شبكة قدس الإخبارية - 8/23/2026 9:29:26 PM - GMT (+2 )
فلسطين المحتلة - شبكة قُدس: لم تعد علاقة شركات التكنولوجيا الكبرى بالاحتلال مجرد ملف تجاري يتعلق بتوفير البرمجيات والخدمات السحابية، بل تحولت إلى جزء من نقاش أوسع حول دور البيانات والذكاء الاصطناعي في الحرب.
وفي قلب هذا الجدل تقف شركة "أوراكل"، التي تواجه انتقادات متجددة بشأن تعاونها مع المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بالتزامن مع توسع نفوذها العالمي في قطاعات البيانات والحوسبة السحابية، ودخولها شريكاً رئيسياً في منظومة "تيك توك" الأميركية.
وعادت شركة "أوراكل" الأميركية، عملاق قواعد البيانات والحوسبة السحابية، إلى واجهة الجدل بعد إعادة الممثل الأميركي مارك رافالو تداول مقطع فيديو مسجل عام 2024 للرئيسة التنفيذية السابقة للشركة سافرا كاتس، تتحدث فيه عن تقنيات وصفتها بأنها "مخيفة" وضعتها الشركة في خدمة أجندة جيش الاحتلال.
وأعاد تداول المقطع فتح ملف علاقة أوراكل الممتدة منذ سنوات مع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، ودورها المتنامي في البنية التحتية الرقمية والعسكرية للاحتلال، بالتزامن مع توسع الشركة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ودخولها شريكاً رئيسياً في صفقة الاستحواذ على العمليات الأميركية لتطبيق "تيك توك".
كما أثار الجدل مواجهة بين رافالو وشركة "بارامونت"، على خلفية ارتباط عائلة لاري إليسون بالشركة وبصفقة اندماجها مع "وارنر برذرز ديسكفري".
عملاق الحوسبة السحابيةتعد أوراكل من أكبر شركات البرمجيات والحوسبة السحابية في العالم، وتحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي. وبلغت إيراداتها في السنة المالية 2025 نحو 57.4 مليار دولار، فيما وصلت إيرادات الحوسبة السحابية إلى نحو 24.5 مليار دولار.
وفي نهاية عام 2025، بلغ حجم "الطلب المتعاقد عليه"، الذي يعكس العقود المستقبلية، بما فيها صفقات الذكاء الاصطناعي الكبرى مع شركات مثل "ميتا" و"إنفيديا"، نحو 523 مليار دولار.
لكن التوقعات الإيجابية تعرضت لاحقاً لانتكاسة، إذ فقد سهم أوراكل أكثر من نصف قيمته بحلول منتصف عام 2026، لتتراجع القيمة السوقية للشركة إلى نحو 414-423 مليار دولار، وسط مخاوف بشأن ارتفاع ديونها لتمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وتسجيل تدفق نقدي حر سلبي. وتزامن ذلك مع خفض التصنيف الائتماني للشركة إلى مستوى يقترب من الدرجة غير الاستثمارية.
علاقة طويلة مع الاحتلالبحسب منظمة "هو بروفتس"، المتخصصة في رصد الشركات العاملة في الاقتصاد الإسرائيلي، تمتد علاقة أوراكل بوزارة الحرب الإسرائيلية وجيش الاحتلال لنحو عقدين، عبر "أوراكل إسرائيل"، التي توفر تراخيص وتحديثات وصيانة لأنظمة برمجية تستخدمها وزارة حرب وجيش الاحتلال والإدارة المدنية في الضفة الغربية المحتلة وشرطة الاحتلال.
وفي عام 2021، أصبحت أوراكل أول شركة تقنية متعددة الجنسيات تفتتح مركز بيانات سحابياً داخل "إسرائيل"، عبر منشأة تحت الأرض في القدس بعمق نحو 50 متراً، بلغت كلفة الاستثمار فيها 319 مليون دولار، وصُممت لتحمل الهجمات الصاروخية وخدمة العملاء الحكوميين والعسكريين.
وفي العام نفسه، دخلت الشركة في مشروع بيانات مصنف باسم "مشروع مينتا" بالتعاون مع سلاح الجو الإسرائيلي. وفي كانون الثاني/يناير 2024، التقت كاتس بوزير الحرب الإسرائيلي ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وبحثت معه "المساعدة الأمنية" وفرص التعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، إضافة إلى خطط لإنشاء مركز بيانات سحابي ثانٍ.
كما درست الشركة في 2024 إنشاء مركز بيانات ضخم بقدرة 30 ميغاواط لمعالجة أعباء الذكاء الاصطناعي، بتكلفة تتجاوز 250 مليون دولار، قبل أن تشير تقارير إسرائيلية لاحقة إلى نقل المشروع إلى دولة أخرى.
"تقنيات مخيفة"عاد مقطع كاتس إلى الواجهة بعد أن أعاد رافالو نشره عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي. وفي المقطع، الذي يعود إلى كلمة ألقتها كاتس خلال القمة الوطنية للمجلس الأميركي الإسرائيلي عام 2024، قالت إن أوراكل قامت بأمور "لا يمكنها التحدث عنها" لخدمة أجندة جيش الاحتلال، ووصفت التقنيات التي طورتها الشركة لهذا الغرض بأنها "مخيفة بعمق".
وأثارت هذه التصريحات تساؤلات بشأن طبيعة التقنيات التي قدمتها الشركة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في ظل توسع اعتماد الجيوش وأجهزة الأمن على الحوسبة السحابية وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي.
وتوثق منصات معنية بحركة المقاطعة تصريحات أخرى منسوبة إلى كاتس، من بينها تأكيدها أن التزام أوراكل تجاه "إسرائيل" "لا يضاهيه التزام"، وأن الموظفين الذين لا يتفقون مع دعم الشركة للاحتلال قد لا يكون مكانهم المناسب داخلها.
رافالو وبارامونتتصاعد الجدل عندما دخل الممثل مارك رافالو على الخط، إذ أعاد نشر مقطع كاتس في سياق معارضته لصفقة اندماج "بارامونت" و"وارنر برذرز ديسكفري"، التي تتجاوز قيمتها 110 مليارات دولار.
وترتبط الصفقة بعائلة إليسون، إذ إن ديفيد إليسون، الرئيس التنفيذي لبارامونت، هو نجل لاري إليسون، مؤسس أوراكل ومالك حصة كبيرة فيها، وتُقدر ثروته بنحو 200 مليار دولار.
وانتقد رافالو عبر حساباته علاقة أوراكل بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وربطها بالصفقة الإعلامية، فيما ردت بارامونت باتهامه باستحضار "صور نمطية معادية للسامية" في سياق نزاع تجاري، مؤكدة رفضها لأي شكل من أشكال التحيز.
ورفض رافالو الاتهام، مؤكداً أن انتقاد سياسات رئيس حكومة الاحتلال أو الشركات التي توفر تقنيات وعقوداً عسكرية لا يعني معاداة اليهود، ودافع عن حقه في التدقيق في أعمال عائلة إليسون وشركاتها، خصوصاً في ظل مخاوف تتعلق بتركيز الملكية والبيانات والنفوذ الإعلامي.
احتجاجات داخلية ومقاطعةلم يقتصر الجدل على علاقة أوراكل بالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، إذ تحدث موظفون في الشركة، بحسب تحقيق لموقع "ذا إنترسبت"، عن مناخ داخلي من الخوف بعد اندلاع الحرب على غزة. ووقع 68 موظفاً رسالة مفتوحة تنتقد شراكات الشركة مع "إسرائيل"، فيما تحدث موظفون عن قيود على التعبير بشأن فلسطين وإزالة بعض قنوات التبرع لجهات مناصرة للفلسطينيين.
كما استقال المهندس المصري محمود صبحي من أوراكل في كانون الثاني/يناير 2023، بعد نحو عامين من العمل، قائلاً إن قراره جاء عقب اطلاعه على دعم مؤسس الشركة ل"إسرائيل" وتبرعاته للجيش، قبل إزالة منشوره لاحقاً من فيسبوك بدعوى مخالفته سياسات المنصة.
وفي السياق ذاته، وضعت حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات "BDS" أوراكل ضمن الشركات المستهدفة بحملاتها، إلى جانب شركات تقنية كبرى أخرى. وتتهم الحركة الشركة بتقديم دعم مباشر وغير مباشر لجنود الاحتلال وموظفين إسرائيليين مجندين في الجيش.
من جيش الاحتلال إلى تيك توكتتضاعف أهمية الدور الذي تلعبه أوراكل مع دخولها قطاعاً أكثر حساسية، بعدما أصبحت في كانون الثاني/يناير 2026 أحد قادة كونسورتيوم المستثمرين الذي استحوذ على العمليات الأميركية لتطبيق "تيك توك".
واستثمرت أوراكل نحو 2.2 مليار دولار مقابل حصة قدرها 15 بالمئة في الكيان الجديد، فيما تولت دوراً محورياً في تدقيق البيانات والامتثال الأمني وإعادة تدريب الخوارزمية الأميركية باستخدام بيانات أميركية.
ويمنح هذا الدور الشركة نفوذاً واسعاً على بيانات ومنظومة تقنية لمنصة يستخدمها عشرات الملايين في الولايات المتحدة، ما يعيد إلى الواجهة أسئلة أوسع حول تركّز البيانات والسلطة التقنية في أيدي شركات تمتلك في الوقت نفسه علاقات وثيقة بالمؤسسات الحكومية والأمنية.
وبذلك، لم تعد أوراكل في قلب الجدل بسبب عقودها التقنية مع الاحتلال فحسب، بل بسبب اتساع نفوذها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات، وصولاً إلى منصة عالمية مثل تيك توك. وبينما تتصاعد حملات المقاطعة والانتقادات الموجهة إلى الشركة، يبقى السؤال الأبرز حول الحدود الفاصلة بين التكنولوجيا التجارية واستخداماتها العسكرية والأمنية، وحول المسؤولية التي تتحملها شركات التقنية عندما تتحول بنيتها الرقمية إلى جزء من منظومات الحرب والمراقبة.
شارك الخبر
إقرأ المزيد


