شبكة قدس الإخبارية - 8/22/2026 3:12:26 PM - GMT (+2 )
خاص قدس الإخبارية: لم تعد شكاوى الغزيين من بنك فلسطين تقتصر على صعوبة سحب الأموال أو أزمة السيولة التي فرضتها الحرب، إذ تتحدث شهادات متزايدة عن تجميد حسابات وإغلاقها، وتقييد عمليات السحب والتحويل، إلى جانب شكاوى بشأن إجراءات تحر وجمع معلومات عن بعض العملاء، في وقت يعتمد فيه كثير من سكان القطاع على الحسابات المصرفية لتلقي الرواتب والتحويلات والوفاء بالتزاماتهم اليومية.
ومن بين أحدث هذه الشهادات، ما رواه الصحفي محمد الزعانين، الذي قال إنه خضع مؤخرًا لجلسة تحقيق مع أحد موظفي بنك فلسطين من دائرة المغتربين، بعد طلبه إعادة تفعيل حسابه الذي قال إنه أُغلق دون إبداء سبب واضح عقب مغادرته قطاع غزة قبل الحرب.
وأوضح الزعانين أنه أبلغ الموظف بحاجته إلى الحساب للوفاء بالتزاماته العائلية، وأكد التزامه بسياسات البنك والسقوف المحددة، قبل أن يتلقى سلسلة من الأسئلة حول سبب حاجته للحساب، والجهات التي سيحوّل إليها الأموال، وقيمة المبالغ، وسبب عدم اعتماده على الحوالات الدولية.
وبحسب روايته، انتهت الجلسة بقرار رفض إعادة تفعيل الحساب، مع إبلاغه بإمكانية الاعتماد على الحوالات الدولية بدلًا من إعادة فتحه، مضيفًا أنه واجه الموظف بالسياسات والشروط المعلنة للبنك التي يرى أنها تتيح إعادة تفعيل الحساب، إلا أن الرد النهائي كان: "لن نعيد تفعيل هذا الحساب.. انتهى".
ليست حالة منفردةتأتي شهادة الزعانين في سياق شكاوى متكررة خلال الأشهر الماضية من عملاء في قطاع غزة، تحدثوا عن تجميد حساباتهم أو إغلاقها دون إشعارات أو تفسيرات كافية، وما ترتب على ذلك من حرمانهم من الوصول إلى الرواتب والمدخرات والتحويلات.
كما تصاعدت شكاوى مرتبطة بحسابات الأسرى المحررين وذوي الشهداء، إذ تحدث متضررون عن تجميد أرصدة أو رفض فتح حسابات جديدة، فيما يؤكد البنك أن إجراءاته تتم وفق القوانين والتعليمات الناظمة للعمل المصرفي.
لكن بالنسبة إلى رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، فإن القضية تتجاوز أخطاء أو تعقيدات إجرائية، إذ يتهم بنك فلسطين باتباع سياسة واسعة لتقييد أموال عملاء في قطاع غزة، ويقول إن لديه عشرات الشكاوى والحالات التي تتراوح بين تجميد الحسابات وتقييد عمليات السحب.
ويقول عبده إن البنك يقدم تفسيرات متعددة لإجراءاته، من الحديث عن مواجهة استغلال الأزمات وتجار الحرب، إلى الاستناد إلى متطلبات السلامة والامتثال المالي خشية التعرض لعقوبات دولية.
ويرى عبده أن هذه المبررات لا تفسر، بحسب تقديره، ما يصفه بـ"التعسف" في التعامل مع أموال المواطنين، مشيرًا إلى حالات يقول إن أصحابها يواجهون قيودًا على سحب أموالهم رغم عدم وجود ارتباطات سياسية أو مخالفات مصرفية معلنة.
ومن بين الحالات التي يطرحها عبده، تاجر من غزة يقول إن في حسابه نحو نصف مليون دولار، وإن البنك قيّد وصوله إلى الأموال بعد أن فوّض ابن شقيقه، وهو محاسب، بمتابعة معاملاته المصرفية نيابة عنه، بسبب عدم إجادته القراءة والكتابة.
ويقول عبده إن عشرات الحالات التي يتابعها تطرح سؤالًا أساسيًا حول الحد الفاصل بين إجراءات التحقق المصرفي المشروعة، وبين تحول هذه الإجراءات إلى عائق أمام صاحب المال نفسه في الوصول إلى أمواله.
من "الامتثال" إلى الأسئلة الأمنيةواحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل في الشهادات المطروحة تتعلق بطبيعة الأسئلة التي تُطرح على العملاء خلال مراجعة حساباتهم، وما إذا كانت تتوقف عند حدود المعاملات المالية ومصدر الأموال.
ويقول عبده إن لديه شكاوى تتحدث عن إجراءات أوسع، تشمل، بحسب وصفه، جمع معلومات عن علاقات بعض العملاء وأنشطتهم، والتواصل مع أشخاص من محيطهم للتحقق من طبيعة أعمالهم وعلاقاتهم.
كما يتهم عبده البنك بتشكيل لجان داخلية للتحري عن بعض العملاء، وإجراء زيارات ميدانية لبعض الأنشطة التجارية للتحقق من أصحابها وطبيعة أعمالهم وعلاقاتهم، وصولًا، وفق روايته، إلى اتخاذ قرارات بتجميد الحسابات أو إغلاقها بناءً على نتائج هذه الإجراءات.
ويقول إن هذه الممارسات، في حال ثبوتها، تتجاوز نطاق إجراءات الامتثال المصرفي التقليدية، وتثير أسئلة حول حدود الدور الذي يمكن أن يؤديه موظف البنك في جمع المعلومات المتعلقة بالعملاء.
وبحسب عبده، فإن ذلك يفتح الباب أمام أسئلة تتطلب إجابات واضحة من البنك والجهات الرقابية: ما حدود المعلومات التي يحق للمصرف طلبها؟ وما المعايير التي تحدد العميل "المشتبه به"؟ ومتى يتحول التحقق من مصدر الأموال إلى بحث في العلاقات الشخصية والسياسية للعميل؟ ولمن يمكن أن تذهب المعلومات التي يجري جمعها؟
أموال مجمدةالمشكلة لا تتوقف عند إغلاق الحسابات؛ ففي حالات أخرى، بحسب الشكاوى التي يقول عبده إنه يتابعها، يبقى الرصيد موجودًا في الحساب، لكن صاحبه لا يستطيع الوصول إليه أو التصرف فيه بصورة كاملة، سواء عبر السحب أو التحويل.
وتكتسب هذه القيود خطورة مضاعفة في قطاع غزة، حيث أدت الحرب إلى تدمير جزء كبير من البنية الاقتصادية، وأصبح الاعتماد على التحويلات والحسابات الإلكترونية أكبر في ظل أزمة السيولة وصعوبة الوصول إلى النقد.
وفي هذا السياق، يرى عبده أن استمرار تجميد أموال المواطنين لفترات غير واضحة يطرح إشكالية تتجاوز العلاقة المصرفية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمدخرات أسر أو رؤوس أموال تجار أو أموال يعتمد عليها أصحابها في تلبية احتياجاتهم الأساسية.
أين تقف مسؤولية البنك؟بنك فلسطين ينفي اتخاذ إجراءات تعسفية بحق العملاء، ويؤكد أن قرارات تجميد أو إغلاق الحسابات تتم وفق القوانين والأنظمة والتعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، فيما تخضع الإجراءات المتعلقة بحسابات المتوفين، بحسب البنك، للأحكام القضائية وإجراءات حصر الإرث المعمول بها.
لكن الشكاوى المطروحة لا تتعلق فقط بسبب إغلاق الحساب من عدمه، وإنما أيضًا بغياب تفسير واضح، وطول مدة التقييد، وصعوبة الاعتراض، وعدم معرفة صاحب الحساب ما إذا كان سيتمكن من استعادة أمواله ومتى.
ويرى عبده أن هذه الإشكالية تجعل القضية تتجاوز العلاقة التقليدية بين البنك والعميل؛ فحين تكون مدخرات عائلة أو راتب موظف أو رأس مال تاجر داخل الحساب، فإن تقييد الوصول إليها لا يعني تعطيل معاملة مصرفية فحسب، بل قد يعني تعطيل مصدر دخل وحياة كاملة.
الحرب لا تلغي حق المواطن في مالهويقر عبده بأن الامتثال المصرفي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب إجراءات أساسية في أي نظام مالي، وأن البنوك قد تكون ملزمة قانونيًا بتنفيذ قرارات أو قيود صادرة عن جهات مختصة.
لكنه يتساءل عن كيفية تطبيق هذه المتطلبات في اقتصاد حرب، دون أن يتحول المواطن العادي إلى الطرف الذي يتحمل وحده كلفة المخاطر السياسية والأمنية.
ويشير إلى أن المواطن الذي غادر غزة، أو فقد وثائقه، أو تغيّر مصدر دخله، أو اضطر إلى تلقي حوالة من الخارج، أو يعمل عبر الإنترنت، أو يدير نشاطًا تجاريًا في ظروف استثنائية، قد يجد نفسه أمام متطلبات مصرفية يصعب عليه استيفاؤها، ما لم تتوافر آليات واضحة وسريعة تتيح له تفسير وضعه والاعتراض على القرار.
ويشمل ذلك، بحسب عبده، الورثة وأسر الشهداء والأسرى وأصحاب الأعمال والمؤسسات الأهلية والعاملين بنظام العمل الحر، الذين أصبحت قدرتهم على الوصول إلى النظام المصرفي جزءًا أساسيًا من قدرتهم على الاستمرار.
أسئلة معلقةومع استمرار هذه الشهادات، يرى عبده أن هناك حاجة إلى إجابات معلنة من بنك فلسطين وسلطة النقد الفلسطينية حول عدد الحسابات التي جرى تجميدها أو إغلاقها في قطاع غزة منذ بدء الحرب، وطبيعة أسباب التقييد، وعدد الحالات التي أعيد تفعيلها، وآليات الاعتراض المتاحة للعملاء، وما إذا كانت هناك مدد زمنية محددة للتجميد.
كما يطرح عبده سؤالًا آخر بشأن مصير الأرصدة الموجودة في الحسابات المغلقة أو المقيدة: هل يستطيع أصحابها سحب أموالهم أو تحويلها إلى بنك آخر؟ وفي حال تعذر ذلك، ما السند القانوني الذي يتيح استمرار احتجازها، وما الضمانات التي تكفل عدم استخدام الأموال أو الانتفاع بها خلال فترة التقييد؟
شارك الخبر
إقرأ المزيد


