الطبقية في غزّة و”رأس مال” ما بعد الحرب
وكالة سوا الاخبارية -
2026/08/23

تحت أنقاض الحرب، لا يتغيّر شكل غزّة وحده، بل تتغيّر أيضاً ملامح المجتمع نفسه. فبينما تعيش غالبية الفلسطينيين في القطاع تحت وطأة الفقر والنزوح والبطالة وفقدان مصادر الدخل، تظهر في المقابل فئات جديدة راكمت المال والنفوذ مستفيدة من اقتصاد الحرب، في مشهد يكشف عن تحوّلات أعمق في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وفي بنية المجتمع الفلسطيني. 

هذه التحوّلات لا تبدو مجرّد مظاهر عابرة فرضتها الحرب والنزوح، بل تشير ربما إلى إعادة تشكيل تدريجية لملامح المجتمع الفلسطيني وقيمه وتركيبته الطبقية.
من جهة، أصبحت غالبية المجتمع الفلسطيني في غزّة من النازحين والفقراء والعاطلين عن العمل، الذين فقدوا بيوتهم ومدخّراتهم ومصادر رزقهم وأعمالهم، وأصبحوا يعيشون على المساعدات وفتاتها، بعد أن فقد الاقتصاد الفلسطيني جزءاً كبيراً من قدرته على الإنتاج والعمل. إنه مجتمع يفقد شيئاً فشيئاً استقلاله الاقتصادي وقدرته على الاعتماد على نفسه، ويزداد ارتباطه بالمساعدات وبالاقتصاد غير المنتج.

ومن جهة أخرى، نشأت خلال الحرب طبقات وفئات اجتماعية جديدة استفادت من اقتصاد الحرب: تجّار، ومبادرون، وأصحاب مطاعم ومقاهٍ ومحال تجارية وصالات أفراح وخدمات، وأصحاب بركسات ومخازن، إلى جانب حركة مالية واستهلاكية لا تعكس بأي حال المستوى العامّ للفقر والدمار وغياب القدرة الشرائية.
ليست المشكلة في أن ينجح أحد أو يحقّق دخلاً، إنما في أن يحدث ذلك داخل مجتمع منهك، من دون اقتصاد منتج، ومن دون مؤسّسات قادرة على تنظيم السوق وحماية الفئات الأضعف وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. فحين تتّسع الفجوة بين من يملكون القدرة على الوصول إلى المال والسلع والخدمات، وبين أغلبية تكافح من أجل تأمين الاحتياجات الأساسية، يصبح هذا التفاوت عاملاً في إعادة تشكيل المجتمع وليس مجرّد تفاوت اقتصادي عابر.

المشهد الأكثر قسوة هو التفاوت الصارخ الذي بدأ يظهر أمام أهل غزّة: شخص يُهدي آخر سيّارة فارهة بمبلغ خيالي، فيما يقف آخرون عاجزين عن تأمين قوت يومهم أو ثمن الدواء أو إيجار خيمة أو غرفة يعيشون فيها فوق أنقاض بيت مدمّر.
هذه ليست مجرّد قصّة سيّارة أو مطعم أو تجارة. إنها صورة مصغّرة لتحوّل اجتماعي أعمق يضرب أساس المجتمع، حيث تتّسع المسافة بين فئاته، ويتآكل ما تبقّى من الطبقة الوسطى، وتتراجع قيم العمل والإنتاج والتكافل والعدالة، بينما يصبح الاستهلاك والثراء الظاهر معيارين جديدين للمكانة الاجتماعية.

وفي موازاة ذلك، ظهرت مظاهر اجتماعية أخرى تكشف تراجعاً في التضامن الاجتماعي وفي الإحساس بحزن الآخرين. فقد تُقام أفراح مبالغ فيها أحياناً بجوار بيوت فيها جنازات، من دون اعتبار كافٍ لحزن الجار أو لمشاعر عائلته. وتُقام بعض الأفراح ببذخ، وتمتدّ احتفالاتها من ثلاثة أيّام إلى سبعة، وسط مظاهر استهلاك مرتفعة وتكاليف يُقال إنها تصل إلى عشرات آلاف الدولارات.

هنا لا يتعلّق الأمر بالاعتراض على الفرح أو رفض حقّ الناس في الحياة بعد سنوات الحرب، إنما بالسؤال عن التناقض الصارخ بين هذه المظاهر وبين واقع مجتمع يعيش فيه مليونان من البشر الفقر والنزوح وفقدان المساكن والعمل، وبالسؤال الأهمّ: من أين تأتي هذه الأموال؟ وكيف تتّسع هذه القدرة على الإنفاق في مجتمع فقد معظم قدراته الإنتاجية؟
إنها أسئلة تتّصل أيضاً بغياب قيم التكافل والشعور بالآخر، وبالتحوّلات التي طرأت على منظومة القيم الاجتماعية تحت ضغط الحرب والفقر والنجاة الفردية.

الحرب لا تدمّر البيوت والمصانع والمؤسّسات فقط، إنها تستطيع أيضاً تدمير القيم وفكرة التضامن المجتمعي والبنى الاجتماعية، التي احتاج المجتمع إلى عقود لبنائها. وحين يترافق ذلك مع الفقر والبطالة والنزوح والاعتماد على المساعدات، ومع ظهور ثروات جديدة لا يعرف المجتمع مصادرها أو لا يستطيع مساءلتها، فإننا أمام خطر يتجاوز الخراب المادّي إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه على نحو مشوّه.

تُتداول أخبار عن حصول سلطة الأمر الواقع، أي حركة “ حماس ”، على مبالغ مالية كبيرة من بعض فئات التجّار والمستفيدين الجدد من اقتصاد الحرب. وهنا تُطرح أسئلة إضافية حول طبيعة العلاقة التي تتشكّل بين السلطة الفعلية وبين الفئات الاقتصادية التي برزت خلال الحرب، وحول مصادر الأموال وآليّات تحصيلها ووجهة استخدامها، وما إذا كان ذلك يُسهم في إنتاج شبكة مصالح جديدة داخل مجتمع يعيش أصلاً حالة استثنائية من الفقر والدمار وانعدام الرقابة. 

لكنّ هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن دور الاحتلال وسياساته في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع في غزّة. فقد أسهم التحكّم الإسرائيلي في حركة البضائع وآليّات إدخالها، وحصر التنسيق في عدد محدود من التجّار والفئات المرتبطة بهذه العمليّة، في خلق امتيازات اقتصادية جديدة، وأنتج علاقة مباشرة بين بعض هؤلاء التجّار وبين منظومة الاحتلال. ومع اتّساع الحاجة ونقص السلع وارتفاع الأسعار، نشأت على هامش هذه الفئة دوائر اقتصادية أخرى تعتاش من فقر الناس وحاجتهم، وتستفيد من اقتصاد يقوم أساساً على الندرة والتحكّم في الوصول إلى السلع والخدمات، لا على الإنتاج والمنافسة الطبيعية.

وهكذا لا تتشكّل طبقات اقتصادية جديدة في غزّة بمعزل عن الحرب والاحتلال، بل في ظلّ اقتصاد استثنائي تتحكّم فيه الحاجة والندرة والقدرة على الوصول إلى مصادر السلع والمال. وهذا ما يجعل الخطر أكبر من مجرّد تفاوت في الثروة، إذ قد تتحوّل هذه المصالح التي نشأت خلال الحرب إلى شبكات نفوذ اقتصادية واجتماعية وسياسية تستمرّ حتى بعد توقّف الحرب، إذا لم تُخضع للرقابة والمساءلة ضمن إعادة بناء شاملة للاقتصاد والمجتمع.

الأخطر أن هذا التحوّل يحدث في ظلّ ضعف البنى السياسية والاجتماعية الفلسطينية وعجزها عن إنتاج سياسات تحمي المجتمع وتمنع تفكّكه، أو حتى فتح نقاش جدّي حول شكل الاقتصاد والمجتمع الذي نريد بناءه بعد الحرب.
وفي ظلّ ذلك، يجري التحضير لإجراء انتخابات تشريعية عامّة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، في الضفّة الغربية و القدس وقطاع غزّة، من دون فتح نقاش وطني عامّ حول كل هذه الآفات التي ضربت البنى الاجتماعية والسياسية خلال الحرب، وحول ما أنتجته سنوات الانقسام والحرب من تحوّلات عميقة في المجتمع.
والأخطر أن هذه التحوّلات تعمل على تجييش العائلات والعشائر وإعادة تطبيع حضورها داخل النظام السياسي الهشّ والمفكّك، وتحويلها إلى أداة للاعتماد عليها سياسياً وانتخابياً، رغم أن جزءاً من هذا الحضور هو في حدّ ذاته انعكاس للأزمة السياسية والاجتماعية وليس حلاً لها.

إجراء الانتخابات في حدّ ذاته لا يكفي إذا لم يرافقه نقاش وطني حول المجتمع الذي نريد بناءه، وحول شكل الدولة والمؤسّسات والاقتصاد والعلاقة بين السلطة والمجتمع، وحول كيفية معالجة آثار الحرب والتفكّك الاجتماعي، ومنع تحوّل اقتصاد الحرب إلى اقتصاد دائم، أو تحوّل الفئات التي راكمت الثروة خلال الحرب إلى مراكز نفوذ جديدة.
غزّة لا تحتاج فقط إلى إعادة إعمار البيوت والطرق والمستشفيات. إنها تحتاج إلى إعادة بناء المجتمع نفسه: اقتصاد منتج، وطبقة وسطى قويّة، وشبكات حماية اجتماعية، وعدالة في توزيع الموارد، ومؤسّسات قادرة على الرقابة والمساءلة، ونظام سياسي يستعيد ثقة الناس ويضع المصلحة العامّة فوق شبكات المصالح الخاصّة. 

لكنّ ذلك يبدو أكثر صعوبة في ظلّ غياب البنى السياسية، وضعف النظام السياسي الفلسطيني الرسمي ومركّباته الفصائلية، التي نأت بنفسها عن المجتمع ومسؤولياته خلال سنوات الحرب الثلاثة، وما زالت عاجزة عن تقديم رؤية سياسية واجتماعية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب. وما نراه اليوم من تفكّك اجتماعي، واتّساع الفوارق، وصعود شبكات اقتصادية جديدة، ليس منفصلاً عن هذا الفراغ السياسي الذي ترك المجتمع يواجه الحرب وتداعياتها بأدوات محدودة ومؤسّسات ضعيفة. 

والأكثر تعقيداً أن قطاع غزّة يدخل مرحلة جديدة من دون كيان سياسي فلسطيني فاعل قادر على إدارة شؤونه وتمثيل سكّانه، فيما يجري الحديث عن ترتيبات لإدارته من خارج البنية السياسية الفلسطينية، بما في ذلك دور مجلس السلام. وإذا مضت هذه الترتيبات من دون معالجة جذور الأزمة السياسية والاجتماعية، ومن دون إعادة بناء مؤسّسات فلسطينية شرعية وفاعلة، فقد نجد أنفسنا أمام إدارة للقطاع من دون معالجة حقيقية للتفكّك الذي أصاب المجتمع. 

لذلك، فإن إعادة إعمار غزّة لا يمكن أن تكون مشروعاً لإعادة بناء الحجر فقط، ولا مجرّد ترتيب لإدارة الخدمات. إنها بحاجة إلى مشروع سياسي واجتماعي يُعيد بناء المجتمع ومؤسّساته، ويضمن مشاركة الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم، ويضع حدّاً لاقتصاد الحرب وشبكات المصالح التي نشأت في ظلّه.

وإلا فإننا قد نخرج من الحرب بمجتمع أكثر فقراً وتفاوتاً وتفكّكاً، حتى لو أُعيد بناء ما دمّرته الحرب من حجر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد