الوجود التركي في سوريا في الحسابات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية
شبكة قدس الإخبارية -

لم يعد الوجود التركي في سوريا يُقرأ في "إسرائيل" باعتباره مجرد امتداد لنفوذ إقليمي تقليدي لأنقرة، أو نتيجة طبيعية للجغرافيا والمصالح الأمنية التركية في الشمال السوري، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى أحد المتغيرات الأكثر حساسية في الحسابات العسكرية والأمنية الإسرائيلية في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد. وتكشف قراءة ما نشر في الإعلام العبري، إلى جانب التقديرات الصادرة عن مراكز التفكير الاستراتيجي الإسرائيلية، أن جوهر القلق الإسرائيلي لا يرتبط بالضرورة باحتمال نشوب حرب مباشرة مع تركيا، بقدر ما يرتبط بإمكانية أن تتحول الأخيرة إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل البيئة الأمنية والعسكرية السورية، بما يحد من حرية العمل الإسرائيلية ويعيد توزيع موازين القوى على مقربة من الحدود الإسرائيلية. وفي هذا السياق، تبدو سوريا ساحة مركزية لتنافس غير مباشر على شكل النظام الإقليمي الذي سيتبلور بعد انهيار النظام السابق، وعلى الجهات التي ستملك التأثير الأكبر في بناء مؤسسات الدولة السورية، ولا سيما المؤسسة العسكرية والأمنية.

وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى طبيعة تركيا نفسها في التصور الإسرائيلي. فقد اعتادت "إسرائيل: خلال تاريخها التعامل مع طيف واسع من التهديدات، بدءاً من التنظيمات المسلحة مثل حماس وحزب الله، مروراً بدول اعتبرتها معادية مثل إيران وسوريا، وصولاً إلى تهديدات الصواريخ والطائرات والمسيرات والقوى الوكيلة. إلا أن تركيا تمثل حالة مختلفة؛ فهي دولة إقليمية كبرى، تمتلك جيشاً واسع القدرات، وصناعة دفاعية محلية متطورة، وعضوية في حلف شمال الأطلسي، وعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، فضلاً عن قدرة سياسية واقتصادية واسعة على العمل داخل الشرق الأوسط. ولذلك فإن التعامل معها بمنطق «العدو التقليدي» يفرض على "إسرائيل" تكاليف استراتيجية مختلفة تماماً عن تلك المرتبطة بمواجهة تنظيم مسلح أو دولة معادية معزولة.

وهذه الفكرة تظهر بوضوح في الطرح الذي قدمه تسفيكا حايموفيتش في «N12»، والذي اعتبر أن التحدي التركي لا يشبه التهديدات التي اعتادت إسرائيل مواجهتها، لأن تركيا لا تمثل خصماً يمكن اختزاله في قدرة عسكرية محددة يمكن استهدافها وتحييدها، بل قوة إقليمية تسعى إلى تثبيت موقعها باعتبارها أحد المراكز الرئيسية في النظام الشرق أوسطي. ومن هذه الزاوية، فإن القلق الإسرائيلي من تركيا لا ينبع فقط من تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان أو من الخلافات السياسية بين أنقرة وتل أبيب، وإنما من التقاء الخطاب السياسي التركي مع قدرة عسكرية واقتصادية ومؤسساتية تسمح لأنقرة بتحويل الطموحات إلى نفوذ فعلي.

وقد شكل سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 نقطة تحول أساسية في هذه المعادلة. فالفراغ الذي نشأ نتيجة انهيار النظام السابق، وتراجع الوجود الإيراني في سوريا، أتاح لتركيا فرصة لتوسيع نفوذها في الدولة السورية الجديدة. وبالنسبة إلى أنقرة، لم يكن هذا التحول مجرد فرصة جيوسياسية، بل مساراً يمكن من خلاله إعادة تعريف موقع تركيا في الشرق الأوسط، وربط نفوذها في شمال سوريا بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية مع السلطة الجديدة في دمشق. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فقد بدا المشهد مختلفاً؛ إذ إن تراجع النفوذ الإيراني لم يؤدِ بالضرورة إلى نشوء بيئة أكثر أمناً، وإنما فتح المجال أمام صعود قوة أخرى ذات قدرات كبيرة، هي تركيا.

من هنا أصبحت سوريا نقطة التقاطع الأساسية بين الرؤيتين التركية والإسرائيلية. فتركيا تنظر إلى شمال سوريا باعتباره مجالاً يرتبط مباشرة بأمنها القومي، ولا سيما في مواجهة حزب العمال الكردستاني والقوى الكردية المسلحة، كما ترتبط مصالحها بملف اللاجئين وبإعادة بناء الدولة السورية وتوسيع نفوذها الإقليمي. أما إسرائيل فتنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من العمق الأمني المحيط بها، وبالتالي فإن أي قوة إقليمية تمتلك القدرة على التأثير في بنية الجيش السوري أو في منظوماته العسكرية أو في انتشاره الجغرافي تصبح موضع مراقبة وقلق.

ولذلك فإن جوهر المسألة بالنسبة إلى "إسرائيل: لم يعد مجرد وجود جنود أتراك داخل الأراضي السورية، وإنما طبيعة القدرات التي يمكن أن ترافق هذا الوجود. فالوجود العسكري المحدود أو المساعدة التقنية قد لا يمثلان في حد ذاتهما تغييراً جذرياً في ميزان القوى، لكن إدخال منظومات رادار أو دفاع جوي أو حرب إلكترونية أو أنظمة قيادة وسيطرة، أو المشاركة بصورة عميقة في إعادة بناء الجيش السوري، يمكن أن ينتج واقعاً مختلفاً تماماً. وهنا يصبح القلق الإسرائيلي مرتبطاً بصورة مباشرة بمفهوم «حرية العمل»، الذي يمثل أحد أكثر المفاهيم رسوخاً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

فإسرائيل اعتادت خلال السنوات الماضية على الاحتفاظ بقدرة واسعة على تنفيذ عمليات جوية داخل الأراضي السورية، خصوصاً في سياق مواجهة التموضع الإيراني ونقل الأسلحة إلى حزب الله. وقد تطورت هذه السياسة خلال سنوات الحرب السورية إلى نمط مستمر من العمليات العسكرية التي هدفت إلى منع تشكل بنية عسكرية إيرانية مستقرة بالقرب من الحدود الإسرائيلية. ومع انهيار النظام السابق، لم تفقد "إسرائيل" هذا الاهتمام، بل أصبح أكثر ارتباطاً بحالة عدم اليقين حول طبيعة النظام السوري الجديد، وقدراته العسكرية، وعلاقاته مع القوى الإقليمية.

وفي هذا الإطار، ترى "إسرائيل" أن أي منظومات تركية يمكن أن تحد من حرية عمل طائراتها أو تجمع المعلومات عنها أو تؤثر في قدرتها على استخدام المجال الجوي السوري تمثل تحولاً ينبغي التعامل معه مبكراً. ولهذا جاءت الضربة الإسرائيلية لمطار T4 في أبريل/نيسان 2026، ثم الضربة اللاحقة لمطار أبو الظهور في أغسطس/آب، ضمن سياق أوسع من الرسائل العسكرية التي تهدف إلى منع نشوء واقع عسكري جديد قبل أن يتحول إلى بنية يصعب تغييرها. ووفق التقدير الذي نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 25 أغسطس/آب 2026، فإن إسرائيل ترى أن الحفاظ على حرية العمل الجوي في سوريا يمثل هدفاً مركزياً، وأنها تخشى من أن يؤدي الوجود العسكري التركي إلى تقييد هذه الحرية.

لكن هذه المعادلة تكشف في الوقت نفسه عن اختلاف جوهري بين طبيعة التهديد التركي وطبيعة التهديد الإيراني. فإيران كانت، في التصور الإسرائيلي، جزءاً من مشروع واضح لبناء شبكة من القدرات والوكلاء والتموضع العسكري حول "إسرائيل"، في حين أن تركيا ليست إيران، ولا تتصرف بالضرورة وفق المنطق نفسه. فهي عضو في الناتو، وترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، ولا تزال تحتفظ بإطار رسمي للعلاقات مع "إسرائيل"، رغم التوتر السياسي العميق بين البلدين. وبالتالي فإن تحويل تركيا إلى عدو عسكري مباشر قد يؤدي إلى نتائج استراتيجية عكسية، ويضع "إسرائيل" في مواجهة دولة ذات قدرات كبيرة وشبكة تحالفات واسعة.

ولهذا السبب تبدو فكرة التعامل مع تركيا باعتبارها «دولة محل اهتمام» أكثر ملاءمة من تصنيفها بصورة مباشرة كدولة عدو. فهذا التصنيف يسمح للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية بإعادة ترتيب أولوياتها الاستخبارية والعسكرية تجاه تركيا، ورفع مستوى المتابعة والجاهزية، من دون إنتاج منطق المواجهة المفتوحة الذي قد يحول التنافس إلى صراع مباشر. وهذه النقطة تعكس تحولاً مهماً في التفكير الإسرائيلي: المطلوب ليس بالضرورة تدمير القوة التركية، وإنما منعها من إنتاج واقع استراتيجي جديد لا تستطيع إسرائيل التعايش معه.

وتصبح هذه المسألة أكثر وضوحاً عند النظر إلى الدور التركي في إعادة بناء الجيش السوري. فالمشكلة بالنسبة إلى "إسرائيل" لا تتوقف عند وجود قاعدة تركية أو قوة عسكرية تركية في موقع محدد، وإنما تمتد إلى احتمال أن تصبح تركيا طرفاً أساسياً في تشكيل العقيدة العسكرية للجيش السوري الجديد، وفي تدريبه وتسليحه وتنظيمه وإعادة بناء منظومات القيادة والسيطرة لديه. وفي حال تحقق ذلك، فإن النفوذ التركي لن يكون مرتبطاً بوجود عسكري قابل للانسحاب، بل قد يتحول إلى نفوذ مؤسساتي طويل الأمد داخل الدولة السورية.

وهنا تبرز أهمية ما أورده معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي حول محاولات دمشق عدم الوقوع في تبعية استراتيجية كاملة لأنقرة، وسعيها إلى تنويع مصادر التمويل والتدريب والتسليح والدعم العسكري من خلال بناء علاقات موازية مع دول عربية والولايات المتحدة وأوروبا وباكستان وروسيا. وهذه النقطة مهمة للغاية في فهم طبيعة الصراع؛ لأن سوريا نفسها لا تبدو راغبة بالضرورة في التحول إلى تابع تركي، بل تسعى إلى استخدام العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية لإعادة بناء الدولة والحفاظ على قدر من الاستقلالية.

وبذلك يصبح الصراع الإسرائيلي التركي في سوريا جزءاً من صراع أوسع على مستقبل الدولة السورية نفسها. فمن يملك التأثير الأكبر في الجيش السوري؟ ومن يحدد طبيعة تسليحه؟ ومن يؤثر في مؤسسات الأمن والدفاع؟ وهل ستكون سوريا دولة ذات علاقات متعددة ومتوازنة، أم ستتحول إلى مجال نفوذ تركي أساسي؟ هذه الأسئلة تبدو أكثر أهمية من السؤال التقليدي حول عدد الجنود الأتراك الموجودين في سوريا.

ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم الحساسية الإسرائيلية تجاه الجغرافيا السورية. فوجود تركيا في شمال سوريا يمكن تفسيره من منظور المصالح الأمنية التركية المباشرة، بينما يصبح إنشاء قواعد أو بنى عسكرية تركية في وسط سوريا أو جنوبها أكثر إثارة للقلق الإسرائيلي. ولذلك يميز التقدير الإسرائيلي بين مناطق النفوذ التركية الحالية وبين احتمال توسع هذا النفوذ باتجاه مناطق أقرب إلى المجال الحيوي الإسرائيلي.

فالمشكلة ليست في «تركيا في سوريا» بالمعنى المجرد، وإنما في أين توجد تركيا، وما الذي تفعله، وما القدرات التي تنشرها، وما مدى تأثيرها في مؤسسات الدولة السورية.

هذا التمييز الجغرافي والوظيفي يمكن أن يتحول إلى أساس لما يشبه قواعد اشتباك غير معلنة بين "إسرائيل" وتركيا. فقد تتعايش إسرائيل مع وجود تركي في شمال سوريا، لكنها قد تتعامل بصورة مختلفة مع منظومات دفاع جوي تركية متقدمة في مواقع استراتيجية، أو مع إنشاء بنية قيادة وسيطرة تركية مستقلة، أو مع انتقال الوجود التركي إلى وسط وجنوب سوريا، أو مع قيام تركيا بدعم مجموعات مسلحة ترى "إسرائيل" أنها تشكل تهديداً لها.

غير أن المشكلة تكمن في أن رسم «الخطوط الحمراء» يحمل في ذاته مخاطر كبيرة. فكلما توسعت قائمة الخطوط الحمراء، أصبحت "إسرائيل" أكثر ارتباطاً بضرورة الرد العسكري عندما ترى أن أحدها قد تم تجاوزه. وهذا يمكن أن يحول الخط الأحمر من أداة للردع إلى قيد على القرار السياسي. وقد حذر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تحديداً من أن الإفراط في رسم الخطوط الحمراء قد يقلص هامش المناورة الدبلوماسية ويخلق ديناميكية تصعيد يصعب التحكم بها.

وتزداد خطورة هذه المعضلة عندما يكون الطرف المقابل قوة كبرى مثل تركيا. ففي مواجهة تنظيم مسلح، قد تستطيع "إسرائيل" تحمل تكلفة التصعيد العسكري المحدود، أما في مواجهة تركيا فإن أي خطأ في تقدير النوايا أو القدرات يمكن أن يفتح مساراً مختلفاً تماماً. ولذلك فإن المسألة الأساسية بالنسبة إلى "إسرائيل" ليست فقط امتلاك القدرة على ضرب الأهداف التركية، وإنما إدارة التصعيد بحيث لا تتحول الرسالة العسكرية إلى نقطة انطلاق لمواجهة استراتيجية طويلة الأمد.

وتتداخل في هذه المعادلة أيضاً العلاقة الأميركية التركية. فالولايات المتحدة لا تستطيع تجاهل الدور التركي في سوريا، كما أنها لا ترغب في انهيار مسار الاستقرار الذي تحاول بناءه مع دمشق. وفي الوقت نفسه، فإن واشنطن معنية بالحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع أنقرة، الأمر الذي يجعلها طرفاً مهماً في إدارة التنافس الإسرائيلي التركي. ويكشف الجدل الذي ظهر حول المعلومات الاستخبارية المتعلقة بأبو الظهور عن مشكلة إضافية تتمثل في احتمال وجود اختلاف بين التقدير الإسرائيلي والتقدير الأميركي لطبيعة النشاط التركي في سوريا.

فوفق الرواية التي عرضها التقدير الإسرائيلي، أبلغت "إسرائيل" واشنطن قبل الضربة بوجود احتمال لتحرك تركي لنقل أفراد أو وسائل عسكرية إلى أبو الظهور، إلا أن الجانب الأميركي لم يجد، بعد مراجعة معلوماته، دليلاً على انتشار عسكري تركي بالمستوى الذي تحدثت عنه إسرائيل. وقد رأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك أن المعلومات الإسرائيلية ربما ارتبطت بمحادثات حول توسيع برنامج التدريب التركي في الموقع، وليس بقرار فعلي لإنشاء انتشار عسكري تركي. في المقابل، رفض وزير الدفاع الإسرائيلي "إسرائيل" كاتس هذه القراءة وأكد أن المعلومات نقلت إلى الجانب الأميركي وأن دمشق حُذرت قبل تنفيذ الضربة.

وهذا الخلاف مهم من الناحية الاستخبارية، لأنه يعكس إحدى أصعب مشكلات الأمن الإسرائيلي في البيئة الجديدة: كيف يمكن التمييز بين النية والقدرة والفعل؟ فقيام تركيا بتدريب الجيش السوري أو المشاركة في إعادة تأهيل قاعدة عسكرية لا يعني بالضرورة أنها تعتزم إنشاء قاعدة تركية دائمة. ووجود معدات أو أفراد أتراك في موقع ما لا يعني بالضرورة تحول الموقع إلى منصة عسكرية تركية. وفي المقابل، فإن تجاهل هذه المؤشرات قد يؤدي إلى السماح بتشكل واقع يصعب تغييره لاحقاً. ولذلك فإن التحدي الاستخباري الإسرائيلي يتمثل في بناء تقدير متدرج يفرق بين التعاون العسكري الطبيعي وبين الانتقال إلى التمركز الاستراتيجي.

ومن هنا يمكن فهم سبب تركيز الخطاب الإسرائيلي على «نوعية الوجود» أكثر من حجمه. فالمعيار الإسرائيلي المحتمل في المرحلة المقبلة لن يكون عدد الجنود الأتراك الموجودين في سوريا، وإنما طبيعة المنظومات الموجودة، ومواقع انتشارها، وعلاقاتها بشبكة القيادة والسيطرة، ومستوى اندماجها في البنية العسكرية السورية، وقدرتها على التأثير في حرية العمل الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن محاولة "إسرائيل" منع أي عملية لإعادة بناء الجيش السوري تحمل بدورها مخاطر استراتيجية. فسوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى مؤسسة عسكرية قادرة على فرض السيطرة على الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة والتهريب وبقايا تنظيم داعش ومختلف مصادر عدم الاستقرار. وإذا رفضت "إسرائيل" بصورة شاملة أي عملية لإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، فقد تدفع دمشق إلى الاعتماد بصورة أكبر على تركيا باعتبارها الطرف الأكثر استعداداً وقدرة على تقديم التدريب والمعدات والخبرة.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية شديدة الأهمية: قد يؤدي السعي الإسرائيلي إلى تقليص النفوذ التركي في سوريا، إذا تم عبر القوة وحدها، إلى زيادة الاعتماد السوري على تركيا.

فكلما ضاقت خيارات دمشق الخارجية، ازدادت أهمية أنقرة بالنسبة إليها. ولذلك فإن المصلحة الإسرائيلية قد تكون، في تشجيع تعدد الشركاء السوريين بدلاً من محاولة منع إعادة بناء الدولة السورية نفسها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم دعوات بعض التقديرات الإسرائيلية إلى التمييز بين إعادة تأهيل البنية التحتية السورية وبين إنشاء بنية عسكرية تركية مستقلة. فالتعاون التقني والتدريب وإعادة تأهيل المنشآت لا يعنيان بالضرورة نشوء تهديد مباشر لإسرائيل، بينما قد يكون إنشاء منظومات قيادة وسيطرة تركية مستقلة أو نقل قدرات دفاع جوي متقدمة أو إنشاء قواعد تركية دائمة في وسط سوريا وجنوبها أكثر حساسية.

ويكشف ذلك عن احتمال تشكل عقيدة إسرائيلية جديدة تجاه تركيا تقوم على الانتقال من مفهوم «المنع المطلق» إلى مفهوم «الإدارة والتقييد». فبدلاً من محاولة إنهاء الوجود التركي في سوريا، يمكن لإسرائيل أن تسعى إلى تحديد حدوده الجغرافية والوظيفية، ومنع تحوله إلى بنية عسكرية استراتيجية تمس مباشرة حرية العمل الإسرائيلية أو تقترب من الحدود الإسرائيلية أو تغير بصورة جوهرية ميزان القوى في المنطقة.

وفي هذا السياق، سيكون العامل البحري أيضاً جزءاً من الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً أن تركيا تمتلك قدرات بحرية كبيرة وتطمح إلى دور أوسع في شرق المتوسط. غير أن الوجود التركي البحري المحدود على الساحل السوري لا يمثل بالضرورة تحولاً جذرياً في ميزان القوى، بحسب التقدير الإسرائيلي، لأن تركيا تمتلك أصلاً تفوقاً بحرياً واسعاً في شرق المتوسط. ولذلك فإن التركيز الإسرائيلي الأكثر إلحاحاً يبقى على البنية العسكرية البرية والجوية، وعلى التأثير التركي في الجيش السوري.

وفي المحصلة، فإن القراءة الإسرائيلية للوجود التركي في سوريا تكشف انتقالاً من مرحلة كان فيها التهديد التركي يُنظر إليه أساساً من زاوية سياسية إلى مرحلة أصبح فيها يُدرس كعامل عسكري واستخباري وجيوسياسي متكامل. تركيا ليست بالنسبة إلى إسرائيل مجرد دولة تتبنى خطاباً سياسياً معادياً، وإنما قوة قادرة على ترجمة نفوذها السياسي إلى بنية أمنية وعسكرية طويلة الأمد داخل دولة مجاورة لإسرائيل.

لكن هذا لا يعني أن "إسرائيل" تعتبر الحرب مع تركيا نتيجة حتمية. على العكس، يبدو أن جزءاً مهماً من التفكير الإسرائيلي يحذر من تحويل المنافسة إلى مواجهة مباشرة. فالجيش الإسرائيلي، بعد سنوات من الحرب والاستنزاف، يواجه أعباء كبيرة في عدة جبهات، ويحتاج إلى إعادة بناء قدراته البشرية والمادية، ولا تبدو مواجهة قوة إقليمية مثل تركيا خياراً استراتيجياً مفضلاً في هذه المرحلة.

ولهذا فإن مفهوم «دولة محل اهتمام» قد يوفر لإسرائيل مساحة استراتيجية أكثر مرونة من مفهوم «العدو». فهو يسمح بتطوير المعرفة الاستخبارية بتركيا، ومتابعة قدراتها ونواياها، والاستعداد لاحتمالات التصعيد، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إدارة التنافس سياسياً ودبلوماسياً.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي تواجهه "إسرائيل" ليس كيف تمنع تركيا من الوجود في سوريا، لأن ذلك يبدو هدفاً غير واقعي، وإنما كيف تمنع تحول هذا الوجود إلى نفوذ استراتيجي مهيمن. وهذا يتطلب من "إسرائيل" الجمع بين الردع العسكري المحدود، والعمل الاستخباري العميق، والتنسيق الأميركي، والقنوات الدبلوماسية المباشرة وغير المباشرة، والعمل على تشكيل بيئة سورية متعددة الشركاء لا تسمح لتركيا أو غيرها باحتكار عملية بناء الدولة الجديدة.

ومن منظور أوسع، فإن التنافس الإسرائيلي التركي في سوريا ليس مجرد خلاف حول قاعدة عسكرية أو منظومة دفاع جوي، بل هو جزء من صراع أكبر على شكل النظام الإقليمي الذي يتبلور بعد انهيار النظام السوري السابق. تركيا تريد أن تكون إحدى القوى المركزية في هذا النظام، بينما تحاول "إسرائيل" منع أي قوة إقليمية من بناء واقع عسكري جديد حولها يحد من حرية حركتها. وبين هذين المسارين تقع سوريا التي تحاول في الوقت ذاته استعادة سيادتها وبناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الحرب.

لذلك فإن مستقبل العلاقة بين "إسرائيل" وتركيا سيتحدد إلى حد كبير في سوريا: فإذا استطاعت دمشق الحفاظ على تعدد علاقاتها الخارجية ومنع التحول إلى مجال نفوذ تركي حصري، فقد يبقى التنافس الإسرائيلي التركي ضمن مستوى يمكن إدارته. أما إذا أصبحت تركيا اللاعب الخارجي الأكثر تأثيراً في بناء الجيش السوري وأمنه، فإن "إسرائيل" ستجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد يفرض عليها إعادة تعريف مفهوم التهديد، ليس باعتبار تركيا عدواً تقليدياً، وإنما باعتبارها قوة إقليمية قادرة على إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل.

وهنا تحديداً تكمن خصوصية التهديد التركي كما يراه الخطاب الأمني الإسرائيلي: إنه ليس تهديداً يبدأ بصاروخ أو قاعدة أو قوة عسكرية على الحدود، بل بعملية تراكمية لإعادة تشكيل موازين القوى.\ولذلك فإن مواجهته، إذا أرادت "إسرائيل" تجنب حرب مباشرة مع تركيا، لن تكون عسكرية فقط؛ بل ستكون في جوهرها معركة استخبارية ودبلوماسية وجيوسياسية على مستقبل سوريا، وعلى حدود النفوذ التركي داخلها، وعلى شكل النظام الإقليمي الذي سيتشكل من حولها.

*مراجع هذا المقال* : كرميت فالِنسي وأمل حايخ، «الخط الأحمر الإسرائيلي في سوريا – وثمن المواجهة مع تركيا»، معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، العدد 2189، 25 أغسطس/آب 2026، إضافة إلى المقال المنشور للواء تسفيكا حايموفيتش في «N12» حول طبيعة التهديد التركي.