة إلى أضرار كبيرة في أجزاء من المسجد. كما تحدثت وثائق أخرى عن أضرار لحقت بأجزاء من السقف والأعمدة والعناصر المعمارية للمبنى.
وكان من الممكن أن تكون الخسائر أكبر لولا السيطرة على الحريق قبل امتداده إلى كامل المسجد، إذ بقيت القبة والهيكل الرئيسي قائمين بعد إخماد النيران.
غضب فلسطيني وعربي وإسلامي
سرعان ما تجاوزت تداعيات الحريق حدود القدس، وتحول إلى قضية دولية. فقد توالت ردود الفعل العربية والإسلامية، ورفعت دول عدة القضية إلى الأمم المتحدة، مطالبة بالتحقيق في ملابسات الحريق واتخاذ إجراءات لحماية الأماكن المقدسة في القدس.
وفي 22 أغسطس/آب 1969، وجهت مجموعة من الدول الإسلامية والعربية رسالة إلى الأمم المتحدة لفتت فيها إلى حجم الأضرار التي لحقت بالمسجد الأقصى، وطالبت بإجراء تحقيق في ظروف الحريق ومنع تكرار الاعتداءات على الأماكن المقدسة في القدس.
كما قدمت دول عديدة بيانات ومراسلات إلى مجلس الأمن، عبرت فيها عن صدمتها وغضبها من إحراق المسجد، وطالبت بإجراءات دولية لحماية المقدسات في المدينة. وتظهر وثائق الأمم المتحدة حجم التفاعل الدولي مع الحادث في الأيام والأسابيع التي تلت الحريق.
مجلس الأمن يتحرك
وصلت القضية إلى مجلس الأمن، الذي ناقش الحريق في سبتمبر/أيلول 1969، وانتهى إلى إصدار القرار 271 في 15 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
وأعرب القرار عن الأسف الشديد للأضرار الواسعة التي لحقت بالمسجد الأقصى نتيجة الحريق، وأشار إلى ما وصفه بالخسارة التي لحقت بالتراث الإنساني، مؤكدا أن أي عمل يستهدف الأماكن المقدسة أو المباني والمواقع الدينية في القدس يمكن أن يهدد السلام والأمن الدوليين.
كما أعاد القرار التأكيد على قرارات سابقة لمجلس الأمن بشأن القدس، ودعا إلى احترام وضع المدينة والامتناع عن الإجراءات التي من شأنها تغيير وضعها.
وكان القرار لافتا أيضا لأنه ربط حماية الأماكن المقدسة بالسياق السياسي والقانوني لوضع القدس، في وقت كانت فيه المدينة خاضعة للاحتلال العسكري منذ عام 1967.
الحريق في الذاكرة الفلسطينية
لم يتوقف حضور حادثة الحريق عند حدود الحدث نفسه، بل أصبحت جزءا من الذاكرة السياسية والدينية المتعلقة بالمسجد الأقصى والقدس.
ففي السنوات التي تلت الحريق، استمر المسجد في مواجهة تطورات وإجراءات وأحداث مختلفة، بينما ظل حريق عام 1969 أحد أبرز الأحداث التي يستعاد ذكرها عند الحديث عن المخاطر التي تعرض لها الأقصى.
وتشير مصادر تاريخية فلسطينية إلى أن شخصيات مقدسية شاركت في جهود إعادة إعمار المسجد وترميم الأجزاء المتضررة من الحريق. ومن بين هذه الشخصيات إبراهيم الدقاق، الذي تذكر الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية أنه أدى دورا بارزا في عملية إعادة إعمار المسجد الأقصى بعد حريق 1969.
منبر صلاح الدين.. أثر الحريق الذي بقي حاضرا
كان تدمير منبر صلاح الدين من أكثر نتائج الحريق رمزية. فالمنبر لم يكن مجرد قطعة أثاث داخل المسجد، وإنما أثر تاريخي ارتبط بتاريخ المسجد الأقصى ومرحلة استعادة القدس في عهد صلاح الدين الأيوبي.
وقد أدى تدمير المنبر إلى تحوله إلى رمز للحريق نفسه، وبقي استحضاره حاضرا في الرواية التاريخية عن الحادثة، إلى جانب صور الدخان والنيران التي تصاعدت من المسجد في ذلك الصباح.
وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن المنبر، الذي يعود إلى القرن الثاني عشر، دمر في الحريق، وهو ما شكل خسارة ثقافية وتاريخية إلى جانب الأضرار التي أصابت مبنى المسجد.
57 عاما.. لماذا لا تزال الذكرى حاضرة؟
تكمن أهمية الذكرى اليوم في أنها لا تتعلق بحريق وقع قبل أكثر من نصف قرن فحسب، وإنما بحدث ارتبط منذ اللحظة الأولى بمكانة المسجد الأقصى وبالصراع على القدس.
فالحريق وقع بعد عامين من احتلال القدس الشرقية عام 1967، وفي ظل نقاش دولي متصاعد حول وضع المدينة وإجراءات تغيير واقعها. ولذلك اكتسب الحدث أبعادا تجاوزت الخسائر المادية، وتحول إلى قضية سياسية ودينية وإنسانية أثارت اهتمام مجلس الأمن والمجتمع الدولي.
ومنذ ذلك الحين، بقي 21 أغسطس/آب تاريخا يستعاد في الخطاب الفلسطيني والعربي والإسلامي للتذكير بما تعرض له المسجد الأقصى، وبضرورة الحفاظ على الأماكن المقدسة في القدس.
وبعد 57 عاما، لا تزال صور الحريق حاضرة في الذاكرة، فيما يمثل الأقصى بالنسبة للفلسطينيين رمزا مركزيا للقدس، ومعلما دينيا وتاريخيا وثقافيا يتجاوز حدود المكان.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


