شبكة راية الإعلامية - 8/24/2026 11:42:18 AM - GMT (+2 )
قال الاستشاري والباحث في القضايا التربوية والمجتمعية، الدكتور محمد عوض شبير، إن الطلبة في قطاع غزة يواجهون فجوة تعليمية تقدر بنحو ثلاث سنوات دراسية، تضاف إليها سنوات الفاقد التعليمي السابقة، بما فيها فترة جائحة كورونا، لتصل الفجوة الإجمالية إلى نحو خمس سنوات.
وأوضح شبير في حديث خاص لـ"رايـــة أن ما تقوم به المؤسسات الدولية والإقليمية والمحلية ووزارة التربية والتعليم يمثل استجابة للواقع القائم، وليس تغطية كاملة للاحتياجات التعليمية، في ظل الظروف الميدانية الصعبة وغياب الموارد والتحديات الأمنية.
وأشار إلى أن التدخلات الحالية تركز على إسعاف ما يمكن إنقاذه من العملية التعليمية وفق معايير الحد الأدنى، من خلال إتاحة نحو ثلاث ساعات تعليمية يوميًا، على مدار ثلاثة أيام أسبوعيًا، يتلقى خلالها الطلبة المهارات الأساسية في اللغة العربية والرياضيات واللغة الإنجليزية، إلى جانب العلوم بجرعات خفيفة وأنشطة لا صفية ولا منهجية.
وأكد أن الدعم النفسي يشكل جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية، في ظل استمرار تعرض الطلبة لآثار الحرب والصدمات النفسية، مشددًا على أن التهيئة النفسية للطلبة يجب أن تسبق التهيئة التعليمية.
المبادرات التعليمية تسد جزءًا من الفراغ
وحول المبادرات التعليمية التي انتشرت في قطاع غزة خلال العام الدراسي الماضي، قال شبير إن التعليم الشعبي ظهر في ظل عجز الوزارة والمؤسسات الدولية عن تقديم الخدمة التعليمية، حيث بادرت مجموعات من الخريجين والعائلات والشباب إلى توفير التعليم انطلاقًا من مسؤوليتهم المجتمعية والوطنية.
وأوضح أن هذه المبادرات لا تزال تؤدي دورًا مهمًا رغم محدودية إمكانياتها، إذ أسهمت في استيعاب الطلبة وإعادة بعض طقوس المدرسة إليهم، من خلال تجميع الطلبة وحصر أسمائهم وبياناتهم.
واعتبر أن التعليم الشعبي والمبادرات التعليمية شكّلا حالة تعافٍ تعليمي مبكر واستجابة مبكرة، إلى حين تمكن الوزارة والمؤسسات المعنية من توسيع نطاق الاستجابة التعليمية بصورة أكثر تنظيمًا وشمولًا.
وأكد شبير أنه لا يمكن إنكار الدور الذي أدته هذه المبادرات، واصفًا إياه بالدور الوطني، لكنه شدد على ضرورة الانتقال إلى عملية مؤسسية دون إلغاء أو تجاهل الجهود الشعبية.
المعلمون يعملون بإمكانات محدودة
وفيما يتعلق بالانتقادات التي طالت بعض المبادرات التعليمية، قال شبير إن المعلم نفسه يعيش ظروف الحرب والجوع والقصف والمعاناة، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المبادرات نشأت بجهود فردية، إذ تحولت خيمة المعلم التي ينام فيها ليلًا إلى صف دراسي خلال النهار.
وأضاف أن المعلم لا يتلقى مكافآت أو مساعدات، ويعمل في ظل ظروف أمنية ومناخية صعبة، متسائلًا: كيف يمكن محاسبة أشخاص يعملون وإمكاناتهم مقيدة إلى هذا الحد؟
وشدد على ضرورة توجيه الشكر والتقدير لهذه المبادرات التي وفرت، ولو جزءًا محدودًا، من التعليم للطلبة، مؤكدًا أن التعليم الشعبي لن يكون بديلًا دائمًا عن التعليم الرسمي، لكنه سيظل ضروريًا في حالات الطوارئ.
وقال إن الحالة الطارئة في فلسطين، من القدس حتى رفح، ليست مؤقتة، وإنما تتطلب جاهزية دائمة وخططًا بديلة، مشيرًا إلى أن التعليم الشعبي موجود منذ الانتفاضة الأولى وما قبلها، ومنذ عام 1948، ولذلك يجب العمل على مأسسته وتعزيز جاهزيته.
وأكد أن المبدأ الأساسي في حالات الطوارئ يجب أن يكون: «إذا توقف التعليم يجب ألا يتوقف التعلم».
التعليم الخاص.. حل في ظل غياب البدائل
وحول انتشار خيام التعليم الخاص والتعليم المدفوع في قطاع غزة، أوضح شبير أن غياب المدرسة الرسمية وعجز الوزارة عن سد الفجوة التعليمية أوجدا مساحة لظهور التعليم الخاص.
وقال إن التعليم الخاص ظاهرة موجودة عالميًا، وقد يظهر لتلبية احتياجات بعض الأسر القادرة على دفع تكاليف دروس في الرياضيات أو اللغة الإنجليزية، إلا أن المشكلة تكمن في تحول الخدمة التعليمية من خدمة إنسانية إلى خدمة زبائنية.
وأضاف أن أولياء الأمور، في ظل غياب البدائل، ينظرون إلى هذه الخدمات باعتبارها حلًا متاحًا، متسائلًا: «ما البديل؟».
وأشار إلى أن الأسر في غزة تتحمل تكاليف إضافية مرتبطة بالتعليم، بما في ذلك شحن الكهرباء والهواتف وأجهزة الحاسوب، فضلًا عن دفع مبالغ لاستخدام خدمات الإنترنت، موضحًا أن الطالب قد يدفع نحو 25 شيكلًا مقابل ساعتين في مقهى إنترنت لتقديم امتحان أو متابعة دروسه.
وشدد شبير على أن الأولوية يجب أن تكون لتهيئة الأجواء المناسبة للعملية التعليمية، مؤكدًا أن ما يجري حاليًا يمثل استجابة في حدود الإمكانيات المتاحة.
تحضيرات لبدء العام الدراسي
وحول الاستعدادات للعام الدراسي الجديد، أوضح شبير أن العملية التعليمية في قطاع غزة تُدار حاليًا عبر «كلاستر التعليم»، الذي يضم وزارة التربية والتعليم واليونيسف والمؤسسات والجمعيات الأهلية والشركاء العاملين في القطاع التعليمي.
وبيّن أن الكلاستر يعمل على تنسيق الجهود ووضع الخطط، إلى جانب حصر المواقع التعليمية وإعداد الخرائط وتحديد الاحتياجات، فضلًا عن حشد الموارد والمطالبة بإدخال المستلزمات اللازمة للعملية التعليمية.
وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم تعمل كذلك على إعادة هيكلة المبادرات التعليمية من خلال الترخيص والمتابعة والتأكد من استيفائها الشروط المطلوبة، في وقت تبدي فيه الأسر رغبة كبيرة في إعادة أبنائها إلى العملية التعليمية.
وأضاف أن المؤسسات العاملة في القطاع التعليمي عملت خلال الفترة الماضية على بناء قدرات كوادرها، فيما يجري حشد الجهود من مختلف الجهات الفاعلة لافتتاح العام الدراسي في ظل الإمكانيات المتاحة والتحديات القائمة على الأرض.
تحويل الخيام إلى غرف صفية
وحول إمكانية اعتماد الخيام كمساحات تعليمية خلال المرحلة المقبلة، قال شبير إن العمل بدأ بالفعل على الانتقال من الخيام القماشية والمهترئة وغير الآمنة إلى غرف صفية مصنوعة من الخشب أو الصفيح أو مواد بناء أخرى وفق الإمكانيات المتاحة.
وأوضح أن الهدف هو توفير بيئة تعليمية أكثر حماية ودعمًا وأمانًا للطلبة، مشيرًا إلى أن المؤسسات تعمل، بحسب التمويل المخصص لكل مبادرة، على تجهيز هذه المساحات باعتبارها أولوية في المرحلة الحالية.
وأضاف أن بعض المؤسسات بدأت بوضع اشتراطات لتوفير بيئة تعليمية مناسبة، إلى جانب إدخال الموارد والخيام الواسعة التي تتيح للطلبة ممارسة الأنشطة التعليمية والترفيهية، وتوفر لهم قدرًا من الصحة المدرسية والبيئة الآمنة.
إقرأ المزيد


