أسباب وذرائع قد تحول دون إجرائها
وكالة سوا الاخبارية -
2026/08/27

إذ لا مجال أبداً للنقاش في أهمية إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني الفلسطيني، بعد أعوام كثيرة من غيابها، فإن ثمة فرقاً بين أن تتم بناء على قرار فلسطيني، واستناداً إلى القانون، وبين أن تتم تلبية لاستحقاقات خارجية، كجزء أساس من عملية الإصلاح التي تطالب بها الدول الأوروبية.

الانتخابات مطلوبة لتجديد شرعية السلطات، ومطلوبة لتجديد العقد الاجتماعي، ومطلوبة لإنهاء الانقسام، وتعزيز الشراكة الوطنية ومطلوبة لتعزيز الهوية الديمقراطية للنظام السياسي الفلسطيني، ولإعادة بناء الثقة بين المواطن والمسؤول ولإعادة صياغة المشروع الوطني واستعادة الثقة لدى المجتمع الدولي بحق وقدرة الفلسطينيين على تقرير مصيرهم بأنفسهم.

الانتخابات مطلوبة وضرورية في كل وقت، وبالرغم من الظروف الاستثنائية التي يمر بها الشعب الفلسطيني وقضيته، شرط أن يتوفر الحد الأدنى من الشروط التي تضمن سلامة وأمن ونزاهة الانتخابات، وضمان وصول الناخبين لممارسة حقهم بحرية، وبضمان رقابة دولية ومحلية تحول دون أي تدخل أو تزوير.

الانتخابات المزمع إجراؤها في الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم، ستتم وفق المرسوم الرئاسي الذي تضمن تعديلات معقولة بشأن سن الترشح ونسبة الحسم، ولكنه أي المرسوم تضمن بنداً إقصائياً، إذ يشترط على المرشحين أفراداً أو قوائم التوقيع على الالتزام ببرنامج منظمة التحرير، بما ينطوي عليه من التزامات، كانت موضع خلاف عميق وواسع بين الفصائل الفلسطينية.

وضع هذا الشرط، في ظل التداعيات التي أحدثها طوفان الأقصى، خصوصاً فيما يتعلق بالموقف الدولي والعربي من حماس والجهاد الإسلامي، والموقف الاسرائيلي الأميركي خصوصاً. كان من المتوقع أن يقابل من الحركتين بالاستنكاف، بناء على مواقفهما السياسية المعلنة منذ زمن طويل.

في الحقيقة فإن شرط التوقيع على وثيقة تنص على الالتزام ببرنامج منظمة التحرير، يضع الحركتين في حرج شديد، فالمشاركة في الانتخابات ستعد تراجعاً عن سياستهما وربما تشكل رسالة نحو استعدادهما للتخلي عن المقاومة المسلحة، والانخراط في برنامج تسوية يقوم على اتفاقية أوسلو.

حركة حماس التي تتمتع بقدر عال من البراغماتية، فاجأت الجميع حين، أصدرت بياناً يدعو الناخبين للتسجيل، وانخرطت في لقاءات ومفاوضات من أجل المشاركة، غير أن المفاجأة الأهم جاءت من حركة الجهاد الإسلامي التي تتخذ موقفاً حاداً من برنامج المنظمة ومن الانخراط في أي انتخابات ذات أبعاد سياسية، لم تصدر حركة الجهاد الإسلامي بياناً أو موقفاً، يشير إلى استعدادها للانخراط والمشاركة في الانتخابات ولكنها تنخرط في مفاوضات تشكيل القوائم والتحالفات.

هذان الموقفان، أحدثا إرباكاً في حسابات حركة فتح والسلطة عموماً، نظراً لتأثيرهما في توازن القوى على مستوى المنظمة والسلطة، وتحسباً لما ينتج عن انخراطهما من تداعيات سياسية سواء بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل وكذلك الاتحاد الأوروبي وربما بالنسبة لبعض الدول العربية التي لا تزال تناصب جماعة الإخوان المسلمين العداء.

إذا كانت الإدارة الأميركية مضطرة للتعامل مع واقع وجود حماس في المشهد السياسي والاجتماعي الفلسطيني، فإن إسرائيل التي لا تزال تشن الحرب لاجتثاث الحركة، ستتذرع بمشاركتها في الانتخابات كي تصنف النظام السياسي الفلسطيني برمته بالإرهاب.

إذا كانت هذه الحسابات فاجأت حركة فتح، فإنها فتحت على حسابات مربكة أكثر، إزاء ما يقال عن اتفاق أو إمكانية الاتفاق على تحالف بين الحركة، والتيار الذي يترأسه عضو اللجنة المركزية السابق محمد دحلان .

عند الحديث عن مثل هذا التحالف، فإن الموضوع ليس فقط يتعلق بالكم، بمعنى ما تحصل عليه كتلة مشتركة من مقاعد سيكون كبيراً وإنما بالأبعاد السياسية، إذ إن مشاركة التيار، تنطوي على أبعاد عربية جزئياً ودولية، حيث يتمتع زعيمه بعلاقات واسعة على المستويين.

تبحث حركة فتح عن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الجبهتين الشعبية والديمقراطية باعتبارهما من عظام رقبة منظمة التحرير الفلسطينية، وحيث إن هاتين الجبهتين بالإضافة إلى المبادرة، لم تحسما موقفهما إزاء خيارات التحالف مع فريق حماس والتيار والجهاد أو فريق حركة فتح، والفصائل التي بقيت إلى جانب فتح.

في الواقع فإن الانتخابات ستشهد تشكيل قوائم كثيرة يعتقد البعض أنها قد تصل إلى أربعين، خصوصاً أن هناك أعداداً كبيرة من المستقلين الذين ينتقدون كل الفصائل، ويعتمدون خطاب نزع الثقة عنها واتهامها بالمسؤولية عما يعتبرونه كوارث حلت بالشعب الفلسطيني. الواقع أن ثمة دعوات لرأب الصدع في حركة فتح، نحو استعادة وحدتها، إلا أن شروط تحقيق ذلك، تمنع من التفاؤل رغم وجاهة تلك الدعوات.

إذا تجاوزنا كل هذه التعقيدات والحسابات، فإن إسرائيل لم تقل كلمتها بعد، ذلك أن موقفها من إمكانية إجراء الانتخابات، يشكل عاملاً قوياً قد لا تفلح أي تدخلات خارجية في استبعاد إقدامها على وضع عراقيل صعبة أمام إمكانية إجرائها.

مبدئياً، من المستبعد أن تسمح إسرائيل للجان وفرق الرقابة الدولية على الانتخابات بدخول الأراضي المحتلة ليس بهدف التعطيل وحسب بل لمنع قيام هذه الفرق من الاطلاع على ما يجري، وما تقوم به إسرائيل من انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين.

ثمة أسئلة أخرى مهمة برسم لجنة الانتخابات التي يترأسها رامي الحمد الله، وتتعلق ب القدس ، التي كانت سبباً في تعطيل الانتخابات في مرات سابقة، إذا كان التصويت الإلكتروني مستبعداً حسب لجنة الانتخابات، فأين ستوضع صناديق الاقتراع للمقدسيين، وهل تسمح إسرائيل لهم بالمشاركة؟

أما عن غزة ، فإن الأمر أكثر تعقيداً في ظل استمرار الحصار والعدوان الإسرائيلي وغياب السجل الانتخابي، قد يجري التعويض عن غياب السجل الانتخابي بالسجل المدني، ولكن ماذا عن أعداد كبيرة من المفقودين وماذا عن كثير من المواطنين الذين فقدوا أوراقهم الثبوتية بسبب القصف والنزوح والتلف؟ وهل ستسمح إسرائيل بدخول فرق الرقابة الدولية، وماذا عن الجهة المسؤولة عن أمن صناديق الاقتراع. وهل ستتمكن لجنة الانتخابات الفلسطينية من تأمين وإدخال أدواتها الخاصة بإجراء الانتخابات التي ستجعلها إسرائيل عملية قيصرية شديدة الخطورة؟.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد