بين رحيله وموعدنا ايام … وداعاً سليمان منصور
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: منير قليبو

بعض الأخبار لا تصلنا كخبر، بل كصفعة موجعة تترك في القلب حسرة لا تُمحى. 

رحل اليوم الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور، فيما كنت أتهيأ للقائه وتسجيل سيرته بصوته، وبقلمي، وبالطريقة التي أحب أن أقترب بها من أصحاب التجارب الكبيرة: من الإنسان أولاً، من طفولته وذاكرته وتعبه وبداياته، ثم من ذلك الطريق الطويل الذي قاده إلى أن يصبح واحداً من أهم حراس الذاكرة البصرية الفلسطينية.

كان بين رحيله ولقائنا ايام فقط ، ايام قليلة فصلت بين حوار انتظرته طويلاً وصمتٍ أبدي لا يمكن استدراكه الان وهذه هي الخسارة التي أخشاها دائماً؛ أن نؤجل لقاءاتنا مع العظماء، ثم يسبقنا القدر إليهم، فيرحلون قبل أن نسألهم عمّا لم يُكتب، وقبل أن يسردوا لنا الحكاية كما عاشوها هم، لا كما رواها الآخرون عنهم.

كنت أريد أن أسأله عن الطفل المولود في بيرزيت عام 1947، وعن يتمه المبكر، وعن المدرسة والحياة والقدس ودراسة الفن، وعن اللحظة التي أدرك فيها أن الريشة يمكن أن تصبح صوتاً لشعب، وأن اللوحة قد تحمل من الذاكرة والمقاومة ما لا تستطيع الخطب والبيانات أن تحمله. كنت أريد أن أسمع منه حكاية «جمل المحامل»، تلك اللوحة التي لم تبقَ معلّقة على جدار، بل دخلت بيوت الفلسطينيين ووجدانهم، وصارت صورة تختصر شعباً يحمل القدس والوطن على ظهره ويمضي، متعباً لكنه لا يسقط.

لم يكن سليمان منصور رسام لوحة شهيرة فحسب، بل كان واحداً ممن صاغوا الهوية البصرية الفلسطينية الحديثة فقد رسم الأرض والمرأة والثوب والزيتون والقرية والقدس، وحين ضاقت به مواد الفن المستوردة، عاد إلى الطين والحناء والقهوة والخيش وخامات البلاد، كأنه كان يقول إن فلسطين لا تحتاج إلى مادة غريبة كي تروي حكايتها؛ ففي ترابها ما يكفي من اللون والوجع والذاكرة.

علّم أجيالاً، ومنهم أبنائي، وأسهم في تأسيس مؤسسات للحركة الفنية الفلسطينية، وظل فنه منحازاً للإنسان والأرض والحرية فسليمان لم يرسم فلسطين باعتبارها ذكرى بعيدة، بل وطناً حياً يقاوم المحو؛ ولم يحوّل الألم إلى يأس، وإنما إلى صورة تبقى، وشاهدٍ يصعب اقتلاعه.

رحيل سليمان منصور يذكّرنا بأن توثيق سِيَر الكبار ليس ترفاً ثقافياً ولا مجاملة تُقدَّم لهم، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية اذ لدينا عظماء في الرسم والغناء والمسرح والتعليم والبحث والتطوير والعمل الوطني والاجتماعي، قدموا الكثير وتركوا لنا حصاداً منيعاً، لكن جانباً كبيراً من تجاربهم ما زال محفوظاً في صدورهم وحدها. وإذا رحلوا، رحلت معهم تفاصيل لا تعوّضها الوثائق ولا تستطيع كتب التاريخ استعادتها.

كنت أتمنى أن أكتب سيرتك يا أبا يامن، وأن أسمعها منك وجهاً لوجه، لكن القدر كان أسرع من موعدنا. يؤلمني أن الكرسي الذي أعددناه للحوار سيبقى خالياً، وأن الأسئلة التي حملتها إليك ستبقى بلا صوت يجيب عنها. غير أن عزاءنا أن ريشَتك أجابت عن أسئلة كثيرة، وأن لوحاتك ستظل تتحدث إليك وعنك، وتحمل القدس من جيل إلى جيل.

رحلتَ أنت، أما «جمل المحامل» فما زال يمشي، وما زالت القدس على ظهره، وما زلنا جميعاً نحمل شيئاً من ذلك الحمل.

وداعاً سليمان منصور…
وداعاً للفنان والإنسان وحارس الذاكرة.
رحمك الله رحمة واسعة، وألهم أسرتك ومحبيك وتلاميذك والشعب الفلسطيني جميل الصبر والسلوان. 

خسارتنا كبيرة، وحسرتي الشخصية أن موعدنا جاء متأخراً بساعات

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد