فتح والإنتخابات... الوحدة طريق الشرعية وثقة الناخب مفتاح الفوز
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: لؤي شحادة

تمثل الانتخابات التشريعية 2026 محطة وطنية استثنائية في مسيرة النظام السياسي الفلسطيني، لا سيما أنها تأتي بعد انقطاع طويل في المسار الديمقراطي الفلسطيني، وفي ظل تحديات غير مسبوقة فرضتها الحرب والاحتلال، والأوضاع الاقتصادية الصعبة، واستمرار الانقسام السياسي، الأمر الذي يجعل من تجديد الشرعية وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الوطنية أولوية وطنية تتجاوز حدود الاستحقاق الدستوري، لتصبح ضرورة سياسية ومجتمعية في هذه المرحلة.

تكتسب هذه الانتخابات أهمية إضافية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، إذ لا يقتصر نجاحها على تجديد الشرعية الداخلية، بل يحمل رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي تؤكد تمسك الشعب الفلسطيني بخياراته الديمقراطية وقدرته على بناء مؤسساته وتجديدها رغم استمرار الاحتلال. ومن هنا، فإن وحدة القوى الوطنية، وفي مقدمتها حركة فتح، تسهم في تعزيز الموقف الفلسطيني على الساحة الدولية، وترسيخ مكانة المؤسسات الوطنية.

في هذا السياق، تنظر فتح إلى الانتخابات باعتبارها أكثر من مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي، فهي فرصة لتجديد العقد السياسي مع أبناء الشعب الفلسطيني، وترسيخ مكانة المشروع الوطني، وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إلى جانب تقديم رؤية واقعية لمواجهة التحديات الوطنية وتعزيز صمود المواطنين.

منذ انطلاقتها، ارتبط اسم حركة فتح بقيادة المشروع الوطني الفلسطيني، وأسهمت في بناء المؤسسات الوطنية وترسيخ أسس السلطة الفلسطينية، وحافظت على الهوية الوطنية في أصعب المراحل. واليوم، تجد الحركة نفسها أمام مسؤولية جديدة تفرض عليها تقديم نموذج متجدد للعمل السياسي والتنظيمي، يجمع بين الوفاء لتاريخها والاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.

ينطلق نجاح الحركة في هذا الاستحقاق من داخلها، عبر تعزيز وحدتها التنظيمية، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي، وتغليب المصلحة الوطنية على الاعتبارات الشخصية، واختيار مرشحين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين والدفاع عن حقوقهم، مع إتاحة المجال أمام الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية للمشاركة الفاعلة في صناعة القرار وتجديد الدماء داخل مؤسسات الحركة.

لا تقل أهمية البرنامج الانتخابي عن قوة القائمة الانتخابية، إذ يتطلع المواطن الفلسطيني إلى برنامج واقعي يلامس احتياجاته اليومية، ويقدم حلولاً قابلة للتنفيذ في مجالات الاقتصاد وفرص العمل والتعليم والصحة والخدمات العامة، إلى جانب التمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

كما تفرض المرحلة اهتماماً خاصاً بالشباب، الذين يشكلون قوة انتخابية واجتماعية رئيسية في المجتمع الفلسطيني، من خلال إشراكهم في صياغة الخطاب الانتخابي، والاستماع إلى تطلعاتهم، وتقديم برامج تستجيب لطموحاتهم في العمل والتعليم والمشاركة السياسية، بما يعزز ثقتهم بالعملية الديمقراطية ويشجعهم على الإسهام في صناعة المستقبل.

في المقابل، تمثل الحملة الانتخابية والإعلامية أحد أهم عناصر النجاح، فهي ليست مجرد أدوات للدعاية، بل وسيلة لبناء الثقة وتعزيز التواصل مع المواطنين. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تقوم الحملة على خطاب وطني جامع، ورسائل واضحة تستند إلى الحقائق، وتبرز الإنجازات، وتقدم رؤية واقعية للمستقبل، مع توظيف وسائل الإعلام التقليدية والرقمية بصورة احترافية، إلى جانب الحضور الميداني الفاعل في المدن والقرى والمخيمات والجامعات، والاستماع إلى هموم المواطنين وإدارة الحوار معهم بروح المسؤولية والاحترام.

كما تتطلب الحملة قدرة عالية على مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة بالحجة والحقائق، والابتعاد عن الخطابات الانفعالية أو حملات التشهير، والتركيز على المنافسة القائمة على البرامج والكفاءة واحترام قواعد العمل الديمقراطي. فالحملة الناجحة هي التي تقنع المواطن بالحجة والوقائع، وتعكس صورة حركة منضبطة وواثقة وقريبة من الناس. لا تكتمل فرص النجاح من دون جاهزية تنظيمية عالية، تبدأ بتدريب الكوادر وتأهيل وكلاء القوائم ومراقبي مراكز الاقتراع، وتعزيز التنسيق بين الأطر التنظيمية والإعلامية والميدانية، بما يضمن إدارة الحملة بكفاءة، ويترجم حضور الحركة إلى أداء انتخابي منظم وفاعل.

في المحصلة، ستكون انتخابات 2026 معركة برامج ورؤى بقدر ما هي معركة أصوات، وستكون ثقة المواطن الفيصل الحقيقي في نتائجها. لذلك، فإن نجاح حركة فتح لن يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل الميداني، والاقتراب من المواطنين، والاستماع إلى قضاياهم، وتقديم نموذج في النزاهة والانضباط والقدرة على الإنجاز.

في الوقت ذاته، ستظل وحدة الحركة العامل الأكثر تأثيراً في نجاحها، فكلما توحدت مؤسساتها وأطرها وقياداتها خلف برنامج ورؤية مشتركة، ازدادت قدرتها على كسب ثقة الناخبين وتعزيز حضورها الوطني. أما الخلافات الداخلية، مهما كانت محدودة، فإنها تترك أثراً مباشراً في صورة الحركة أمام جمهورها، وهو ما يستوجب تغليب لغة الحوار، وتعزيز الشراكة، والعمل بروح الفريق الواحد.

إن أخطر ما قد تواجهه حركة فتح في الانتخابات التشريعية المقبلة ليس قوة خصومها فحسب، بل احتمال دخولها السباق بأكثر من قائمة، سواء حملت اسم الحركة بشكل مباشر أو تشكلت من شخصيات محسوبة عليها أو قريبة من نهجها السياسي والتنظيمي. فمثل هذا المشهد لا يشتت فقط أصوات القاعدة الفتحاوية، بل قد يربك خيارات الناخبين ويؤثر على حجم التمثيل الذي يمكن أن تحققه الحركة داخل المجلس التشريعي، ويمنح منافسيها أفضلية انتخابية لا تعكس بالضرورة حجمهم الحقيقي، وإنما تستند إلى تفرق الأصوات المؤيدة لفتح.

الانتخابات تحسم بالأرقام، وأي تشتت في الأصوات المؤيدة للحركة قد ينعكس مباشرة على حجم تمثيلها داخل المجلس التشريعي، وعلى قدرتها على تحقيق نتيجة تتناسب مع حضورها التاريخي والوطني، الأمر الذي يجعل توحيد الجهود خلف قائمة انتخابية واحدة ضرورة سياسية ووطنية، لا مجرد خيار تنظيمي، بل خطوة أساسية تعزز ثقة الناخب، وتحافظ على وحدة الصوت الفتحاوي، وترفع فرص الحركة في تحقيق أفضل تمثيل ممكن داخل المجلس التشريعي.

في النهاية، إن انتخابات عام 2026 لن تكون مجرد منافسة على مقاعد المجلس التشريعي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح، على استعادة ثقة المواطن وتجديد حضورها الوطني، فالمراحل الوطنية الكبرى لا تدار فقط برصيد التاريخ، وإنما بقدرة القيادات والقوى السياسية على قراءة الواقع، والاستماع إلى الناس، وتقديم برامج تستجيب لتطلعاتهم، والعمل بروح الوحدة والمسؤولية.

ستبقى المعادلة الأساسية واضحة: وحدة الحركة تعزز قوتها، وثقة الناخب تمنحها الشرعية، والإنجاز هو المعيار الذي سيحكم خيارات المواطنين. ومن هنا، فإن توحيد الجهود خلف رؤية وطنية وقائمة موحدة لا يمثل خياراً تنظيمياً فحسب، بل ضرورة سياسية لحماية المشروع الوطني وتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة، كما يشكل مدخلاً لإعادة بناء علاقة أكثر قوة وثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، على قاعدة الشراكة والمسؤولية الوطنية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد