خاص | تصنيف الطائرات الورقية في غزة كنشاط مسلح يفتح الباب أمام تصعيد خطير
شبكة راية الإعلامية -

حذّر المحلل السياسي والباحث في قضايا الصراع، الدكتور نزار نزال، من خطورة التعامل مع الطائرات الورقية التي تطلق من قطاع غزة باعتبارها نشاطًا عسكريًا مسلحًا، معتبرًا أن القضية لا تتعلق بالطائرات الورقية بحد ذاتها، وإنما بالمعيار الذي يجري وضعه لتحديد ما يمكن اعتباره خرقًا أمنيًا يستوجب ردًا عسكريًا.

وقال نزال في حديث لشبكة رايـــة الإعلامية، إن التعامل مع ظاهرة مدنية ارتبطت تاريخيًا بأطفال قطاع غزة ونشاطاتهم، وتصنيفها ضمن إطار عسكري مسلح، قد يفتح الباب أمام توسيع مفهوم التهديد الذي يمكن لإسرائيل الاستناد إليه لتنفيذ عمليات عسكرية.

وأضاف أن السؤال الأهم يتمثل في إمكانية اعتبار نشاط رمزي أو وسيط صادر من قطاع غزة خرقًا أمنيًا يستوجب ردًا عسكريًا، مشيرًا إلى أن إدخال الطائرات الورقية والبالونات والطائرات المسيّرة ضمن إطار واحد للتهديد يوسّع تلقائيًا مساحة العمل العسكري المتاحة أمام إسرائيل.

توسيع تعريف التهديد

وأوضح نزال أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس سبق أن هددا باتخاذ إجراءات شديدة، بما في ذلك استهداف المسؤولين وإخلاء السكان من المناطق التي تنطلق منها هذه الأنشطة.

ورأى أن الدلالة السياسية الأخطر تكمن في توسيع تعريف التهديد الأمني، لأن ذلك قد يؤدي تلقائيًا إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن الأمر يكتسب أهمية أكبر عندما يدخل طرف دولي أو سياسي في هذا التوصيف.

وقال إن تبني مسؤول في «مجلس السلام» توصيف الأنشطة التي تشمل إطلاق الطائرات الورقية باعتبارها أنشطة مسلحة يجب أن تتوقف، قد يمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا إضافيًا، رغم أن المجلس طالب إسرائيل في الوقت ذاته بالالتزام بوقف إطلاق النار وعدم تجاوز مبدأ الاستجابة للتهديدات الحقيقية والوشيكة.

وأكد أن هذا الموقف لا يعني، بالضرورة، تفويضًا لإسرائيل بالتصعيد، لكنه يضع الطائرات الورقية للمرة الأولى ضمن آلية التعامل مع خروقات وقف إطلاق النار.

مخاوف من صناعة سردية تمهّد للتصعيد

وأشار نزال إلى وجود ما وصفها بمحاولة لصناعة سردية تمهيدية للتصعيد، بحيث يمكن أن تتحول التطورات الصغيرة إلى حلقات متتابعة في «سلم تصعيدي» يسمح لإسرائيل لاحقًا بالقول إن قطاع غزة هو من بدأ بخرق التهدئة.

وقال إن هذا السيناريو يكتسب خطورة خاصة في ظل هشاشة وقف إطلاق النار، وفي ظل تحذيرات من الوصول إلى «نقطة اللاعودة» في حال انهياره.

ورأى أن إسرائيل قد تكون بحاجة إلى إبقاء جبهة غزة ضمن الجبهات القابلة للتصعيد، معتبرًا أن الحديث عن الطائرات الورقية قد يكون جزءًا من محاولة لصناعة قضية أو سردية يمكن استخدامها سياسيًا وأمنيًا في المرحلة المقبلة.

وأضاف أنه إذا بدأت خلال الأيام المقبلة بالظهور عناوين تربط بين «الطائرات الورقية» و«النشاط المسلح» و«التهديد الأمني» و«خرق وقف إطلاق النار»، فقد يكون ذلك مؤشرًا على بناء تدريجي لمبررات التصعيد.

استحضار أحداث عام 2018

وحول سبب التركيز على الطائرات الورقية تحديدًا، أوضح نزال أن الأمر يرتبط بالذاكرة التي خلفتها أحداث عام 2018، عندما استخدمت الطائرات الورقية والبالونات الحارقة خلال احتجاجات قطاع غزة، وتسببت في اندلاع حرائق داخل المناطق الإسرائيلية المحاذية للقطاع.

وأشار إلى أن إسرائيل تستطيع استدعاء تلك الذاكرة وتقديم الطائرات الورقية الحالية باعتبارها عودة إلى نمط سابق من المواجهة، رغم أن التقارير الحالية تتحدث عن طائرات ورقية غير حارقة.

وأضاف أن فحص هذه الأجسام من قبل الجيش الإسرائيلي، وفق ما أُشير إليه في الحديث، أظهر عدم احتوائها على مواد متفجرة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى إمكانية استخدامها ذريعة لعمل عسكري واسع.

الطائرات الورقية قد تكون ذريعة لا سببًا للحرب

ورأى نزال أن الطائرات الورقية قد تتحول إلى «ذريعة» وليست بالضرورة سببًا حقيقيًا لأي تصعيد عسكري واسع.

وقال إن السؤال في حال وقوع عملية عسكرية إسرائيلية كبيرة سيكون: هل كانت الطائرات الورقية هي السبب الحقيقي، أم أنها مجرد حدث استُخدم لتبرير قرار تصعيد كان موجودًا أصلًا؟

واعتبر أن إسرائيل، إذا كانت تبحث عن التصعيد، يمكنها أن تجد مبررات متعددة، مشددًا على أن القضية في جوهرها لا تتعلق بطائرة ورقية، وإنما بالسياق السياسي والأمني الذي يجري وضعها فيه.

انتقادات لغياب التوازن في التعامل مع وقف إطلاق النار

وفي حديثه عن التحذير الموجه إلى قطاع غزة عبر «مجلس السلام»، رأى نزال أن المشهد يعكس، بحسب تقديره، انسجامًا بين مواقف أمريكية وأوروبية وإسرائيلية في إدارة الصراع.

وقال إن إدارة الصراع كانت في السابق تحتاج إلى وسيط بين الأطراف، لكن عندما ينسحب الوسيط من دوره، فإن ذلك قد يعني ضمنيًا توافقًا مع أحد الأطراف على حسم الصراع بدلًا من إدارته.

وأضاف أن الولايات المتحدة وأوروبا، بحسب تقديره، ابتعدتا عن إدارة الملف الفلسطيني، ما يمنح إسرائيل مساحة أكبر للانتقال من سياسة «إدارة الصراع» إلى محاولة «حسم الصراع» مع الفلسطينيين، في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء.

الضفة الغربية جزء من المشهد

وربط نزال بين التطورات في قطاع غزة وما يجري في الضفة الغربية، متسائلًا عن طبيعة التهديد الذي تواجهه إسرائيل في الضفة، وما إذا كان بالفعل يماثل تهديدًا عسكريًا واسعًا، أم أن الإجراءات الإسرائيلية نفسها قد تدفع السكان إلى الاحتجاج والتصعيد.

ورأى أن إعطاء إسرائيل مساحة أكبر للتحرك دون ضغوط دولية كافية قد يؤدي إلى تصعيد أوسع، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في طبيعة النشاط المحدد، سواء كان طائرة ورقية أو غير ذلك، وإنما في إمكانية استخدام أي حدث صغير لتبرير عملية عسكرية كبيرة.

تحذير من تحويل الأحداث الصغيرة إلى مبررات للحرب

وقال نزال إن إسرائيل، إذا أرادت إيجاد مبرر للتصعيد، يمكنها أن تربط ذلك بأشكال مختلفة من النشاط المدني أو الإعلامي أو الرقمي، مشددًا على أن تحويل أحداث رمزية إلى تهديدات أمنية يمثل تطورًا خطيرًا في معايير التعامل مع وقف إطلاق النار.

وختم بالقول إن المسألة لا تتعلق بالطائرات الورقية، وإنما بالسياق الذي يمكن أن تُستخدم فيه هذه الأحداث لتبرير الحرب أو تأجيل الاستحقاقات السياسية الداخلية في إسرائيل، محذرًا من أن تحويل أي نشاط محدود إلى مبرر للتصعيد قد يقود إلى انهيار التهدئة الهشة.



إقرأ المزيد