شبكة راية الإعلامية - 8/23/2026 1:01:20 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
ننشغل نحن الفلسطينيين، لأسباب مفهومة، بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة واحتمالات سقوط نتنياهو وائتلاف اليمين الديني القومي المتطرف. فهذا الائتلاف لم يكتفِ بإدارة الاحتلال، بل دفع بسياسات الإبادة والضم والاستيطان والتهجير والعنصرية إلى مستويات غير مسبوقة، وجعل من أفكار العقيدة الصهيونية التوراتية لتصبح السياسة الرسمية الإسرائيلية.
لذلك فإن إسقاط هذا اليمين مصلحة فلسطينية حقيقية، ولا يصح التقليل من الفوارق بين القوى الإسرائيلية بالقول إن "الجميع سواء". هناك خلافات فعلية حول شكل الدولة والقضاء والدين والتجنيد والديمقراطية والعلاقة مع الولايات المتحدة، وكذلك حول أساليب إدارة الصراع معنا نحن الفلسطينيين.
لكن مساحة الخلاف تضيق عندما تجد أنه لا يوجد من بين كافة القوى الصهيونية الرئيسية المرشحة للحكم مَن يحمل اليوم مشروعاً واضحاً لإنهاء الاحتلال والاستيطان والقبول بدولة فلسطينية ذات سيادة فعلية؟
هنا ينبغي الحذر من الانتقال من ضرورة إسقاط اليمين المتطرف إلى وَهم أن البديل عنه سيُنهي الاحتلال. فقد تتغير الحكومة الإسرائيلية من دون أن تتغير السياسة تجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية، وقد يخرج بن غفير وسموتريتش من الحكومة من دون أن تتراجع الوقائع التي ترسخت على الأرض. فالاحتلال أقدم منهما والاستيطان لم يبدأ مع نتنياهو، ورفض السيادة الفلسطينية ليس حكراً على أقصى اليمين الصهيوني.
وفي هذا السياق تكتسب إعادة تشكيل القائمة المشتركة من الجبهة الديمقراطية والتجمع والحركة العربية للتغيير، من دون القائمة الموحدة برئاسة منصور عباس، أهمية تتجاوز حساب المقاعد. فتوحيد الصوت الفلسطيني ورفع نسبة المشاركة يمكن أن يعيد لأبناء شعبنا في الداخل وزناً سياسياً أكبر في مواجهة اليمين والعنصرية وسياسات الاحتلال، شرط ألا تتحول الوحدة إلى مجرد تحالف انتفاعي، بل أن تستند إلى رؤية تربط حقوق المواطنة والمساواة بقضايا الأرض والهوية ورفض الاحتلال والحرب.
لكن مثال وحدتهم يعيد السؤال إلينا نحن، فإذا كنا نطالب أبناء شعبنا في الداخل بتوحيد صوتهم ورؤيتهم، فأين الوحدة والرؤية في بقية الحالة الفلسطينية؟
فنحن أيضاً مقبلون على انتخابات فلسطينية رئاسية وتشريعية، ولا ينبغي أن ننظر إليها باعتبارها مجرد استحقاق إجرائي لتجديد المؤسسات أو إعادة توزيع المقاعد والمواقع. والاختبار الحقيقي يبدأ بمرحلة ما قبل فتح صناديق الاقتراع، كيف سندير الانتخابات؟ من سيتحالف مع من؟ وعلى أي برنامج ووفق أي تمويل سياسي؟ وأية قوى وطاقات شابة وقيادات جديدة ستجد طريقها إلى المشاركة وصناعة القرار؟
فالنتيجة السياسية للانتخابات لا تبدأ عند إعلان نتائج عدد المقاعد وتوزيعها، إنها تبدأ من طبيعة القوائم والتحالفات والبرامج التي تتشكل قبلها. وهنا سيكون علينا الاختيار، فهل نعيد إنتاج الاصطفافات والانقسامات وموازين القوى القائمة والتي تتحمل قسطاً من مسؤولية ما وصلنا له، أم نجعل الانتخابات فرصة لبناء تحالفات وطنية وديمقراطية أوسع، وإتاحة المجال أمام الشباب والكفاءات الوطنية والقوى الوطنية والمجتمعية والأهلية، واستعادة ثقة المواطن بالمشاركة والعمل السياسي لتوسيع دائرة القرار وحل المشاكل الحياتية لأبناء شعبنا أولاً، من العمل والخبز والرعاية الصحية والتعليمية لتمكينهم من الصمود ومواجهة مشاريع الاحتلال وإرهاب الاستيطان الإحلالي وصولاً إلى حرية شعبنا من الاحتلال؟
فالانتخابات ليست صندوقاً نصل إليه في نهاية الطريق، بل يمكن أن تكون جزءاً من الطريق لإعادة بناء المشروع الوطني التحرري.
وهنا تبدو المفارقة، فحين نتابع التحالفات الإسرائيلية، ونحسب مقاعد نتنياهو وبينيت ولبيد وايزنكات الذي أعاد التأكيد اليوم بأن دولة فلسطينية لن تقوم، ونسأل ماذا سيضيف توحيد القائمة المشتركة، ينبغي أن نسأل بالجدية نفسها، ماذا عن قوائمنا وتحالفاتنا نحن؟ وما البرنامج الذي ستقوم عليه؟ وأية شرعية وقيادة ونظام سياسي ومشروع وطني ستنتجه انتخاباتنا القادمة ومن سيمثل تلك القوائم والرؤى الانتخابية السياسية والاقتصادية الاجتماعية من أدوات جديدة مفترضة؟
من مصلحتنا إسقاط اليمين الفاشي في إسرائيل، ومن مصلحتنا توحيد الصوت الفلسطيني في الداخل، وبناء أوسع شراكة مع القوى اليهودية الديمقراطية المناهضة للصهيونية وللعنصرية والاحتلال والحرب. لكن الخطأ هو أن نحيل مستقبلنا إلى صندوق الاقتراع الإسرائيلي، بينما نتعامل مع صندوقنا باعتباره مجرد منافسة على المقاعد والمواقع.
نحن اليوم أمام عمليتين انتخابيتين، فصناديقهم قد تُغيّر من يحكم إسرائيل، لكنها لن تنهي الاحتلال نيابة عنا. أما صناديقنا، فمسؤوليتنا أن نجعلها فرصة لتغيير واقعنا نحن، لتجديد الشرعية والقيادة والأدوات، واستعادة الوحدة والمبادرة والإرادة، وإعادة بناء نظام سياسي قائم على الديمقراطية والعدالة والشفافية وسيادة القانون وخدمة قضايا أبناء شعبنا لتمكينهم من الصمود بعيداً عن الشعار، وصولاً إلى مشروع وطني تحرري جامع يأخذ شعبنا إلى شواطئ حريتنا وقادر على الفعل ومواجهة الاحتلال ومخططات الحسم المبكر والإدارة السكانية وتصفية وجه قضيتنا الوطنية التحررية.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


