شبكة قدس الإخبارية - 8/22/2026 4:14:20 PM - GMT (+2 )
فلسطين المحتلة - شبكة قُدس: يثير اتفاق مكة للدفاع المشترك، الموقع بين السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس/آب 2026، تساؤلات حول مدى قدرته على التحول إلى تحالف عسكري فعلي، في ظل تباين مصالح الدول الثلاث واختلاف رؤيتها للتهديدات الإقليمية، إلى جانب علاقاتها المعقدة مع إيران.
ويشير تحليل نشره «معهد دراسات الأمن القومي» الإسرائيلي، إلى أن النص الكامل للاتفاق لم يُنشر، لكن تقارير إعلامية أفادت بأنه يتضمن بندًا للدفاع المشترك يقوم على مبدأ أن «أي هجوم على دولة يُعد هجومًا على الدول الثلاث».
ويربط الاتفاق بين ثلاثة من أبرز القوى في العالم الإسلامي: تركيا، وهي قوة إقليمية وعضو في حلف شمال الأطلسي «الناتو»؛ والسعودية، التي تتمتع بثقل ديني واقتصادي كبير وتضم أراضيها الحرمين الشريفين؛ وباكستان، التي تمتلك أكبر جيش تقليدي في العالم الإسلامي وترسانة نووية.
وبحسب وزير الخارجية التركي، سبقت توقيع الاتفاق أكثر من عامين من المباحثات، كما يستند إلى اتفاق دفاعي أُبرم بين السعودية وباكستان في سبتمبر/أيلول 2025. ورغم ذلك، يرى التحليل أن فجوات كبيرة لا تزال قائمة بين الدول الثلاث، بما يثير الشكوك حول إمكانية ترجمة بند الدفاع المشترك إلى تحالف عسكري فعّال.
سيناريوهات محتملة
يطرح التحليل أربعة سيناريوهات لمستقبل اتفاق مكة، يتمثل الأول في استمرار الوضع القائم، بحيث يبقى الاتفاق في إطار التعاون الحالي بين الدول الثلاث، من دون تحول جوهري في طبيعة العلاقات العسكرية. ويشمل ذلك التدريبات المشتركة، أحيانًا ضمن أطر إقليمية أوسع، والتعاون في الصناعات الدفاعية، إضافة إلى نشر قوات باكستانية بشكل متقطع في السعودية بناءً على طلب الرياض.
أما السيناريو الثاني، فيفترض توسيع البعد العسكري للاتفاق، من خلال إجراء تدريبات مشتركة بصورة أكبر، إلى جانب تفعيل بند الدفاع المشترك ميدانيًا، خصوصًا في حال اندلاع مواجهة بين السعودية وجماعة أنصار الله «الحوثيين» أو إيران.
ويتمثل السيناريو الثالث في توسيع التحالف ليشمل دولًا أخرى، وعلى رأسها مصر، بما قد يؤدي إلى نشوء إطار إقليمي أوسع يعزل إيران والاحتلال الإسرائيلي إقليميًا.
أما السيناريو الرابع، فيتمثل في أن يكون الهدف الأساسي للاتفاق ردعيًا وسياسيًا، من خلال توجيه رسالة قوية إلى إيران والاحتلال الإسرائيلي مفادها أن الدول الثلاث لن تسمح بتقويض النظام الإقليمي، بالتزامن مع إطلاق مواقف علنية حازمة لتحقيق هذا الهدف.
اختبار الاتفاق عند اندلاع الحرب
ويرى التحليل أن السيناريوهات التي تفترض استمرار الوضع القائم، ولا سيما السيناريو الأول، تستند إلى شكوك حول ما إذا كانت تركيا وباكستان ستتدخلان فعلًا لمساعدة السعودية في حال نشوب حرب، فضلًا عن عدم وضوح طبيعة هذه المساعدة وحجمها.
ويرتبط ذلك، بصورة أساسية، بعلاقات أنقرة وإسلام آباد المعقدة مع طهران. فباكستان، التي تتشارك حدودًا طويلة مع إيران، لا تستطيع التعامل مع طهران من منظور سعودي فقط، كما ظهر خلال الحرب التي بدأت في 28 فبراير/شباط، عندما اختارت إسلام آباد أداء دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة.
أما تركيا، فتتنافس مع إيران في بعض الساحات، لكنها تتعاون معها في ساحات أخرى، كما تربطهما علاقات تجارية وفي مجال الطاقة، بينما تتبع أنقرة منذ سنوات سياسة تقوم على الجمع بين المنافسة والحوار مع طهران.
وعليه، إذا طلبت السعودية من تركيا وباكستان التضامن معها في مواجهة إيران أو أنصار الله، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في نص الاتفاق، بل في حجم المخاطر التي ستكون أنقرة وإسلام آباد مستعدتين لتحملها من أجل الرياض.
وقد تتفق الدول الثلاث على مبدأ الدفاع المشترك، لكنها تختلف في معظم الأسئلة الأساسية: من هو العدو؟ ومتى يصبح الالتزام بالدفاع نافذًا؟ وما الرد المناسب والمتناسب؟ ومن يرسل قواته وإلى أين؟ وماذا يحدث إذا قررت دولة خوض الحرب بينما فضّلت الدولتان الأخريان التوسط واحتواء التصعيد؟
وبذلك، فإن القيمة الفعلية لاتفاق مكة لن تتحدد بمجرد توقيعه أو ببند الدفاع المشترك الوارد فيه، وإنما بمدى قدرة الدول الثلاث على تجاوز اختلافاتها وبناء آليات عسكرية وأمنية دائمة تحول الالتزام السياسي إلى قدرة فعلية على الردع والدفاع المشترك.
وتثير العلاقات السعودية التركية، رغم تحسنها الملحوظ خلال السنوات الأخيرة، قدرًا من الشكوك المتبادلة، إذ لم يؤدِ التقارب بين البلدين إلى إنهاء الخلافات السابقة أو المنافسة على النفوذ. واختلفت مواقف الرياض وأنقرة في ملفات عدة، بينها جماعة الإخوان المسلمين وقطر ومصر وشكل النظام السياسي المفضل في المنطقة، كما تتنافسان على النفوذ الاقتصادي والسياسي والأمني. وفي حين تنظر الرياض بحذر إلى ما تصفه بالتوسع التركي جنوبًا وتنامي نفوذ أنقرة قرب الخليج.
وتزيد المسافة الجغرافية وتباين خرائط التهديد من صعوبة تحويل الاتفاق إلى تحالف عسكري متكامل؛ فتركيا تركز على روسيا والبحر الأسود وسوريا والعراق وشرق المتوسط والقوقاز، فيما ينشغل باكستان أساسًا بمواجهة الهند وأفغانستان وأمن حدودها، بينما تتركز أولويات السعودية في الخليج والبحر الأحمر واليمن، وإيران بصورة خاصة.
كما تستدعي القدرات النووية الباكستانية الحذر في تفسير الاتفاق، إذ تمنحه ثقلًا ردعيًا ورمزيًا، لكنها لا تعني تلقائيًا امتلاك السعودية أو تركيا مظلة نووية باكستانية، خصوصًا أن الترسانة النووية الباكستانية موجهة أساسًا لردع الهند.
توسع الاتفاق
أما إذا تحول اتفاق مكة إلى تحالف دفاعي فعلي، عبر إنشاء آليات قيادة وتنسيق مشتركة، وإجراء تدريبات دورية، ودمج منظومات الدفاع الجوي، وتوسيع التعاون الاستخباري والصناعات الدفاعية، فقد يكتسب قدرة عسكرية مؤثرة ويحد من هامش تحرك إيران والاحتلال الإسرائيلي.
في المقابل، قد يؤدي توسيع الاتفاق ليشمل دولًا إضافية، ولا سيما مصر، إلى زيادة التباينات داخله وتعقيد استعادة العلاقات بين القاهرة والاحتلال. ويظل السيناريو الأكثر تحفظًا هو اقتصار الاتفاق على وظيفة الردع السياسي، في ظل خيبة الشركاء من الأداء الأميركي والاستعداد لاحتمال تراجع الدور الأميركي في المنطقة.
وتبرز تجربة باكستان السابقة حدود الالتزام العسكري؛ فقد رفضت المشاركة في حرب اليمن عام 2015، ولم تتدخل عسكريًا عقب الهجمات على منشآت النفط السعودية عام 2019، كما فضّلت خلال مواجهة 2026 مع إيران أداء دور الوسيط. ويشير ذلك إلى أن إسلام آباد مستعدة لدعم الرياض، لكن ضمن شروط لا تهدد مصالحها وعلاقاتها مع طهران.
تحالف يعيد رسم شبكة الأمن الإقليمي
تسعى السعودية، من خلال اتفاق مكة الأمني مع باكستان وتركيا، إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات الاستراتيجية والأمنية، في ظل تزايد الشكوك بشأن حدود المظلة الأمنية الأميركية، ودون أن يعني ذلك بالضرورة ابتعاد الرياض عن واشنطن أو التخلي عن تحالفها معها.
وتملك السعودية تاريخًا طويلًا في إنشاء أطر وتحالفات إقليمية، من بينها مجلس التعاون الخليجي الذي تأسس عام 1981، والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب عام 2015، والتحالف الذي قادته الرياض في الحرب على اليمن في العام نفسه، ومجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي تأسس عام 2020. غير أن معظم هذه الأطر واجه صعوبات في التحول إلى قدرات عسكرية مشتركة أو التزامات استراتيجية فعلية، بسبب اختلاف تقديرات التهديدات، وتباين المصالح، ورغبة الشركاء في الحفاظ على استقلالية قراراتهم.
ومع ذلك، ترى تحليلات أن نجاح الرياض في بناء هذه الأطر لا يقاس فقط بمدى فعاليتها العسكرية، إذ تمنحها عملية تشكيل التحالفات نفسها موقعًا مركزيًا في البنية الأمنية الإقليمية، وتعزز مكانتها كقوة عربية وإسلامية، وتزيد من قدرتها على التفاوض مع الولايات المتحدة، إلى جانب ما توفره من نفوذ ومكانة سياسية.
ويأتي اتفاق مكة في سياق توجه سعودي نحو تنويع الشراكات الأمنية بدل الاعتماد على طرف واحد. فإلى جانب استمرار التحالف مع الولايات المتحدة، تعمل الرياض على تعميق التعاون الأمني مع باكستان وتركيا، وتطوير علاقاتها الاستراتيجية مع الصين، بالتوازي مع مواصلة الحوار مع إيران والسعي إلى خفض التوتر معها.
وتعكس هذه السياسة ما يمكن وصفه باستراتيجية «التحوّط»، التي تسعى من خلالها السعودية إلى توزيع المخاطر، وتوسيع هامش المناورة، وتعزيز قدرتها على التعامل مع التحولات في السياسة الأميركية تجاه المنطقة. ومن هذا المنظور، لا يمثل اتفاق مكة انتقالًا سعوديًا إلى معسكر آخر، بقدر ما يمثل محاولة لتقليل كلفة الاعتماد على واشنطن، مع الاحتفاظ بمزايا الشراكة الأميركية من حماية وتكنولوجيا وقدرات عسكرية.
ويبقى الاختبار الأهم للاتفاق مدى قدرته على الانتقال من إطار سياسي إلى ترتيبات أمنية وعسكرية ملموسة. فالمسألة لا تتعلق فقط بما إذا كانت تركيا أو باكستان ستدخلان حربًا للدفاع عن السعودية، وإنما بمدى إنشاء آليات دائمة للتنسيق، وقدرات عسكرية مشتركة، وأشكال من الاعتماد الأمني المتبادل، وهي عناصر غابت إلى حد كبير عن الأطر السعودية السابقة.
ويحمل الاتفاق في الوقت نفسه بُعدًا دينيًا ورمزيًا، يرتبط باختيار مكة مكانًا لتوقيعه، بما يعزز تقديمه باعتباره إطارًا ذا شرعية إسلامية تتجاوز المصالح الأمنية المباشرة للدول الثلاث. وقد يمنح ذلك السعودية دورًا إضافيًا باعتبارها مركز الثقل السياسي والديني لهذا الإطار، مستفيدة من مكانتها بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين.
انعكاسات محتملة على الاحتلال الإسرائيليفي المقابل، لا تخلو التطورات من فوائد غير مباشرة للاحتلال الإسرائيلي، إذ إن تعزيز القدرات الدفاعية السعودية، خصوصًا في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، قد يخدم مصالح مشتركة تتعلق باستقرار الخليج وحرية الملاحة والحد من نفوذ إيران والجماعات المسلحة غير التابعة للدول.
كما أن تركيبة الاتفاق قد تكشف عن تنافسات داخل العالم العربي والإسلامي بدل أن تؤدي إلى تشكيل كتلة موحدة. ويبرز غياب الإمارات عن الاتفاق باعتباره عاملًا مهمًا، في ظل تزايد التنافس السعودي الإماراتي في عدد من الملفات، بما فيها اليمن والاقتصاد والموانئ والتجارة والنفوذ الإقليمي.
وقد يؤدي تنامي الدور التركي والباكستاني في الأمن السعودي إلى زيادة مخاوف أبو ظبي، خصوصًا في ظل علاقاتها المتوترة مع باكستان وتنافسها المستمر مع تركيا، رغم تحسن العلاقات بينهما خلال السنوات الأخيرة. وفي هذه الحالة، قد تتجه الإمارات إلى تعزيز علاقاتها مع الهند والاحتلال الإسرائيلي باعتبارهما عنصرَي موازنة أمام المحور الجديد.
وبحسب هذا الطرح، فإن مصلحة الاحتلال لا تكمن في مواجهة اتفاق مكة أو محاولة تفكيكه، لأن ذلك قد يحوله إلى تهديد مشترك يزيد تماسك أطرافه، وإنما في استثمار تعدد المصالح داخل المنطقة. ويشمل ذلك تعميق الشراكة مع الإمارات، والحفاظ على قنوات اتصال مع تركيا، ومواصلة التقارب مع السعودية، والتأكيد للرياض أن علاقاتها مع الاحتلال لا تتعارض مع شراكاتها مع أنقرة وإسلام آباد.
كما يبرز تعزيز العلاقات مع مصر، إلى جانب الحفاظ على الشراكات مع قبرص واليونان والهند، بوصفه جزءًا من حسابات الاحتلال في مواجهة التحولات الإقليمية.
وفي المحصلة، قد يسهم اتفاق مكة في إعادة تشكيل بعض موازين القوى في المنطقة، لكنه يكشف أيضًا استمرار الانقسامات داخل العالمين العربي والإسلامي وصعوبة تحولهما إلى كتلة استراتيجية موحدة. وبالنسبة للاحتلال، يتمثل التحدي في الحفاظ على موقعه ضمن شبكة التحالفات والمحاور الناشئة، بحيث يبقى طرفًا يصعب تجاوزه وتظل الشراكة معه ذات قيمة لدى القوى الإقليمية.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


