شبكة راية الإعلامية - 8/23/2026 9:58:18 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
لم يكن التفكير في إصدار مرسوم رئاسي فلسطيني لتحديد موعد الانتخابات التشريعية مجرد إعلان عن استحقاق دستوري وطني طال انتظاره، بل جاء دائماً في لحظات سياسية فارقة تتجاوز حدود العملية الانتخابية بحد ذاتها ومجرد الاقتراع الإجرائي.
فالانتخابات الفلسطينية لا تطرح فقط سؤال اختيار مجلس تشريعي جديد أو إعادة توزيع المقاعد، بل تعيد فتح النقاش العميق حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني برمته، ومفهوم الشرعية التمثيلية، وقدرة المؤسسات القائمة على التجدد في ظل واقع استعماري ومحلي شديد التعقيد والتشرذم.
فمنذ سنوات طويلة، يعيش النظام السياسي الفلسطيني حالة من الجمود البنيوي جراء غياب الانتخابات، وتعمق الانقسام الجغرافي والسياسي الداخلي، وتعطل آليات التجديد الديمقراطي في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الوطنية على حد سواء.
ولذلك، فإن العودة إلى صناديق الاقتراع تمثل، قبل أي اعتبار آخر، حاجة فلسطينية داخلية ملحة لإعادة بناء الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات، وتجديد الشرعية السياسية، وإعادة تفعيل الحياة العامة على أسس أكثر مشاركة وتمثيلاً للكل الفلسطيني في الوطن والشتات.
لكن هذه الانتخابات لا تأتي في فراغ سياسي؛ إذ تتزامن مع ضغوط ومطالب دولية وخصوصاً أوروبية وأمريكية تطالب بإصلاح السلطة الفلسطينية وتعزيز قدرتها المؤسساتية والحوكمية.
فالأطراف الدولية ترى في تجديد الشرعية وتطوير الإدارة وتعزيز الشفافية عناصر أساسية لأي دور فلسطيني محتمل في ترتيبات اليوم التالي والأدوار الإدارية والسياسية في المرحلة المقبلة.
وهنا تقع الانتخابات عند تقاطع مسارين متناقضين أحياناً: مسار فلسطيني داخلي يحتاج إلى تجديد النظام السياسي لبناء استراتيجية تحرر، ومسار دولي يبحث عن سلطة أكثر كفاءة وقدرة على القيام بأدوار سياسية وإدارية محددة تضمن الاستقرار الأمني.
غير أن السؤال الأساسي يظل قائماً: هل ستكون الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء الشرعية والقرار الوطني الفلسطيني المستقل، أم أنها ستتحول إلى مجرد خطوة إدارية وإصلاحية ضمن واقع استعماري لم تتغير شروطه البنيوية؟
تفرض التجارب السابقة نفسها بقوة على المشهد الحالي؛ فقد سبق أن صدر مرسوم رسمي لإجراء الانتخابات، لكن العملية تعطلت جراء العقبات الجسيمة في قطاع غزة، ورفض الاحتلال الإسرائيلي إجراؤها في القدس الشرقية.
ولذلك، فإن تحديد موعد جديد في 28/نوفمبر القادم لا يكفي بمفرده، لأن نجاح الانتخابات يتوقف على القدرة السياسية الوطنية والدولية على تفكيك العقبات التي أفشلتها سابقاً، ومواجهة أداة الفيتو الإسرائيلية المتكررة.
إن غزة والقدس ليستا مجرد تفاصيل إجرائية أو جغرافية في العملية الانتخابية، بل تمثلان جوهر التحدي السياسي والسيادي الوطني.
فإجراء انتخابات تُستثنى منها غزة جراء تداعيات العدوان والتدمير، أو تُغيب عنها القدس الشرقية، سيطرح أسئلة مشروعة وصعبة حول طبيعة التمثيل الفلسطيني وشرعية النتائج برمتها.
فالقدس ليست مجرد صندوق اقتراع في مركز إداري، بل هي عنوان السيادة والرمزية الوطنية الإجمالية، وأي إسقاط لها من العملية الانتخابية يحمل أبعاداً خطيرة تتجاوز الجانب الإجرائي إلى التساوق الضمني مع محاولات تصفية الحضور السياسي الفلسطيني فيها.
ومن هنا يبرز السؤال المفصلي: إذا كانت الولايات المتحدة والدول الأوروبية تعتبر الانتخابات جزءاً محورياً من "إصلاح السلطة" وتجديد شرعيتها، فهل ستستخدم نفوذها السياسي للضغط الجدي على إسرائيل لضمان إجرائها في القدس الشرقية وفق الاتفاقيات السابقة؟
وهل سيكون هذا الضغط مختلفاً عن المرات السابقة، أم أن الموقف الدولي سيبقى رهناً للتوازنات والاشتراطات الإسرائيلية حين يتعلق الأمر بالسيادة على القدس؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تشكل الاختبار الحقيقي لمصداقية الخطاب الدولي حول الإصلاح والتحديث؛ فالمطالبة بمؤسسات فلسطينية شرعية وفاعلة لا يمكن فصلها عن توفير البيئة السياسية والسيادية التي تمكن هذه المؤسسات من العمل بحرية.
فالإصلاح لا يتعلق فقط بهيكلة المؤسسات الداخلية وتعديل القوانين، بل يحتاج أولاً إلى كسر القيود الخارجية والسياسات الاستعمارية التي تعطّل دورها الاستقلالي وتسلبها مضمونها الوطني.
وفي الجانب الآخر، تطرح مشاركة حركة حماس في أي انتخابات قادمة سؤالاً جوهرياً حول مستقبل بنية النظام السياسي وشكل الشراكة الوطنية.
فقد ترى الحركة في صندوق الاقتراع فرصة لإعادة تقديم نفسها كفاعل سياسي يمتلك قاعدة شعبية وتأييداً انتخابياً، وليس فقط كقوة أمنية أو سياسية تعمل خارج الأطر الرسمية والمؤسساتية، فالانتخابات تمنح من يشارك فيها ويحظى بالدعم الشعبي شرعية تمثيلية لا يمكن التغاضي عنها في أية معالجات سياسية قادمة.
غير أن تجربة انتخابات عام 2006 لا تزال ماثلة في الذاكرة السياسية الفلسطينية والعالمية؛ فقد أثبتت تلك المحطة أن الفوز الانتخابي لا يعني بالضرورة حيازة القبول السياسي الدولي أو الإقليمي في ظل الحصار والاشتراطات القاسية.
كما أظهرت التجربة أن غياب التوافق الوطني المسبق على قواعد اللعبة وتداول السلطة وقبول النتائج يمكن أن يحول الانتخابات من أداة لحل أزمة الشرعية إلى سبب جديد لتعميق الانقسام وتفكيك النسيج المؤسسي.
ولهذا، فإن القضية لا تتوقف عند حدود مشاركة حماس أو حركة فتح أو غيرهما من الفصائل والقوائم المستقلة، بل تتعلق بمدى قدرة الانتخابات على إنتاج نظام سياسي يتسع للجميع ويستوعب التناقضات ضمن إطار مؤسسي موحد، دون إعادة التخندق الحزبي حول من يملك التحدث باسم الشعب الفلسطيني.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً حول مستقبل وظيفة السلطة الفلسطينية نفسها: هل ستكون الإصلاحات المطلوبة جسراً نحو بناء مؤسسات دولة ذات سيادة، أم ستتحول إلى قائمة طويلة من التوافقات الإدارية والالتزامات الأحادية دون مقابل سياسي واضح؟
لا شك أن إصلاح السلطة وتطوير مؤسساتها وحوكمتها يمثل حاجة وطنية مجتمعية قبل أن يكون شرطاً أو مطلباً أجنبياً.
فمكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية، وسيادة القانون، وتجديد الدماء في المؤسسات، واستقلال القضاء، كلها خطوات ضرورية لبناء مجتمع قوي ونظام سياسي صامد في وجه التحديات.
لكن الإشكالية تكمن في تحويل "الإصلاح" إلى مسار مفتوح بلا نهاية وإغراقه في التفاصيل الفنية، بينما تُترك القضايا السياسية المصيرية—وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وإيقاف الاستيطان، وإقامة الدولة—دون أي معالجة حقيقية.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الإيفاء بالالتزامات المطلوبة فلسطينياً لم يكن يقابله خطوات واضحة أو ضغوط حقيقية على الاحتلال الإسرائيلي للالتزام بالقانون الدولي.
ولذلك، فإن السؤال الملح في المرحلة المقبلة هو: لو نفذت السلطة كل ما يُطلب منها من إصلاحات، وأجرت الانتخابات، وأعادت هيكلة مؤسساتها، فهل سيكون ذلك كافياً لفتح أفق سياسي حقيقي يؤدي إلى التحرر؟ أم ستظهر شروط ومطالب تعجيزية جديدة تحت عناوين أخرى لتعطيل الاستحقاق الوطني؟
إن الخشية الوطنية ليست من فكرة الإصلاح بذاتها، بل من استغلال شعار "الإصلاح" كعملية إدارة دائمة للأزمة وتثبيت لواقع الاحتلال بدلاً من كونها وسيلة للخروج منه وتفكيكه.
فالإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القوانين المعدلة أو الهياكل المحدثة، بل بقدرته على ربط العمل المؤسسي والخدماتي برؤية تحررية ومشروع وطني جامعي يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، وهنا تبرز المفارقة الأعمق: هل يمكن إصلاح السلطة الفلسطينية إدارياً ووظيفياً في ظل غياب أفق وطني وتحرري واضح؟
لقد نشأت السلطة الفلسطينية في الأصل ضمن مرحلة انتقالية مؤقتة كان يفترض أن تقود إلى استقلال سياسي ناجز، لكنها مع مرور الوقت وتصلب الموقف الإسرائيلي تحولت إلى إطار يدير شؤون الحياة اليومية تحت عبء احتلال استيطاني متمدد ومحتكر للسيادة.
ومن هنا ولدت المفارقة: يُطلب من السلطة أن تتصرف بكفاءة وديناميكية كحكومة دولة مستقلة، بينما تُسلب منها مقومات السيادة الأساسية على الأرض والموارد والحدود جراء سياسات التوسع والتدمير الإسرائيلية المستمرة.
ولهذا، فإن السؤال الجوهري لا يتصل فقط بكيفية إدارة المؤسسات وتطوير أداء الوزارات، بل بالهدف النهائي الذي تخدمه هذه المؤسسات والمشروع الذي تتكئ عليه.
هل هي مؤسسات دولة في طور التشكل والاستقلال، أم أنها مجرد أدوات لتحسين شروط الحياة وتسيير الشؤون اليومية تحت إدارة واقع مؤقت وممتد؟ وهل المطلوب هو بناء قوة سياسية فلسطينية متماسكة، أم تحسين كفاءة إدارة أزمة مرشحة للاستمرار؟
إن الانتخابات الفلسطينية القادمة، إن كتبت لها الظروف وتوفرت لها الإرادة، تحمل فرصة حقيقية لإعادة التصحيح الوطني، لكنها في الوقت نفسه تمثل اختباراً صعباً ومعقداً لكافة القوى الفاعلة.
فهي إما أن تكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والتعددية وتجديد الشرعيات الشعبية، أو تصبح مجرد إجراء شكلي ينتهي باستمرار ذات المأزق إذا لم تقترن بإرادة سياسية شجاعة تعالج جذور الأزمة البنيوية وتنهي حالة الارتهان.
وفي النهاية، فإن السؤال الأكبر الذي يجب أن يشغل الفكر السياسي والوطني الفلسطيني ليس فقط: هل ستُجرى الانتخابات في التاريخ المحدد؟ بل: ماذا أعددنا لما بعد صندوق الاقتراع؟
هل ستفضي هذه العملية إلى إعادة التلاحم بين الشعب ومؤسساته وربط الإصلاح الإداري بالتحرر الوطني ورسالة الشهداء؟ أم ستبقى مجرد محطة عابرة في مسار طويل من إدارة الأزمة بلا أفق؟
إن الانتخابات بمفردها لا تبني مجتمعاً حراً، والإصلاح الإداري وحده لا يصنع استقلالاً؛ لكن الربط بين الشرعية الشعبية المتجددة، والمؤسسات الكفؤة، والرؤية الوطنية الشاملة، هو السبيل الوحيد لتحويل الانتخابات من استحقاق إجرائي إلى بداية فعلية لإعادة امتلاك القرار الفلسطيني المستقل وإعادة هيكلة المشروع الوطني على قاعدة التحرر والكرامة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


