نور فريتخ.. صوتٌ فلسطيني يحمل ذاكرة المكان ويغني للحياة والأمل
شبكة راية الإعلامية -

في حلقة جديدة من بودكاست «ضيف الرايـــة» برعاية شركة جوال، استضافت الفنانة الفلسطينية والنابلسية نور فريتخ، في حوار جمع بين الجوانب المهنية والشخصية من تجربتها الفنية، واستعاد بداياتها الأولى مع الغناء، وصولاً إلى دراستها الأكاديمية ومشاركاتها المحلية والدولية ومشاريعها الفنية المقبلة.

وتحدثت فريتخ عن علاقتها المبكرة بالموسيقى، موضحة أن شغفها بالغناء بدأ منذ طفولتها، حين كانت في الثانية من عمرها تقريباً تردد الأغاني التي تسمعها عبر التلفزيون، قبل أن تلتفت والدتها إلى موهبتها وتبدأ العائلة في دعمها وتشجيعها على المشاركة في الأنشطة والحفلات المدرسية.

وأشارت إلى أن نقطة التحول الأبرز جاءت خلال الصف العاشر، عندما اكتشفت معلمة الموسيقى موهبتها وشجعتها على مواصلة الطريق بشكل أكاديمي، لافتة إلى أن المعلمة كان لها دور كبير في توجيهها نحو الموسيقى والفنون، ودعم مشاركاتها في الحفلات والمسابقات المدرسية.

من أغاني الطفولة إلى دراسة الموسيقى

استعادت فريتخ خلال اللقاء تفاصيل من طفولتها، وقالت إن أغنية «يا صبابين الشاي» كانت من أكثر الأغاني التي علقت في ذاكرتها، وكانت ترددها باستمرار أمام التلفزيون.

ومع تقدمها في الدراسة، بدأت مشاركاتها في الإذاعة المدرسية والحفلات والفعاليات المختلفة، قبل أن تتجه إلى دراسة العلوم الموسيقية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس.

وأوضحت أن تخصص الموسيقى كان محدود الإقبال في تلك الفترة، وأن عدد الطلبة في دفعتها كان قليلاً، مشيرة إلى أن لقاءها بالأستاذ عمار قدماني خلال المقابلة الجامعية كان محطة مهمة، بعدما شجعها على تطوير قدراتها والانطلاق في مجال الموسيقى.

وأكدت أن اختيارها دراسة الموسيقى لم يكن قراراً عابراً، بل جاء انسجاماً مع موهبتها وشغفها، مبينة أنها لم تكن ترى آنذاك تخصصاً آخر يشبهها بالقدر نفسه.

العائلة والمعلمة.. حاضنة الموهبة

أكدت الفنانة النابلسية أن للعائلة دوراً أساسياً في مسيرتها، خصوصاً في السنوات الأولى التي بدأت فيها ملامح موهبتها بالظهور.

كما توقفت عند الدور الذي لعبته معلمة الموسيقى في المدرسة، والتي أصرت على إشراكها في الحفلات والمسابقات، وشجعتها على أداء الأغاني الكلاسيكية والوطنية، ومنها أعمال لفيروز ارتبطت لاحقاً بجانب مهم من تجربتها الفنية.

وقالت إن هذا الدعم المبكر منحها فرصة للتعرف إلى إمكاناتها وتطويرها، بدلاً من أن تبقى الموهبة مجرد هواية طفولية.

بين التراث والكلاسيكيات والأغنية الوطنية

وتحدثت فريتخ عن هويتها الفنية، مؤكدة أنها لا ترغب في حصر نفسها ضمن لون غنائي واحد، رغم حبها الكبير للكلاسيكيات العربية القديمة وأسماء مثل أسمهان وأم كلثوم وفريد الأطرش.

وترى أن التراث يجب أن يحتفظ بمكان أساسي في تجربتها، لأنه يمثل الأصل والهوية والذاكرة، مشيرة إلى أنها تحرص كذلك على تقديم الأغنية الوطنية، سواء المرتبطة بفلسطين أو بالقضايا الإنسانية والوطنية بصورة أوسع.

وأكدت أن طبيعة العمل أو المناسبة هي التي تحدد اللون الذي تختاره، بحيث تقدم الأغنية الوطنية في المناسبات الوطنية، والكلاسيكية في المناسبات التي تناسبها، مع المحافظة على مساحة للتنوع والتجريب.

«الصوت البشري أعظم آلة موسيقية»

وفي حديثها عن علاقتها بصوتها، وصفت فريتخ الصوت البشري بأنه «أعظم آلة موسيقية»، باعتباره قادراً على ترجمة مشاعر داخلية قد يصعب التعبير عنها بآلة موسيقية أخرى.

وأكدت أن امتلاك الموهبة وحده لا يكفي، بل يحتاج الفنان إلى العمل المستمر على نفسه وتطوير أدواته، معتبرة أن الموهبة مسؤولية أيضاً، وأن على صاحبها أن يستثمرها ويعمل على تطويرها.

أعمال فنية حملت رسائل وطنية وإنسانية

وتطرقت فريتخ إلى أبرز محطات إنتاجها الفني، مشيرة إلى أن من أوائل أعمالها أغنية «عروسة عم تحلى» التي قدمتها خلال سنوات الدراسة الجامعية، وكانت تتناول منطقة روابي وما تحمله من صورة مرتبطة بالنمو والتطور.

كما تحدثت عن أغنية «ماله» التي تتناول الذاكرة والحنين واستعادة تفاصيل الحياة الماضية، إلى جانب مشاركتها في ألبوم «حنا» التابع لمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، والذي نال، بحسب ما ورد في الحوار، لقب أفضل ألبوم لموسيقى العالم في شهر آب/أغسطس عام 2021.

وشاركت فريتخ في الألبوم بأغنية «كل شيء تغير»، من ألحان إياد ستيتي وكلمات زياد السوالمة، وهي أغنية تتناول جمال المكان والبلد والمدينة.

الفن في مواجهة صورة اليأس

وأكدت فريتخ أن الفنان الفلسطيني أمام مسؤولية كبيرة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، معتبرة أن الفن قادر على تقديم صورة مختلفة عن فلسطين، بعيداً عن اختزالها في الحرب والدمار والألم.

وقالت إن الفلسطينيين، رغم كل ما يمرون به، شعب يحب الحياة والفرح والموسيقى، ولا ينبغي اختزال صورته دائماً في صورة الضحية.

وفي هذا السياق، تحدثت عن مشروعها الفني الجديد «نبض وسلام»، الذي تعمل عليه من خلال منحة حصلت عليها لإنتاج أعمال موسيقية، موضحة أن المشروع يجمع بين جانبين؛ الأول يعبر عن «نبض» الحياة وجمال البلد بطريقة مفرحة، والثاني يعبر عن مشاعر داخلية تتطلع إلى السلام.

وترى فريتخ أن هذا المشروع يشبه الحالة الفلسطينية التي تجمع بين الفرح والحزن، وبين الرغبة في الحياة والتطلع إلى السلام.

«الفلسطيني ليس دائماً ضحية»

وشددت الفنانة على أهمية تقديم صورة أكثر تنوعاً عن الفلسطيني، قائلة إن الفلسطينيين يحبون الحياة والفرح والغناء، رغم الحروب والكوارث والظروف السياسية الصعبة.

وشبهت الشعب الفلسطيني بـطائر الفينيق الذي ينهض من الرماد، مؤكدة أن الحروب والكوارث لا تستطيع إلغاء قدرة الفلسطيني على الإبداع والحياة.

كما دعت إلى تعزيز ثقافة تقبل الآخر داخل المجتمع، معتبرة أن الفلسطينيين يتحملون ضغوطاً كبيرة بسبب الاحتلال والظروف المحيطة بهم، ولذلك هم بحاجة أيضاً إلى مزيد من التكاتف والتسامح فيما بينهم.

الغناء.. رسالة وشكل من أشكال المقاومة

وفي جانب آخر من الحوار، أكدت فريتخ في حديثها عبر شبكة رايـــة الإعلامية أن الغناء بالنسبة لها ليس منفصلاً عن الواقع، بل يمكن أن يكون وسيلة لإيصال الصوت الفلسطيني إلى العالم.

وقالت إن الفنان يحمل رسالة، وإن استخدام الصوت والفن للتعبير عن القضية والوطن والحرية يمكن أن يكون أحد أشكال المقاومة، مشيرة إلى تجارب عربية وفلسطينية تركت أثراً في هذا المجال.

وأكدت أن الأغنية الوطنية لا يشترط أن تكون حزينة أو ثقيلة، بل يمكن أن تتغنى بجمال الوطن وأهله وتفاصيل الحياة اليومية فيه.

«ما أحلاها بنت البلد».. الأغنية الوطنية بلغة بسيطة

وتوقف الحوار عند أغنية محمد عساف «بنت البلد»، التي رأت فريتخ أنها قدمت نموذجاً مختلفاً للأغنية المرتبطة بالوطن.

وأشادت بفكرة تقديم الوطن من زاوية الفرح والجمال والبساطة، بعيداً عن القوالب التقليدية للأغنية الوطنية، معتبرة أن قرب الكلمات من الناس وتفاصيل الحياة اليومية يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيز الانتماء والأمل.

حلم المسرح الكبير والدراسة الأوبرالية

وعن طموحاتها المستقبلية، كشفت فريتخ عن حلمها بالمشاركة في عمل موسيقي ضخم يضم أوركسترا كبيرة، وأن تقف على مسرح واسع أمام جمهور كبير.

كما تحدثت عن رغبتها في دراسة الغناء الأوبرالي المسرحي، مؤكدة أنها لم تتخل عن هذا الحلم، وأنها تبحث باستمرار عن فرص مناسبة لاستكمال دراستها وتطوير أدواتها الفنية.

وقالت إن الظروف العائلية والحياتية قد تؤثر أحياناً على قرارات السفر والدراسة، لكنها لا ترى أن العمر أو المكان أو الزمن يجب أن تكون عائقاً أمام الطموح.

قرار التفرغ للموسيقى

وكشفت فريتخ خلال الحلقة أنها اتخذت قراراً بترك الأعمال التي لا ترتبط بتخصصها أو شغفها، والتفرغ للعمل في مجال الموسيقى.

وأقرت بأن القرار ليس سهلاً، خصوصاً من الناحية المادية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والحاجة إلى إعادة بناء المسار المهني، لكنها أكدت أنها اختارت خوض هذه التجربة حتى لا تندم لاحقاً على ترك الطريق الذي تحبه.

وتعمل الفنانة حالياً على إنتاج أعمال جديدة بجهد وتمويل شخصي، إلى جانب الاستفادة من المنح والفرص المتاحة، مؤكدة أن الفنان لا يستطيع دائماً انتظار الدعم، بل عليه أن يعمل على تطوير نفسه وإنتاج أعماله قدر الإمكان.

الفن للجميع.. من المسارح إلى المخيمات

وأكدت فريتخ أنها لا تحصر حضورها في المسارح الكبرى أو الحفلات الخاصة، بل تحب المشاركة في الفعاليات الثقافية والمراكز التعليمية والمخيمات والجمعيات، خصوصاً عندما يكون الهدف إنسانياً أو خيرياً.

وأوضحت أنها تقدم أحياناً عروضاً دون مقابل، معتبرة أن العمل التطوعي جزء من رسالة الفنان، وأن الوصول إلى الناس في أماكنهم يحمل قيمة خاصة بالنسبة لها.

ومع ذلك، أشارت إلى أن المسارح والحفلات الفنية تبقى الأقرب إلى قلبها، باعتبارها المساحة التي تشعر فيها بتفاعل مباشر مع الجمهور.

نابلس.. مدينة الثقافة بحاجة إلى مزيد من الدعم

وتحدثت فريتخ عن المشهد الثقافي والفني في نابلس، معتبرة أن المدينة تمتلك جمهوراً يقدّر الفن والثقافة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الدعم والاحتضان للمواهب والفنانين.

وأشادت بالتجارب الجديدة التي بدأت تظهر في المدينة، ومنها تخصيص مساحات ومسارح للعروض الفنية، مشيرة إلى تجربة مسرح في أحد المراكز التجارية الجديدة، حيث شاركت في فعالية شهدت تفاعلاً جماهيرياً كبيراً.

وأكدت أن وجود المساحات الفنية الثابتة يمكن أن يسهم في إعادة تنشيط الحركة الثقافية في المدينة وتشجيع الفنانين الشباب.

مسؤولية الفنان الفلسطيني

وترى فريتخ أن قلة عدد الفنانين الفلسطينيين الذين يواصلون إنتاج أعمالهم داخل البلاد تضع مسؤولية إضافية على عاتق الموجودين في المشهد المحلي.

وأشارت إلى أن عدداً كبيراً من الفنانين والمبدعين غادروا فلسطين للعمل في الخارج، الأمر الذي يجعل المجتمع الفني المحلي أكثر محدودية.

وقالت إن الفنان الذي يمتلك موهبة، عليه أن يحاول تقديم شيء للناس، معتبرة أن الفن ليس مجرد مهنة، وإنما مسؤولية ورسالة أيضاً.

«أخاف أن أضطر إلى الهجرة»

ومن أكثر الجوانب الشخصية التي كشفت عنها خلال الحوار، حديثها عن الخوف من الوصول إلى مرحلة تضطر فيها إلى مغادرة فلسطين بحثاً عن فرص أفضل.

وأكدت أن فكرة الهجرة تمثل بالنسبة لها شعوراً مخيفاً، لأنها تريد أن تواصل مسيرتها من داخل بلدها، وأن تكون جزءاً من المشهد الثقافي الفلسطيني.

وقالت إنها تتمنى أن تبقى المواهب الشابة في فلسطين، وأن تجد البيئة التي تساعدها على التطور وتحقيق طموحاتها.

رسالة إلى أصحاب المواهب: لا تتخلوا عن شغفكم

وفي ختام الحوار، وجهت فريتخ رسالة إلى الشباب الذين يمتلكون موهبة في الغناء والموسيقى، داعية إياهم إلى عدم التخلي عن شغفهم بسبب الصعوبات أو نظرة المجتمع.

وأكدت أنها تشجع أي شاب أو فتاة يمتلكان موهبة حقيقية على تطويرها، داعية الأهالي إلى دعم أبنائهم في اختياراتهم، ما داموا يمتلكون الموهبة والرغبة في الاستمرار.

كما دعت إلى مزيد من الاهتمام الرسمي والمجتمعي بالثقافة والفنون، ودعم المسارح والمواهب والمؤسسات الثقافية، قائلة إن دعم «ابن البلد وبنت البلد» هو استثمار في مستقبل المجتمع وهويته.

واختتمت الفنانة نور فريتخ حديثها بالتأكيد على رغبتها في مواصلة العمل الموسيقي وإنتاج أعمال جديدة، فيما أعرب مقدم البرنامج أحمد عياش عن أمله في رؤيتها قريباً على مسرح كبير برفقة أوركسترا واسعة.

بودكاست "ضيف الرايـــة" برعاية شركة جوال، يقدّم مساحة إنسانية ومهنية مفتوحة لسرد الحكايات الفلسطينية، وتسليط الضوء على شخصيات تركت أثرًا حقيقيًا في المجتمع، بعيدًا عن القوالب التقليدية للمقابلات الإعلامية.



إقرأ المزيد