من الخليل بدأنا... لكن هدفنا أن تصل غرفة العمليات إلى كل طفل فلسطيني
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: طارق شديد

هناك لحظات في العمل الإنساني لا يمكن أن تمرّ كأي يوم عادي؛ لحظات تشعر فيها بأن كل الاجتماعات والاتصالات وساعات العمل، وكل العقبات التي بدت في وقت ما أكبر من قدرتك على تجاوزها، كانت تستحق كل هذا العناء.

كان افتتاح أول غرفة عمليات أطفال تابعة لمنظمة Kids Operating Room (KidsOR) في الضفة الغربية، في المستشفى الأهلي بمدينة الخليل، إحدى هذه اللحظات بالنسبة لي. لم تكن مجرد غرفة جديدة أُضيفت إلى مستشفى، بل كانت بداية لمشروع نؤمن في المنظمة بأنه قادر على تغيير واقع رعاية الأطفال الجراحية في الضفة الغربية، وأن يمنح الأطفال شيئًا يبدو بسيطًا، لكنه بالغ الأهمية في حياتهم: فرصة الحصول على عملية جراحية آمنة، في المكان والوقت المناسبين.

وقبل أن أتحدث عن هذا الإنجاز، أريد أن أتوقف عند الشخص الذي كان وراءه، وأقول له شكرًا بشكل مباشر.

ديفيد كونينجهام، المدير التنفيذي لمنظمة Kids Operating Room، كان السبب الرئيسي والحقيقي وراء وصولنا إلى هذه اللحظة. لأكثر من عامين متواصلين، راهن ديفيد على أن هذا الحدث سيحدث، رغم كل الصعوبات والعقبات التي واجهتنا. عمل ليل نهار، وتواصل مع كل شخص يمكن أن يساعد، وسافر إلى أبرد المناطق وإلى أكثر المناطق حرارة ليقنع الجميع بأننا سنتمكن من تحقيق هذا الإنجاز. وحتى عندما تطلب الأمر، سافر إلى مناطق شديدة الخطورة لإنجاز المهمة.

لم يكن إيمانه بالمشروع مجرد كلمات أو حماس عابر؛ كان التزامًا يوميًا ومستمرًا، وإصرارًا على ألا نسمح للعقبات بأن تحدد ما يمكننا تحقيقه. ولهذا، فإن هذه الغرفة تحمل في تفاصيلها الكثير من ذلك الإصرار والعمل الذي بذله ديفيد على مدى أكثر من عامين.

وعندما أقف اليوم أمام غرفة العمليات في الخليل، أعرف أن وراء كل جهاز فيها، وكل قطعة من تجهيزاتها، وكل خطوة أوصلتنا إلى افتتاحها، قصة من العمل والاتصالات والإصرار لم تبدأ يوم الافتتاح، بل بدأت قبل ذلك بسنوات.

على مدى أشهر، عمل فريقنا على تنفيذ هذا المشروع في ظل ظروف معقدة للغاية. كان علينا إيصال أكثر من 3,000 قطعة من المعدات الطبية المتخصصة إلى الخليل، ثم تركيبها وتجهيزها لتصبح غرفة عمليات متكاملة ومخصصة للأطفال. وكانت هذه واحدة من أصعب عمليات التنفيذ التي خضناها، لكننا في النهاية وقفنا داخل المستشفى الأهلي أمام غرفة جاهزة لاستقبال الأطفال.

في تلك اللحظة، تصبح الأرقام أقل أهمية، لأن الحقيقة هي أن خلف كل عملية جراحية طفلًا، وخلف كل طفل أمًّا وأبًا ينتظران، وخلف كل انتظار خوفًا وقلقًا وأملًا.

قبل افتتاح هذه الغرفة، كان الأطفال في المستشفى الأهلي يخضعون لعملياتهم في غرف مشتركة مع خدمات جراحية أخرى، وكانت العمليات المخصصة للأطفال تُجرى في أيام محدودة من الأسبوع، فيما بقي أطفال كثيرون على قوائم انتظار طويلة لعمليات يحتاجون إليها.

وقال الدكتور يوسف التكروري، المدير العام للمستشفى الأهلي، في حديثه عن الغرفة الجديدة: «هناك قائمة انتظار طويلة للأطفال الذين يحتاجون إلى هذه العمليات، وبعضهم ينتظر وقتًا طويلًا لإجراء الجراحة». ثم أوضح أن الغرفة الجديدة ستتيح للمستشفى إجراء العمليات طوال أيام الأسبوع، وستكون مخصصة للأطفال وجراحات قلب الأطفال.

بالنسبة لي، لا تمثل هذه الغرفة مجرد زيادة في عدد غرف العمليات، بل زيادة في عدد الفرص؛ فرصة لطفل للحصول على العلاج في الوقت المناسب، وفرصة لعائلة كي تسمع خبرًا جيدًا بدلًا من الاستمرار في الانتظار، وفرصة لطبيب وجراح وممرض فلسطيني للعمل في المكان وبالتجهيزات التي يحتاجونها فعلًا.

وعندما تحدث المؤسس ورئيس مجلس إدارة Kids Operating Room، غاريث وود، خلال الافتتاح، كانت كلماته قريبة جدًا من جوهر ما نحاول القيام به، إذ قال: «الأطفال في الضفة الغربية ما زالوا يصابون بالتهاب الزائدة الدودية، وما زالوا يولدون بحالات تحتاج إلى جراحة. الصراع لا يغير ذلك، لكنه يجعل حصولهم على الرعاية التي يحتاجون إليها أكثر صعوبة».

تلخص هذه الكلمات الكثير؛ فالمرض لا ينتظر انتهاء الأزمات، والطفل لا يستطيع تأجيل حاجته إلى العملية حتى تتحسن الظروف، ولهذا لا نستطيع نحن أيضًا أن ننتظر، بل نذهب إلى حيث تكون الحاجة.

منذ البداية، لم يكن هدفنا بناء غرفة واحدة في الخليل ثم اعتبار المهمة منتهية، بل كان هدفنا بناء منظومة متكاملة تضم ثلاث غرف عمليات أطفال في الخليل وبيت لحم وأريحا، توفر للفرق الطبية الفلسطينية البنية التحتية التي تحتاجها لعلاج عدد أكبر من الأطفال بطريقة أكثر أمانًا. وتشير تقديرات المنظمة إلى أن الغرف الثلاث، عند تشغيلها، يمكن أن تتيح إجراء ما يصل إلى 6,000 عملية إضافية للأطفال سنويًا في الضفة الغربية.

واليوم، بينما نحتفل بإنجاز الخليل، نستعد للخطوة الثانية. لقد أصبحت غرفة العمليات في مستشفى بيت جالا ممولة بالكامل، ونحن جاهزون للبدء في تنفيذها، وقريبًا ستصل تجهيزاتها إلى المستشفى.

يحمل هذا الخبر بالنسبة لي معنى خاصًا، لأننا لا نريد أن يبقى الطفل في بيت لحم مضطرًا إلى البحث عن فرصة للعلاج في مكان بعيد. نريد أن تكون الرعاية الجراحية المتخصصة أقرب إليه، وأن تكون غرفة العمليات جاهزة عندما يحتاج إليها.

وقد عبّر الدكتور فراس، جراح الأطفال في مستشفى بيت جالا، عن حجم الحاجة عندما أوضح أن مفهوم غرفة العمليات المخصصة للأطفال غير موجود هناك، وأن إنشاءها «سيخفف معاناة أطفال بيت لحم». وهذا بالضبط ما نريد أن نفعله: أن نخفف المعاناة.

ولا يتوقف مشروعنا في الضفة الغربية عند تجهيز غرفتي الخليل وبيت جالا، ففي أريحا نعمل على الجزء الأكبر والأكثر طموحًا من المشروع، والمتمثل في بناء امتداد متكامل داخل المستشفى، يكون مخصصًا لتطوير قدرات جراحة الأطفال وتوفير البنية التحتية اللازمة لها.

لقد تمكّنا من تأمين جزء من التمويل اللازم لهذا المشروع، وما زلنا نعمل على استكماله، وأتمنى أن ننجح قريبًا في إنجاز هذه المهمة أيضًا. فأنا لا أنظر إلى هذا المشروع باعتباره مجموعة من المباني أو الأجهزة الطبية، بل أراه شبكة أمان للأطفال.

كل غرفة جديدة تعني طاقة استيعابية أكبر، وكل جهاز يصل يعني طبيبًا يستطيع أن يؤدي عمله، وكل مساحة طبية جديدة تعني طفلًا يمكن أن يدخل إلى المستشفى وهو بحاجة إلى عملية، ثم يغادره عائدًا إلى بيته وعائلته.

وما نقوم به في الضفة الغربية ليس مشروعًا ينتهي عند محطات الخليل وبيت لحم وأريحا. شخصيًا، لن أتوقف عن العمل على إضافة مشاريع جديدة، وتحديدًا في جنين ونابلس، لأن هناك أطفالًا في كل مدينة وقرية فلسطينية يحتاجون إلى جراحة آمنة، وهناك أطباء وفرق طبية يمتلكون الخبرة والاستعداد، لكنهم يحتاجون إلى المساحة والتجهيزات والإمكانات التي تسمح لهم بتحويل خبراتهم إلى علاج ينقذ حياة الأطفال.

في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في غياب الطبيب، بل في غياب المكان المناسب، وهنا يمكن لمنظمة Kids Operating Room أن تُحدث فرقًا حقيقيًا. نحن لا نحاول أن نحل محل النظام الصحي الفلسطيني، بل نعمل على دعمه وبناء البنية التحتية التي تمكّن الأطباء الفلسطينيين من القيام بما يعرفون جيدًا كيف يفعلونه: علاج أطفالهم.

ومع كل ما ننجزه في الضفة الغربية، يبقى هناك هدف أكبر حاضر في ذهني دائمًا: غزة.

هدفنا لا يقتصر على علاج أطفال الضفة الغربية، بل نريد أن نصل إلى اليوم الذي يستطيع فيه أطفال غزة الوصول إلى هذه الغرف والمراكز لتلقي العلاج عندما تسمح الظروف بذلك، وأن نتمكن كذلك من بناء قدرات جراحية متخصصة للأطفال داخل قطاع غزة نفسه.

بالنسبة لي، هذا هو الاختبار الحقيقي. يمكنني أن أفرح اليوم بغرفة الخليل، وأن أكون فخورًا بأن غرفة بيت جالا أصبحت ممولة بالكامل، وأن أحلم باليوم الذي نستكمل فيه مشروع أريحا ونبدأ مشاريع جديدة في جنين ونابلس، لكن الإنجاز الذي سيعني لي أكثر من أي شيء آخر سيكون اليوم الذي نبدأ فيه العمل داخل غزة؛ اليوم الذي نضع فيه الأساس على الأرض، ويبدأ فيه البناء، ونقول فيه: هذه غرفة عمليات أطفال في غزة، وستكون هنا لعلاج أطفال غزة.

هذا هو هدفي الأكبر، لأنني لا أريد لمشاريعنا أن تكون مجرد استجابة للأزمة، بل أريدها أن تكون جزءًا من إعادة بناء المستقبل. أريد أن نصل إلى مرحلة لا يكون فيها الطفل الفلسطيني مضطرًا إلى السفر بحثًا عن غرفة عمليات مناسبة؛ أن تكون الغرفة موجودة حيث يعيش، وأن يكون الطبيب موجودًا، والمعدات متوفرة، والفرصة متاحة.

عندما وقفنا في المستشفى الأهلي وافتتحنا الغرفة الأولى، كنا نحتفل بإنجاز حقيقي، لكننا كنا نعرف في الوقت نفسه أنها ليست النهاية، بل البداية.

قال غاريث وود، المؤسس ورئيس مجلس إدارة Kids Operating Room، خلال الافتتاح: «لقد التزمنا بإنشاء ثلاث غرف عمليات في الضفة الغربية، وسوف ننفذها».

وأنا أؤمن بهذه الجملة تمامًا.

سوف ننفذها، ثم سنبحث عن المكان التالي، والمدينة التالية، والطفل التالي؛ فالعمل الإنساني الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد المشاريع التي أنجزناها، بل بعدد الأبواب التي فتحناها أمام من لم تكن أمامهم فرصة.

اليوم، لدينا غرفة عمليات أطفال في الخليل، وقريبًا ستصل غرفة بيت جالا، ونحن نعمل من أجل أريحا، ونفكر في جنين ونابلس، لكن عيوننا ستبقى على غزة.

وسيظل هدفي الأكبر هو الوصول إلى اليوم الذي لا نكتفي فيه بالحديث عن علاج أطفال غزة، بل نبدأ فعليًا ببناء المكان الذي سيعالجهم.

قد يكون الطريق طويلًا، وقد تكون العقبات كثيرة، لكنني تعلمت من هذا المشروع شيئًا واحدًا: عندما يكون الطفل هو الهدف، لا يمكن أن يكون التوقف خيارًا.

وسنستمر.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد