شبكة راية الإعلامية - 8/21/2026 8:35:21 PM - GMT (+2 )
أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، أن غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ومسؤولية الحكومة تجاه أهلنا في القطاع قائمة اليوم، وليست مسؤولية مؤجلة إلى ما بعد الحرب، مشيراً إلى أن حكومة فلسطين عملت بالشراكة مع مصر على حشد المجتمع الدولي وقامت بالتعاون مع الشركاء الدوليين بتقييم الأضرار والاحتياجات، وأعدت الخطة الفلسطينية للتعافي وإعادة الإعمار، وعملت على تحويلها إلى برامج قطاعية ومشاريع وأولويات قابلة للتنفيذ، بالتوازي مع تطوير آليات التمويل اللازمة.
وأعرب رئيس وزراء فلسطين في حوار لصحيفة "اليوم السابع"، عن تقديره عالياً للدور الذي تقوم به جمهورية مصر العربية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكداً أن مصر بالنسبة إلى فلسطين ليست مجرد وسيط في جهود أزمة راهنة، إنما شريك تاريخي واستراتيجي للشعب الفلسطيني وقضيته ولها دور محوري بحكم مكانتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وأوضح أن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن فصله عما يجري في قطاع غزة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة، وما نشهده اليوم هو محاولة إسرائيلية لإشعال الضفة الغربية لنقل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة إلى الضفة الغربية، مشيراً إلى تواصل التغول الإسرائيلي على حقوق الشعب الفلسطيني، والتوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وإرهاب المستوطنين.
ولفت إلى أن مسألة أموال المقاصة ليست مساعدات تقدمها إسرائيل للفلسطينيين، إنها إيرادات فلسطينية من الضرائب والجمارك تقوم إسرائيل بتحصيلها بموجب الترتيبات القائمة، ومن ثم يفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية، مؤكداً أن احتجاز هذه الإيرادات التي تجاوزت حالياً 6 مليارات دولار أو اقتطاع أجزاء منها بصورة متكررة يضع ضغوطاً استثنائية على المالية العامة، ويؤثر في قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا تجاه الموظفين ومقدمي الخدمات والقطاع الخاص، وينعكس بالتالي على الاقتصاد الفلسطيني ككل.
وفيما يلي نص الحوار:
في ظل استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في قطاع غزة، ما أبرز التحركات التي تقوم بها الحكومة الفلسطينية لمعالجة الأوضاع، وما الذي تستطيع الحكومة فعلياً القيام به على الأرض في ظل الظروف الراهنة؟
غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ومسؤولية الحكومة تجاه أهلنا في القطاع قائمة اليوم، وليست مسؤولية مؤجلة إلى ما بعد الحرب.
ورغم الحرب والدمار والقيود الشديدة المفروضة على عمل مؤسساتنا، تواصل الحكومة تحمُّل مسؤولياتها المالية والإدارية والخدماتية لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، والمياه، والخدمات البلدية، والخدمات المدنية، إلى جانب جهود الإغاثة والتنسيق مع المؤسسات الوطنية والدولية.
وفي الوقت نفسه، لم ننتظر انتهاء الحرب حتى نبدأ الاستعداد لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار. فقد عملت الحكومة وبالشراكة مع مصر على حشد المجتمع الدولي وقامت بالتعاون مع الشركاء الدوليين بتقييم الأضرار والاحتياجات، وأعدت الخطة الفلسطينية للتعافي وإعادة الإعمار، وعملت على تحويلها إلى برامج قطاعية ومشاريع وأولويات قابلة للتنفيذ، بالتوازي مع تطوير آليات التمويل اللازمة.
ويترافق ذلك مع تحرك سياسي ودبلوماسي تقوده القيادة الفلسطينية من أجل تعزيز الصمود على الأرض، ولحشد الجهود من أجل إنهاء الحرب، وحماية شعبنا من التهجير، وضمان وحدة قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس ، ومواجهة أي ترتيبات من شأنها تكريس الفصل بين أجزاء الأرض الفلسطينية أو الانتقاص من الولاية الفلسطينية، بالإضافة إلى العمل على المسار السياسي الذي يحقق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وتجسيد استقلال دولة فلسطين.
ونعمل في هذا الإطار بتنسيق وثيق مع جمهورية مصر العربية والأشقاء العرب وشركائنا الدوليين، سواء في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وضمان وصول المساعدات، أو في التحضير للتعافي وإعادة الإعمار.
بالتأكيد، فإن قدرتنا على العمل داخل قطاع غزة ما زالت مقيدة بالواقع الميداني والقيود على الحركة والوصول، لكن موقفنا واضح: غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، وحدة سياسية وجغرافية ومؤسسية واحدة، والحكومة الفلسطينية تتحمل مسؤوليتها تجاه شعبنا في كل أنحاء دولة فلسطين.
كيف تقرأ الحكومة التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، بما في ذلك الاقتحامات والعمليات العسكرية والاستيطان؟ وهل تخشون من اتساع نطاق المواجهة وتحول الضفة إلى جبهة جديدة؟
ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن فصله عما يجري في قطاع غزة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة. وما نشهده اليوم هو محاولة إسرائيلية لإشعال الضفة الغربية لنقل حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة إلى الضفة الغربية، نحن أمام تصعيد، وتغول متواصل على حقوق الشعب الفلسطيني، والتوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وإرهاب المستوطنين، ونحن نعمل من أجل وقف وردع التصعيد الإسرائيلي، وتوفير الحماية لشعبنا وأرضنا ومؤسساتنا، وللحيلولة دون فرض وقائع يصعب عكسها مستقبلاً.
وجميع هذه السياسات والإجراءات الإسرائيلية تهدف إلى تقويض التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية وتقليص الديمغرافيا وتهدد إمكانية تجسيد دولة فلسطين المستقلة والقابلة للحياة.
مسؤوليتنا كحكومة هي حماية المواطنين، وتعزيز صمود المجتمعات الأكثر استهدافاً والحفاظ على عمل المؤسسات واستمرار الخدمات، بالتوازي مع التحرك السياسي والدبلوماسي مع مصر والأشقاء العرب والمجتمع الدولي.
المطلوب دولياً لم يعد مجرد التعبير عن القلق، إنما اتخاذ خطوات عملية رادعة تحول دون الضم والتوسع الاستيطاني وفرض وقائع تقوض إمكانية تطبيق حل الدولتين على الأرض.
إلى أي مدى أصبحت أزمة أموال المقاصة المحتجزة من جانب إسرائيل تهدد قدرة الحكومة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية؟ وما الخيارات المتاحة أمام السلطة للضغط من أجل الإفراج عن هذه الأموال؟
أولاً، يجب توضيح مسألة أساسية: أموال المقاصة ليست مساعدات تقدمها إسرائيل للفلسطينيين، إنها إيرادات فلسطينية من الضرائب والجمارك تقوم إسرائيل بتحصيلها بموجب الترتيبات القائمة، ومن ثم يفترض تحويلها إلى الخزينة الفلسطينية.
إن حجز هذه الإيرادات التي تجاوزت حالياً 6 مليارات دولار أو اقتطاع أجزاء منها بصورة متكررة يضع ضغوطاً استثنائية على المالية العامة، ويؤثر في قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا تجاه الموظفين ومقدمي الخدمات والقطاع الخاص، وينعكس بالتالي على الاقتصاد الفلسطيني ككل.
ورغم هذه الظروف والتهديد الوجودي، حافظت الحكومة على عمل المؤسسات واستمرار الخدمات الأساسية من خلال إدارة الموارد المتاحة، وضبط الإنفاق، وتحسين الإيرادات المحلية، وتنفيذ إصلاحات مالية ومؤسسية، إلى جانب حشد الدعم الدولي.
لا يمكن مطالبة أي حكومة بالعمل بصورة طبيعية ومستدامة في الوقت الذي تحرم فيه من جزء أساسي من إيراداتها ولمدة طويلة جداً.
ونحن نتحرك مع الأشقاء العرب والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية وغيرها لاستعادة هذه الحقوق. لكن التجربة أثبتت أن معالجة الأزمة بصورة مؤقتة في كل مرة لم تعد كافية.
نحن بحاجة إلى آلية مستدامة تضمن انتظام تحويل الإيرادات الفلسطينية، وتحول دون استخدامها أداة للضغط السياسي.
وسنواصل بالتوازي تنفيذ الإصلاح المالي والمؤسسي، وحماية المال العام، وتوسيع القاعدة الاقتصادية والإيرادات المحلية. لكن الإصلاح الداخلي، مهما كان ضرورياً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن استعادة حقوقنا المالية.
كيف تقيّم الدور المصري في الوساطة بشأن الحرب في غزة؟ وما الذي تتوقعه الحكومة الفلسطينية من القاهرة خلال المرحلة المقبلة لدعم وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب؟
نقدر عالياً الدور الذي تقوم به مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، فمصر بالنسبة إلى فلسطين ليست مجرد وسيط في جهود أزمة راهنة، إنما شريك تاريخي واستراتيجي للشعب الفلسطيني وقضيته ولها دور محوري بحكم مكانتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
نثمن بصورة خاصة الموقف المصري الثابت في رفض التهجير لأبناء شعبنا من قطاع غزة، والتمسك بوحدة الأرض الفلسطينية، والعمل من أجل إنهاء الحرب على غزة وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
كما أن التنسيق الفلسطيني - المصري لا يقتصر على التعامل مع الوضع الإنساني الراهن. نحن على تواصل وتشاور مستمرين حول مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، واستعادة الخدمات، والقضايا المؤسسية والأمنية المرتبطة بالمرحلة المقبلة.
وهناك مصلحة فلسطينية ومصرية وعربية مشتركة في ضمان ألا تتحول أي ترتيبات انتقالية تفرضها ظروف المرحلة إلى واقع دائم يفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية أو ينتقص من وحدة الأرض والولاية الفلسطينية.
ولذا نعول على استمرار الدور المصري، إلى جانب الأشقاء العرب، ليس فقط لإنهاء الحرب ومعاناة شعبنا، وإنما أيضاً لحماية الأفق السياسي وربط مرحلة ما بعد الحرب بمسار جاد يقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
هل ترون أن التحرك العربي والدولي الحالي قادر على إعادة القضية الفلسطينية إلى مسار سياسي جاد؟ أم أن الحرب في غزة لا تزال تطغى على أي تحرك نحو الحل السياسي؟
لا أعتقد أن علينا الاختيار بين إنهاء الحرب وإعادة القضية الفلسطينية إلى مسار سياسي جاد، إنهاء الحرب ومعاناة أهلنا في غزة أولوية عاجلة، لكن ذلك وحده لن يكون كافياً إذا عدنا بعده إلى إدارة الصراع بدلاً من معالجة جذوره، هناك اليوم إدراك دولي أوسع بأن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في أزمة إنسانية في غزة، أو في ترتيبات أمنية وإدارية لليوم التالي، جوهر القضية هو حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والحرية والاستقلال وتجسيد دولته، وأن الأمن والسلام والاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يصبح حقيقة دون إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه.
ونحن نقدر الدور الذي تقوم به مصر والأشقاء العرب في رفض التهجير والضم، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية، والحفاظ على حل الدولتين، ودفع المجتمع الدولي نحو موقف أكثر جدية.
كما أن إعلان نيويورك والجهود العربية والدولية المرتبطة بتنفيذ حل الدولتين وفرت أساساً مهماً للانتقال من مجرد التأكيد السياسي على هذا الحل إلى تحديد خطوات عملية لتنفيذه.
لكن المعيار الحقيقي هو التنفيذ، لا نريد العودة إلى عملية سياسية مفتوحة بلا سقف زمني ودون تطبيق القانون الدولي أو تجاهل المرجعية الواضحة، فيما يستمر الاستيطان وتتغير الوقائع على الأرض وتحاصر الديمغرافيا.
المطلوب مسار سياسي محدد الهدف والمرجعية، يقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد دولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً للشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
بعد سنوات من الجمود السياسي، ما تصور الحكومة الفلسطينية لإعادة إطلاق عملية السلام؟ وهل ما زالت السلطة ترى إمكانية الوصول إلى حل الدولتين في ظل التوسع الاستيطاني والسياسات الإسرائيلية الحالية؟
بعد كل هذه السنوات لا نعتقد أن المطلوب هو العودة ببساطة إلى الصيغة القديمة لعملية سلام بجدول زمني مفتوح، إذ لم يعد المطلوب التفاوض مجدداً على مبدأ حل الدولتين، إنما اتخاذ خطوات عملية لتنفيذه.
وهناك اليوم أساس يمكن البناء عليه، بما في ذلك إعلان نيويورك، والجهود العربية والدولية الرامية إلى تحويل حل الدولتين من توافق سياسي دولي إلى مسار للتنفيذ.
المطلوب هو ربط المسارات التي يجري التعامل معها أحياناً بصورة منفصلة: إنهاء الحرب في غزة، ومنع الضم والاستيطان في الضفة الغربية، وتوحيد غزة والضفة ضمن دولة فلسطينية واحدة، ودعم المؤسسات الفلسطينية، ووضع مسار سياسي واضح ومحدد زمنياً يقود إلى إنهاء الاحتلال. حل الدولتين لا يزال يستند إلى الشرعية الدولية ويحظى بأوسع توافق دولي لكن علينا أن نكون واضحين أيضاً بأن إمكانية تطبيقه على الأرض تتعرض اليوم لخطر حقيقي نتيجة الاستيطان ومصادرة الأراضي ومحاولات الضم وتغيير الواقع الجغرافي.
ولهذا فإن الحفاظ على حل الدولتين لا يتحقق بتكرار الالتزام به في البيانات، إنما بحماية إمكانية تنفيذه على الأرض، ومعالجة السبب والجذر الرئيسي لعدم تطبيقه والمتمثل في ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد ووقف ممارساته وجرائمه على الأرض.
نحن لا نحتاج إلى عملية سلام جديدة بالاسم، نحتاج إلى عملية لتنفيذ السلام وبمرجعياتها الواضحة القائمة على القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة وبجدول زمني محدد وضمانات دولية.
ما تصور الحكومة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة بعد الحرب؟ وهل هناك اتصالات فعلية مع الأطراف الإقليمية والدولية بشأن عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع؟
دعني أولاً أصحح مفهوم «عودة» السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وكأن غزة تقع خارج مسؤوليتنا الوطنية، غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، والحكومة لم تتوقف يوماً عن تحمل مسؤولياتها تجاه أهلنا من خلال الموظفين والخدمات العامة والخدمات المدنية والإغاثة والتخطيط للتعافي وإعادة الإعمار.
تصورنا للمرحلة المقبلة يقوم على مبدأ واضح: دولة واحدة، وحكومة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات وطنية موحدة. غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس، تشكل وحدة سياسية وجغرافية وقانونية واحدة.
ندرك أن ظروف الحرب تستدعي ترتيبات انتقالية مؤقتة، ونتعامل مع ذلك بمسؤولية وواقعية، لكن أي مرحلة انتقالية يجب أن تكون محددة الهدف والمدة، وأن تقود بصورة تدريجية ومنظمة إلى تولي الحكومة الفلسطينية كامل مسؤولياتها وولايتها في قطاع غزة.
ولا ينبغي أن تنشأ في غزة أنظمة إدارية أو مالية أو قانونية موازية، أو أن تتحول الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم يكرس الانقسام.
هناك اتصالات وتنسيق مستمر مع مصر والأشقاء العرب، ومع شركائنا الدوليين والمؤسسات المعنية، ونحن مستعدون للعمل مع كل إطار يخدم شعبنا ويسرع الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، على أن تبقى الوجهة النهائية واضحة: استعادة وحدة المؤسسات والولاية الفلسطينية على كامل الأرض الفلسطينية.
إلى أي مدى توجد رؤية فلسطينية موحدة بين الحكومة والرئاسة ومختلف المؤسسات والفصائل بشأن مستقبل غزة؟ وهل تعملون على صياغة موقف فلسطيني موحد تجاه مرحلة ما بعد الحرب؟
توحيد الموقف الفلسطيني في هذه المرحلة مسألة بالغة الأهمية، وهناك جهود وحوارات مستمرة ضمن الأطر الوطنية والسياسية المختصة.
أما من موقع الحكومة، فنحن ننطلق من ثوابت واضحة: غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ولا دولة في غزة ولا دولة من دون غزة، ووحدة الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة هي أساس أي ترتيب مستقبلي.
وتتركز مسؤولية الحكومة على ترجمة هذه المبادئ إلى عمل مؤسسي: استمرار الخدمات لأهلنا في غزة، والتخطيط للتعافي وإعادة إعمار قطاع غزة، وتوحيد الأنظمة والسجلات والمؤسسات، وتجهيز المؤسسات والكوادر، والعمل مع مصر والأشقاء العرب والشركاء الدوليين لضمان أن تقود أي ترتيبات انتقالية إلى وحدة المؤسسات والولاية الفلسطينية، لا إلى تكريس الانقسام.
التعددية السياسية أمر طبيعي، لكن ما يجب أن يجمع الجميع هو وحدة الأرض والشعب والمؤسسات، والاحتكام إلى الشرعية والمؤسسات الوطنية وإرادة الشعب الفلسطيني.
ما خطة الحكومة الفلسطينية لإعادة إعمار قطاع غزة؟ وهل توجد تقديرات أولية لحجم الأضرار والتكلفة؟ ومن الأطراف التي تتوقعون أن تشارك في عملية التمويل والإعمار؟
نحن تجاوزنا بالفعل مرحلة التقديرات الأولية، فقد عملت الحكومة الفلسطينية، بالتعاون مع البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، على تقييم شامل للأضرار والخسائر والاحتياجات والتقرير الآن متاح للجميع.
ووفق التقييم النهائي، تُقدَّر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في قطاع غزة بنحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، منها حوالي 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى لاستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم التعافي الاقتصادي.
لكن الأهم بالنسبة لنا ليس فقط تحديد حجم الدمار، إنما تحويل هذه التقديرات إلى خطة قابلة للتنفيذ، ولذلك عملنا على ترجمة الخطة الفلسطينية للتعافي وإعادة الإعمار إلى برامج قطاعية وأولويات ومشاريع في مجالات المياه والصرف الصحي، والصحة والتعليم والطاقة والإسكان وإزالة الركام والزراعة والاقتصاد والخدمات الأساسية.
كما نعمل مع شركائنا على بناء آليات التمويل اللازمة، وحشد الموارد من الدول العربية والشركاء الدوليين والمؤسسات المالية الدولية والقطاع الخاص.
وبالنسبة لنا، إعادة إعمار غزة ليست مجرد إعادة بناء المباني والبنية التحتية، إنها إعادة بناء حياة الناس، واستعادة الخدمات، والاقتصاد، والمؤسسات، وخلق فرص العمل، وتمكين أهلنا من البقاء على أرضهم وإعادة بناء مستقبلهم عليها.
ما الذي تتوقعونه من اجتماع بروكسل؟ وما أبرز الملفات التي تطرحها الحكومة الفلسطينية أمام الدول والجهات المانحة؟ وهل تأملون في الحصول على تعهدات مالية جديدة لدعم الموازنة وإعادة الإعمار؟
كان اجتماع مجموعة المانحين لفلسطين في بروكسل مهماً لأنه ساعدنا على الانتقال من مناقشة الاحتياجات والخطط إلى حشد الموارد والبدء بتمويل برامج فعلية.
ومن أبرز نتائجه إطلاق الاتحاد الأوروبي، وبالعمل المشترك معنا، مبادرة Gaza Team كخطوة أولى للانتقال من الإغاثة إلى التعافي المبكر، بمساهمات والتزامات أولية بلغت نحو 883.6 مليون يورو.
الأولوية الآن هي تحويل هذه الالتزامات بسرعة إلى برامج ومشاريع يستفيد منها المواطن الفلسطيني، لا سيما إزالة الأنقاض والمأوى والخدمات البلدية والحماية الاجتماعية في الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي وإعادة تنشيط الاقتصاد والإنتاج.
لكن اجتماع بروكسل لم يكن متعلقاً بغزة فقط. فقد ناقشنا أيضاً الأزمة المالية الخطيرة التي تواجهها الحكومة نتيجة احتجاز أموال المقاصة، والحاجة إلى حماية قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار في تقديم الخدمات، إلى جانب برنامج الإصلاح والتطوير المؤسسي الذي تنفذه الحكومة.
ونحن ننظر إلى ما تحقق باعتباره خطوة مهمة، لكن المعيار هو التنفيذ: سرعة تحويل الالتزامات إلى موارد ومشاريع فعلية، واستمرار الدعم المستدام للمؤسسات الفلسطينية باعتبارها الأساس لأي تعافٍ ودولة فلسطينية قابلة للحياة.
هل ما زالت الحكومة ترى أن الظروف السياسية والأمنية تسمح بإجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر المقبل؟ وما مدى جاهزية المؤسسات الفلسطينية لتنظيمها؟
إجراء الانتخابات وتجديد الحياة الديمقراطية أولوية وطنية، وهناك التزام واضح بالعمل على توفير الظروف اللازمة لإجراء انتخابات عامة وفق الأطر الدستورية والقانونية الفلسطينية.
أما تحديد موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية والدعوة إليها، فله أطره وصلاحياته الدستورية والقانونية. ومسؤوليتنا كحكومة هي أن نقوم بما يقع ضمن اختصاصنا لتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، وضمان جاهزية مؤسسات الدولة عندما تتم الدعوة إليها.
وقد أثبتت تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة قدرة المؤسسات الفلسطينية، وفي مقدمتها لجنة الانتخابات المركزية، على إدارة عملية انتخابية مهنية وشفافة، وشملت العملية الانتخابية أيضاً مدينة دير البلح في قطاع غزة رغم الظروف الاستثنائية.
أما الانتخابات العامة، فالهدف هو أن تكون انتخابات وطنية شاملة، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
بالتأكيد هناك تحديات كبيرة مرتبطة بالحرب وآثارها في غزة، والاحتلال والقيود الإسرائيلية، وضرورة ضمان مشاركة أهلنا في القدس، لكن هذه التحديات يجب أن تدفعنا إلى مزيد من العمل من أجل تهيئة الظروف اللازمة، لا إلى التخلي عن مبدأ الانتخابات.
في حال إجراء الانتخابات في موعدها، كيف يمكن ضمان مشاركة سكان غزة في عملية التصويت، خصوصاً في ظل الظروف الأمنية والإنسانية الحالية؟ وهل توجد ترتيبات أو اتصالات بهذا الشأن؟
أي انتخابات وطنية ذات مصداقية يجب أن تكون انتخابات وطنية شاملة وحرة ونزيهة، وأن يشارك فيها أبناء شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
وهذه ليست مسألة إجرائية فحسب، إنها مسألة تتعلق بوحدة الوطن ووحدة النظام السياسي الفلسطيني، فالانتخابات يجب أن تساعد على تجاوز الانقسام وتعزيز وحدة المؤسسات والشرعية الوطنية، لا أن تعكس التجزئة التي فرضها الاحتلال والحرب ولهذا فإن مشاركة أهلنا في غزة، وكذلك ضمان حق أهلنا في القدس الشرقية في الانتخاب والترشح، أمران أساسيان.
والحكومة ستواصل العمل مع لجنة الانتخابات المركزية والمؤسسات الوطنية ذات العلاقة، ومع الأطراف الإقليمية والدولية، للمساعدة في تهيئة الظروف التي تسمح بإجراء انتخابات وطنية شاملة عندما تتم الدعوة إليها.
هل يمكن إجراء انتخابات فلسطينية شاملة في ظل استمرار الانقسام؟ وهل ترون أن الانتخابات يمكن أن تكون مدخلاً لإنهاء الانقسام، أم أن تحقيق المصالحة يجب أن يسبقها؟
الوحدة الوطنية الفلسطينية اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. ما مر به شعبنا، وخاصة في قطاع غزة، يجعلنا أمام مسؤولية أكبر تتمثل في حماية وحدة الأرض والنظام السياسي والمؤسسات الفلسطينية.
ونقدر في هذا السياق الدور التاريخي والمستمر الذي تقوم به مصر في دعم الوحدة الوطنية الفلسطينية وتقريب المواقف بين مختلف الأطراف.
ومن موقع الحكومة، مسؤوليتنا هي العمل على توحيد المؤسسات والقوانين والأنظمة والخدمات، ومنع نشوء ترتيبات منفصلة أو مؤسسات موازية في قطاع غزة تكرس واقعاً جديداً من الانقسام.
والمصالحة والانتخابات لا ينبغي النظر إليهما كمسارين متعارضين. فالحوار الوطني ضروري، والانتخابات أيضاً وسيلة أساسية لتعزيز الشرعية القائمة على الاحتكام إلى إرادة الشعب.
الوحدة الوطنية الحقيقية تحتاج إلى مؤسسات موحدة، وقانون واحد، وحكومة واحدة تتحمل مسؤولياتها تجاه جميع أبناء شعبنا، وفي نهاية المطاف الاحتكام إلى الشعب من خلال انتخابات وطنية شاملة.
ما الذي تحقق حتى الآن في ملف إصلاح مؤسسات السلطة والحكومة؟ وهل تواجهون ضغوطاً دولية لتنفيذ إصلاحات محددة، وما أبرز العقبات أمام تنفيذها؟
منذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة، وضعنا الإصلاح والتطوير المؤسسي في صلب برنامج عملنا لأننا نؤمن بأن بناء مؤسسات قوية وشفافة وقادرة على خدمة المواطن هو جزء أساسي من مشروعنا الوطني واستعدادنا للدولة.
وانتقلنا في عدد كبير من الملفات من الحديث عن الإصلاح إلى التنفيذ. عملنا على إصلاح المالية العامة وإدارة الإيرادات والنفقات، وحماية المال العام، وتطوير العلاقة المالية مع الهيئات المحلية ومرافق الخدمات، ومكافحة التهريب والتعديات على الموارد والأراضي العامة.
كما نمضي في إعادة هيكلة عدد من المؤسسات وتطوير الخدمة العامة وتسريع التحول الرقمي، وتحسين بيئة الأعمال والخدمات المقدمة للمواطن، وتعزيز الحوكمة والشفافية والمساءلة.
ولا ندعي أن كل شيء قد أُنجز، الإصلاح عملية مستمرة وبعض الملفات تحتاج إلى وقت، ونعمل بشفافية مع شركائنا الدوليين من أجل خلق البيئة الداعمة للإصلاح.
لكن من المهم التأكيد على أننا نقوم بالإصلاح لأنه واجب تجاه شعبنا، وليس ثمناً للحصول على حقوقنا. فلا يجوز ربط الإفراج عن الإيرادات الفلسطينية أو الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني بشروط إصلاحية.
المعيار الحقيقي بالنسبة إلينا ليس الحصول على شهادة من الخارج، وإنما أن يلمس المواطن الفرق: مؤسسة أكثر كفاءة، وخدمة أفضل، ومال عام مصان، واقتصاد أكثر قدرة على العمل، ومؤسسات دولة أكثر جاهزية لتحمل مسؤولياتها.
برأيكم، ما الشكل الأكثر واقعية لليوم التالي للحرب في غزة؟ ومن يجب أن يتحمل مسؤولية الأمن والإدارة وإعادة الإعمار؟
موقفنا واضح: غزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأي ترتيبات للمرحلة المقبلة يجب أن تحافظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن حكومة دولة فلسطين هي التي يجب أن تكون صاحبة المسؤولية باعتبارها صاحبة الولاية الدائمة على الأرض الفلسطينية المحتلة، ضمن نظام سياسي وقانوني ومؤسسي واحد.
ندرك أن ظروف الحرب قد تفرض مرحلة انتقالية وترتيبات مؤقتة، ونحن نتعامل معها بواقعية ومسؤولية، ونتعاون مع مصر والأشقاء العرب والمجتمع الدولي وكل الأطراف المعنية، بما يخدم شعبنا ويسرع الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار.
لكن يجب أن تكون وجهة هذه المرحلة واضحة منذ البداية. الترتيبات الانتقالية يجب أن تبقى انتقالية ومحددة زمنياً وألا تتحول إلى مؤسسات أو أنظمة موازية تفصل غزة عن الضفة الغربية أو تنتقص من الولاية الفلسطينية.
وفي ما يتعلق بالأمن والإدارة، فإن المبدأ الذي ننطلق منه هو وحدة النظام الفلسطيني ووحدة المؤسسات والمرجعية القانونية، ويمكن للدعم العربي والدولي أن يؤدي دوراً مهماً في مرحلة الاستقرار وإعادة بناء القدرات، لكن في إطار يدعم المؤسسات الفلسطينية ولا يستبدل بها.
أما إعادة الإعمار، فقد أعددنا الخطة والبرامج والأولويات وبالتعاون مع مصر، ونعمل مع شركائنا على حشد الموارد وآليات التمويل اللازمة، ونريد أن تكون عملية الإعمار بقيادة وملكية فلسطينية، وضمن إطار يحافظ على وحدة الاقتصاد والمؤسسات والأرض الفلسطينية.
وفي النهاية، نجاح أي مرحلة انتقالية لا يقاس فقط بما تنجزه خلال وجودها، بل بقدرتها على إنهاء مهمتها ونقل المسؤوليات بصورة تدريجية ومنظمة وكاملة إلى دولة فلسطين.
إقرأ المزيد


