شبكة راية الإعلامية - 8/25/2026 8:46:21 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. عدنان ملحم
صديقي أبا يعرب ،
أريد أن أسألك سؤالاً ، وأعرف مسبقا أنني لن أستطيع أن أشرح لك حكايته من دون أن تؤلمني : هل تعرف دار رعاية مسنين محترمة ونظيفة يمكن أن أضع فيها أبي ؟ أخبروني عن مؤسسة مميزة في بلدتكم عنبتا .
أبي في الخامسة والسبعين . منذ وفاة أمي قبل سبع سنوات ، أصبح يعيش وحيدا تقريبا . تقدمت به السن ، وتراجعت صحته ، ولم يعد قادرا على تدبير شؤونه كما كان . يحتاج إلى من يهتم بطعامه ونظافته ودوائه ، وإلى من يكون قريبا منه حين يحتاج إلى يد تسنده أو صوت يطمئنه .
نحن خمسة إخوة . كبرنا، تزوجنا ، وأصبح لكل واحد منا بيت وأبناء وعمل ومسؤوليات . بعضنا يقيم بعيدا ، وبعضنا تتطلب ظروف عمله وحياته تنقلا دائما . وفي النهاية وجدنا أنفسنا أمام واقع لم نكن نريد الوصول إليه .
جلسنا طويلا نتحدث ونبحث عن حل . كل واحد منا حاول أن يشرح ظروفه ، حتى وصلنا إلى الحقيقة التي كانت أصعب من كل الكلام : لا أحد منا يستطيع أن يستضيف أبي في بيته ويتفرغ لرعايته كما يحتاج .
وهكذا ظهر السؤال الذي لم أتخيل يومًا أن أسأله : أين نضع أبانا ؟ منذ ذلك اليوم، كلما خطر السؤال في بالي ، أخذني إلى زمن آخر .
أتذكر أبي قبل خمسة وعشرين عاما . كان يعمل ثلاث وظائف . لم يكن يطارد حياة أفضل لنفسه ، بل كان يحاول أن يصنع لنا حياة أفضل . أقساط الجامعات ، ومصاريف البيت ، واحتياجات خمسة أبناء لا تنتهي .
كان يعود إلى البيت متعبا ، ومع ذلك ، إذا طلبنا أعطى . إذا احتجنا شيئا دبر أمره. إذا مرض أحدنا سهر إلى جانبه . وإذا تعثرنا كان أول من يمد يده .
كنا ننام مطمئنين لأننا نعرف أن هناك أبا يقف خلفنا . لم نكن نسأل يومها : كيف يستطيع؟ كان المهم بالنسبة لنا أنه يستطيع .
كنا نكبر ، وكان هو يستهلك عمره من أجلنا . كنا ندرس ، وكان يعمل . كنا نحلم ، وكان يدفع من صحته ثمنا لأحلامنا . كنا نبني مستقبلنا ، وكان يؤجل حياته من أجل ذلك المستقبل .
ولم أسمعه يوما يقول : ماذا ستفعلون لي عندما أكبر؟ أو من منكم سيرد لي ما أنفقت عليكم ؟. كان يعطي وكأن العطاء واجبه الطبيعي ، وكأن الأب لا ينتظر من أبنائه حسابا على ما قدمه لهم . واليوم، بعد أن كبرنا وأصبح لكل واحد منا بيته وأولاده وحياته ، أصبح أبي هو الرجل الذي يحتاج إلى قليل مما أعطانا طوال عمره .
وهنا أشعر بالخجل . الرجل الذي حملنا جميعا على كتفيه ونحن صغار، أصبح حمله ثقيلًا علينا بعدما كبرنا . لا أريد أن احمل زوجاتنا المسؤولية . لكل بيت ظروفه ، ولكل إنسان قدرته وحدوده ، وليس من العدل أن تصبح زوجة الابن مسؤولة وحدها عن رعاية والد زوجها .
أنا أتحدث عنّا نحن . عن خمسة أبناء كبروا بفضل أب واحد، ثم عجزوا عن أن يجدوا بينهم بيتًا يتسع لشيخوخته .
ربما تكون دار الرعاية حلا مناسبا . قد توفر له الطعام ، والدواء ، والنظافة ، والرعاية الصحية ، والأمان . وربما تكون أرحم له من أن يبقى وحيدا في بيت لا يستطيع أن يدير شؤونه فيه .
واتفقنا أن تُدفع تكاليف إقامته في دار المسنين من راتبه التقاعدي ، البالغ أربعمائة دينار ، ومن مئتي دينار أخرى كانت تُجبى من إيجار بيت العائلة الذي كان يقيم فيه وحيدا .
لكن هناك سؤالاً واحدا لا أستطيع ترتيبه في داخلي : هل نبحث عن دار رعاية لأبي لأن هذا هو الأفضل له ، أم لأن هذا هو الأسهل لنا؟ هذه هي المسألة التي تؤلمني . فالدار تستطيع أن تقدم له الطعام والدواء والرعاية، لكنها لا تستطيع أن تعطيه ابنًا يجلس إلى جواره . لن تعوضه عن صوت يعرفه ، أو يد تمسك يده ، أو حفيد يدخل عليه فيفرح ، أو ابن يمر عليه في الصباح ويسأله : كيف أصبحت اليوم يا أبي؟ .
الأب في آخر العمر لا يريد أن يسترد ما أنفقه علينا . لا يريد حسابا عن سنوات التعب ، ولا ثمن الليالي التي سهرها ، ولا المال الذي دفعه من أجل تعليمنا وتربيتنا . ربما يريد شيئا أبسط من كل ذلك : أن يشعر أنه ما زال له مكان في حياة أبنائه . وأن يعرف أن الرجل الذي أفنى عمره من أجلهم لم يتحول ، في شيخوخته ، إلى عبء يبحثون عمّن يحمله عنهم .
وأفكر أحيانا في أبنائنا نحن . هم يراقبوننا أكثر مما نعتقد . يرون كيف نعامل آباءنا ، ويتعلمون من أفعالنا قبل أن يتعلموا من كلامنا . إذا رأونا نبتعد عن آبائنا حين يكبرون، سيتعلمون أن الأب يصبح عبئا عندما يضعف. وإذا رأونا نبحث عن الأعذار ، سيتعلمون الأعذار . وإذا اعتذرنا عن رعايتهم بانشغالاتنا، فقد يأتي يوم تكون فيه انشغالاتهم هي العذر نفسه الذي سيستخدمونه معنا . نحن لا نربي أبناءنا بالكلام؛ نحن نكتب أمامهم الآن مستقبلنا بأيدينا .
ولهذا أخاف من السؤال أكثر مما أخاف من شيخوخة أبي . أخاف أن يكون ما نفعله به اليوم درسًا يتعلمه أبناؤنا، ثم يعيدونه علينا عندما نصل إلى العمر نفسه .
قد نجد لأبي دارا محترمة ونظيفة ، تقدم له الرعاية التي يحتاجها. وقد نرتب تكاليفها ، ونطمئن إلى طعامه ودوائه ونظافته . لكن هل يعني ذلك أن المشكلة انتهت؟ لا أظن . لأن القضية في حقيقتها ليست قضية دار مسنين ، القضية قضية أبناء .
وليست المشكلة أن أبا بلغ الخامسة والسبعين وأصبح يحتاج إلى الرعاية . المشكلة أن خمسة أبناء بلغوا من العمر ما يكفي ليعرفوا معنى الوفاء ، ومع ذلك لم يجدوا حتى الآن بينهم من يقول : " هذا أبي ، وأنا سأعتني به."
أصدقك القول ، أبا يعرب ، تمنيت كثيرا لو كانت ذرية والدي بنات . ربما سيجدن طريقة أخرى لرعايته ، ويتقاسمن فيما بينهن مسؤولية وجوده وحاجاته ، وربما أخذنه إلى بيوتهن ليقيم معهن . لكن هذه مجرد أمنية لا تغير واقعنا ؛ نحن خمسة أبناء ، ولكل واحد منا ظروفه وحساباته ، ومع ذلك لم ننجح حتى الآن في إيجاد حل ملائم .
لذلك يا صديقي ، ساعدني في العثور على المكان المناسب لأبي .
وساعدني أيضًا في الإجابة عن سؤال آخر ، أشد قسوة من سؤال دار الرعاية : كيف فشلنا في رد الجميل لأب أمضى عمره كله يحملنا ؟. كيف عجزنا عن تقديم الرعاية له ، عندما احتاجها منا؟ . ومتى أصبح الوفاء واجبا نتجادل حول كيفية توزيعه بدل أن يكون فعلا طبيعيا بين الأب وأبنائه ؟.
أخشى أن يكون أقسى ما في الشيخوخة ليس ضعف الجسد ، بل خيانة الضمير . وأخشى أكثر أن يكون أقسى ما يمكن أن يكتشفه الأب في آخر عمره أن أبناءه الذين كان يحملهم بالأمس ، أصبحوا اليوم يبحثون عمن يحمله عنهم.
ملاحظة مهمة: بعيدًا عن مواضيع السياسة التي أهوى، القصة الواردة أعلاه حقيقية، حدثت في مكان ما. أما النص، فهو صناعة ذاتية جُبلت بالوجع والخذلان، وربما بالبكاء أحيانا ؛ فاقتضى التنويه .
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


