حين تتقدم فلسطين لإنقاذ الحياة ،، الهلال الأحمر الفلسطيني أول العالم.
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. ياسر أبو بكر

ليست كل الانتصارات سواء. هناك انتصارات تقاس بالكؤوس والميداليات، وهناك انتصارات تحمل في داخلها قصة شعب ومؤسسة وأناس اختاروا أن يقفوا في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت.

وفوز جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالمركز الأول عالميا في كأس العالم للإسعافات الأولية 2026 في دبي،  ينتمي إلى النوع الثاني.

ففي النسخة الأولى من هذه البطولة العالمية، التي نظمها الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بالتعاون مع منظمة DIHAD، دخلت المنافسة عبر مراحلها المختلفة 162 فريقًا يمثلون 85 جمعية وطنية من خمسة أقاليم في العالم، ضمن تحديات تقيس الابتكار في الإسعافات والإنعاش، والقدرة على التعامل مع سيناريوهات الطوارئ المعقدة، والتوعية المجتمعية وبناء القدرات. وفي ختامها اعتلى الهلال الأحمر الفلسطيني المركز الأول عالميا.

لكنني، وأنا أقرأ هذا الخبر، لم أرَ أمامي منصة تتويج في دبي فقط.

رأيت سيارات الإسعاف الفلسطينية وهي تشق طريقها نحو الجرحى. رأيت المسعفين الذين اعتدنا أن نشاهدهم يركضون باتجاه المكان الذي يهرب منه الآخرون. رأيت المتطوعين والطواقم الطبية وهم يعملون تحت الضغط والخطر ونقص الإمكانات، ويختارون في كل مرة أن تكون مهمتهم الأولى هي إنقاذ إنسان.

ولذلك فإن الكأس لم يبدأ في دبي ، لقد بدأ في الميدان.

هناك، في الميدان الفلسطيني، تشكلت الخبرة التي ظهرت اليوم أمام العالم. فالسرعة في الاستجابة ليست سؤالًا نظريا بالنسبة إلى المسعف الفلسطيني، والتعامل مع الإصابات الحرجة ليس تمرينا عابرا، والعمل في الظروف المعقدة ليس سيناريو محاكاة فحسب. إنها خبرة تراكمت على مدى عقود، وفي أكثر البيئات الإنسانية قسوة وتعقيدا.

وهذه ليست شهادة فلسطينية لأنفسنا. فالصفحة الرسمية للاتحاد الدولي تصف الهلال الأحمر الفلسطيني اليوم كمؤسسة تضم 33 فرعا و167 وحدة محلية، وأكثر من أربعة آلاف موظف وما يزيد على تسعة آلاف متطوع. أما تقرير الجمعية السنوي لعام 2024 فيشير إلى مشاركة أكثر من تسعة آلاف متطوع في الجهود الطبية والإغاثية، وإلى تقديم خدمات مباشرة وغير مباشرة لأكثر من 13.5 مليون مستفيد في فلسطين ومخيمات الشتات خلال ذلك العام وحده.

إننا إذن لسنا أمام فريق فاز بمسابقة فحسب، بل أمام مدرسة فلسطينية في العمل الإنساني والإسعافي.

وهي مدرسة لم تولد أمس. فجذورها تمتد إلى بدايات العمل الهلالي الفلسطيني في القدس عام 1910، فيما تأسست جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني رسميا في 26 كانون الأول/ديسمبر 1968، واعترف بها المجلس الوطني الفلسطيني جمعية وطنية عام 1969، ثم أصبحت عام 2006 عضوا كاملًا في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر. ومنذ ذلك الحين نمت من عيادة صغيرة تخدم اللاجئين الفلسطينيين إلى شبكة وطنية وإنسانية واسعة تعمل في فلسطين والشتات.

ولكن ما يمنح إنجاز دبي معناه الأعمق هو الثمن الذي دفعه أصحاب هذه السترات الحمراء وهم يؤدون رسالتهم.

فالاتحاد الدولي وثق أن أكثر من خمسين من موظفي ومتطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني فقدوا حياتهم منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينهم ما لا يقل عن 31 أثناء أداء واجبهم وهم يحملون شارة الهلال الأحمر. كما تعرضت سيارات إسعاف ومواقع طبية لأضرار واعتداءات متكررة. وفي حادثة واحدة في رفح في آذار/مارس 2025، أعلن الاتحاد الدولي استشهاد ثمانية من مسعفي ومتطوعي الجمعية أثناء استجابتهم لمهمة إسعافية.

حين نضع الكأس إلى جوار هذه الحقيقة، تتغير دلالة الفوز.

إنه ليس انتصارا في تقنية الضغط على جرح، أو في سرعة الإنعاش، أو في إدارة سيناريو طوارئ فحسب. إنه اعتراف عالمي بأن مؤسسة فلسطينية استطاعت، رغم كل ما مرت به، أن تحافظ على المهنية، والانضباط، والتدريب، والابتكار، والقدرة على التعلم والتطور.

وهذه نقطة ينبغي ألا تمر سريعا.

نحن الفلسطينيين بحاجة إلى أن نتوقف عند نماذج النجاح المؤسسي لدينا، لا لكي نصفق لها يوما ثم ننساها، وإنما لكي نتعلم منها. الهلال الأحمر يقدم درسا واضحا: المؤسسات القوية لا تصنعها الشعارات، بل التدريب المستمر، وتراكم الخبرة، والعمل الجماعي، وإعطاء الشباب والمتطوعين مساحة حقيقية، وربط المؤسسة بمجتمعها، والانفتاح على أفضل المعايير الدولية.

ولهذا أرى في هذا الفوز رسالة تتجاوز الهلال الأحمر نفسه.

ففلسطين التي نريدها يجب أن تنافس العالم بالمعرفة والكفاءة والانضباط. وعندما توضع الخبرة الفلسطينية أمام معيار عالمي حقيقي، فإن أبناء شعبنا قادرون على أن يكونوا في المقدمة.

في دبي لم تطلب فلسطين استثناءا، ولم تفز بالتعاطف معها.

دخل الفلسطينيون إلى ميدان مهني دولي، خضعوا للمعايير نفسها التي خضع لها الآخرون، ثم خرجوا في المركز الأول.

وهنا تكمن عظمة الإنجاز.

ومن واجبنا اليوم أن نقول شكرا.
شكرا لرجال ونساء الإسعاف الفلسطيني الذين نراهم في اللحظات التي يكون فيها الآخرون في أشد الحاجة إليهم.

شكرا لسائقي سيارات الإسعاف، وللمسعفين، وللفنيين، وللطواقم الطبية والإدارية، وللعاملين في غرف العمليات والمستشفيات والنقاط الطبية.

وشكرا بصورة خاصة لذلك الجيش الهادئ من المتطوعين والمتطوعات الذين يقدمون وقتهم وجهدهم وخبرتهم دون انتظار مقابل أو شهرة ، فالتطوع في الهلال الأحمر ليس هامشا من هوامش المؤسسة، بل أحد أعمدتها الكبرى.

وشكرا لمن يدرب هؤلاء الشبان والشابات، ولمن يبني البرامج ويطور المهارات، ولمن يعمل بعيدا عن الكاميرات حتى يصل فريق فلسطيني ذات يوم إلى دبي ويقول للعالم، بالفعل لا بالكلام : هذه هي الكفاءة الفلسطينية.

وإذا كانت البطولة العالمية تحتفي بالابتكار وبناء قدرة المجتمع على إنقاذ الحياة، فإن الإنجاز الفلسطيني يجب أن يتحول إلى مشروع أوسع داخل فلسطين. علينا أن نطمح لأن تصبح ثقافة الإسعاف الأولي جزءا من ثقافتنا العامة ، في المدارس والجامعات والمؤسسات والقرى والمخيمات والأحياء، وأن يصبح وجود شخص مدرب على الإسعافات الأولية في كل بيت ومكان عمل هدفا وطنيا، وهو الاتجاه نفسه الذي تتبناه رؤية الاتحاد الدولي للإسعافات الأولية حتى عام 2030.

الهلال الأحمر الفلسطيني اليوم لم يحمل كأسا فقط.
لقد رفع اسم فلسطين في ميدان من أنبل ميادين المنافسة الإنسانية: من هو الأقدر على إنقاذ حياة الإنسان؟
وكان الجواب: الفلسطينيون في الصف الأول.

مبارك لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، لرئيسها وإدارتها وكوادرها وفروعها، ولطاقمها الذي مثل فلسطين وحقق هذا الإنجاز التاريخي.

ومبارك لمسعفينا ومتطوعينا الذين يستحقون منا أكثر من كلمات الشكر ، يستحقون أن نعرف أسماءهم، وأن نحفظ تضحياتهم، وأن نوفر لهم الحماية والتدريب والإمكانات التي تليق بحجم الرسالة التي يحملونها.

أما الذين غابوا منهم وهم في طريقهم لإنقاذ الآخرين، فإن هذا الكأس يحمل شيئا من أسمائهم أيضا.

لقد علمنا رجال ونساء الهلال الأحمر الفلسطيني درسا بالغ البساطة والعظمة:
قد تكون أقوى صورة لفلسطين أمام العالم ليست يدا تحمل سلاحا ولا خطابا فوق منصة، بل يد مسعف تمتد لإنقاذ حياة.
وهذه فلسطين التي تستحق أن نفخر بها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد