خاصl لقاءات سوريا مع مسؤولي الاحتلال… ماذا في خلفية المشهد؟
شبكة قدس الإخبارية -

خاص قدس الإخبارية: يظهر من إجراءات الاحتلال، وتصريحات قادته، أبرزهم رئيس الحكومة ووزير الحرب، تصميماً على الاستمرار في مخطط السيطرة على الجنوب السوري، مع مناطق أخرى في الأراضي العربية (جنوب لبنان، والجولان، والضفة الغربية، والقدس)، مع المساحات المحتلة منذ 1948.

ويتعمد قادة الاحتلال تكرار التصريحات عن التمسك باحتلال مناطق في الجنوب السوري، تحت مزاعم حماية المستوطنات الإسرائيلية في الجولان السوري وشمال فلسطين المحتلة، بناء على ما تسميه دوائر الأمن والسياسة في دولة الاحتلال "الاستفادة من دروس السابع من أكتوبر"، ومع كل تصريح أو حراك في سوريا، سواء لجهة الحديث عن التوصل لاتفاق أمني مع "إسرائيل"، أو مفاوضات مع وفد أمني، أو تحرك عسكري، يتوجه جيش الاحتلال نحو تنفيذ ضربات، ويجري وزراء ومسؤولون اقتحامات للأراضي السورية المحتلة، كما في جولات كاتس وزامير المتكررة.

وتعلن الدولة السورية الجديدة، المتولية أمور البلاد بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما لحقه من أحداث كان من أبرزها حملة جيش الاحتلال العدوانية لتدمير ما يتوفر في سوريا من مقدرات عسكرية، ودعمه للتمرد في السويداء بقيادة حكمت الهجري، صاحب الدعوات العلنية لفصل جبل العرب عن الأراضي السورية وضمه لـ"إسرائيل"، بدعم من شيخ الطائفة الدرزية في شمال فلسطين المحتلة، موفق طريف، تبنيها مساراً سياسياً وسلمياً، تقول إنها تأمل أن يؤدي إلى انسحاب قوات الاحتلال من الأراضي السورية المحتلة.

وقبل أيام، نفذ جيش الاحتلال عدواناً على مطار في شمال سوريا، بزعم أن تركيا حاولت استغلاله لأغراض عسكرية، في سياق المسار الإسرائيلي لتثبيت معادلات في المنطقة، تجعل منها راسمة للقواعد ومقررة لما هو مقبول وما هو مرفوض، وبعد ساعات من القصف، أعلنت وسائل إعلام من جنسيات مختلفة أن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، مع رئيس جهاز "الموساد"، رومان غوفمان، المقرب من رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو.

يمكن قراءة لقاء الشيباني مع رئيس "الموساد"، من زوايا مختلفة، ترتبط بتوجهات القوى المتعددة المصالح والاتفاقات والتنافرات، والمشتبكة بصورة ما في سوريا.

تسعى الإدارة السورية إلى الاستمرار في مسار سياسي، ترى أنه يؤدي إلى تواصل الرضا الدولي، وخاصة الأمريكي عنها، وهو ما تقدر أنها بحاجته، خاصة في سياق اكتساب الشرعية الدولية وتلقي الدعم.

وتحاول من خلال الدخول في مفاوضات للتوصل إلى "اتفاق أمني"، تقديم ضمانات لدولة الاحتلال والإدارة الأمريكية، أنها لا تشكل خطراً أو مصدر تهديد لـ"إسرائيل"، في عملية تشبه الدخول في نفق والسعي وراء ضوء ما في آخره، وهو هذه المرة إثبات انعدام نوايا عسكرية أو عدوانية.

في الوقت ذاته، تستفيد الدولة السورية من علاقاتها مع تركيا، الساعية إلى تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية، بعد نجاحها بصورة ما في إنجاح الثورة وإسقاط نظام الأسد، لكنها تواجه تأهباً إسرائيلياً يحاول فرض معادلات جديدة في سوريا، قوامه "استهداف التهديد قبل أن يصبح تهديداً".

وربما ترعى تركيا دخول الحكومة السورية في اتصالات مع قيادات في أجهزة الاحتلال، بهدف التقليل من أي احتكاك قد يؤدي إلى مواجهة واسعة في سوريا، في ظل التوجهات الإسرائيلية، عند تيارات مختلفة، نحو التحريض على الصدام مع تركيا، وقد أثبتت الحرب على إيران، واستهداف لبنان وسوريا واليمن وقطر والعراق، أن دولة الاحتلال مدعومة بإدارة أمريكية قائمة على أيدلوجيا إنجيلية - صهيونية، لن تتردد في حال توفرت لها ظروف مناسبة لاستهداف أي دولة في المنطقة، لتدعيم مشروع هيمنتها.

في المقابل، تسعى دولة الاحتلال لتثبيت استراتيجية إقامة مناطق أمنية في عمق الأراضي العربية، كما يحصل في قطاع غزة وسوريا ولبنان، وتهجير أكبر قدر من السكان، وربما في سنوات قادمة، في حال استمر الاحتلال، إقامة قواعد عسكرية ومستوطنات فيها، استمراراً لسياسة الحركة الصهيونية في الطمع بالسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وعزز من هذه السياسة وصول تيارات أيدلوجية من الصهيونية الدينية، تؤمن بضرورة إقامة ما تزعم أنها "إسرائيل الكبرى"، المتعدية لحدود فلسطين نحو الأراضي العربية.

وتحاول مع الإدارة الأمريكية، الالتفاف على الوقت، وابتزاز الأنظمة العربية، كما ظهر في المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، المثمرة عن اتفاق أمني، الهدف الأوحد منه نزع سلاح المقاومة، دون إجبار الاحتلال على الانسحاب من أراضي الجنوب المحتلة.

وهو ما يبدو أنه مسار مشابه في سوريا، إذ دخلت حكومة الاحتلال في جولات مفاوضات مع المسؤولين السوريين، لكن تحت سقف أمني فقط، إذ قد تسعى إلى إقامة ترتيبات أمنية بالشراكة مع دول في المنطقة، وإشراف الإدارة الأمريكية، دون أن تنفذ انسحابات من الأراضي السورية، وتستمر لسنوات في الاحتلال وترسيخ أمر واقع، باستخدام مزاعم "الخوف من تشكيل سوريا تهديداً على المستوطنات الإسرائيلية".

وتستخدم دولة الاحتلال وحلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سوريا، بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات، للضغط على الدولة، لإجبارها على الدخول في مسار سياسي قائم على أهداف أمنية، ترى فيها "إسرائيل" خدمة لها.

تزامناً مع تأهب إسرائيلي دائم، في سياق نوع جديد من ما يسمى "المعركة بين الحروب"، وهي المعركة داخل حرب كبيرة، قائمة على استهداف أي مساعي لتقوية الجيش السوري، حتى من أطراف لهم علاقات مع دولة الاحتلال، ضمن ما تقول الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية إنه درس تعلمته من السابع من أكتوبر، وهي مهاجمة أي طرف في المنطقة ترى فيه تهديداً مستقبلياً لها، حتى دون انتظار فحص نواياه الحقيقية.

وتظهر الإدارة الأمريكية في هذا المشهد بوصفها راعياً لمسارات متعددة في كل المنطقة، كلها تجتمع في سياق محاولة بناء هيمنة أمريكية - إسرائيلية متجددة، بعد الهزة المنطلقة من عملية "طوفان الأقصى"، ثم صمود قوى المقاومة ومعها إيران، رغم الضربات القاسية.

تحاول أمريكا نزع سلاح المقاومة في لبنان، والفصائل العسكرية في العراق، وشن حملة على "أنصار الله" في اليمن، وتحطيم إيران، وتحويل سوريا إلى شريك أمني لدولة الاحتلال، وتثبيت السيطرة الإسرائيلية في الجنوبين السوري واللبناني، والالتفاف على المطالب الفلسطينية في قطاع غزة، وتدعيم المواقف الإجرامية لنتنياهو وحكومته، الرافضة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، وإدامة الدمار وحرب الإبادة بأشكال أخرى.

وما يخرج من تسريبات، في كل فترة، على وسائل إعلام إسرائيلية أو أمريكية، عن خلافات بين الإدارة الأمريكية ونتنياهو، تكذبه الأحداث في كل مرة، حين يتفق الطرفان على الاستراتيجيات العدوانية، ويشتركان في العدوان المفتوح على الشعوب العربية والإسلامية وقوى المنطقة، رغم بعض الخلافات في التفاصيل.

يقول مشهد المنطقة العربية والإسلامية، مع ما تتعرض له من عملية عدوانية إسرائيلية مدعومة أمريكياً، إن التفاوض مع دولة الاحتلال أثبت فشله، في ظل الغطرسة الإسرائيلية العالية، والدفع نحو مزيد من احتلال الأراضي العربية، لذلك لا يظهر في الأفق تحقق لأي فوائد تكتيكية أو استراتيجية، أو انسحابات إسرائيلية حتى من أراضي صغيرة، لذا فإن الحل يبدو في توحد القوى الشعبية والرسمية لمواجهة حرب الإبادة والضغط على "إسرائيل" والإدارة الأمريكية.

وتؤكد الوقائع المتعددة، في السنوات الثلاثة الماضية، أن مستوى الغطرسة غير المسبوق في دولة الاحتلال يدفعها نحو تثميره على حساب العرب وأراضيهم، خاصة أنها تقرأ غياب حراك عربي وإسلامي موحد نحو التصدي لعدوانها، رغم بعض التحالفات المنعقدة مؤخراً، إلا أنها مستمرة في العدوان، وإعلان رفض الالتزام بالاتفاقيات الموقعة برعاية الإدارة الأمريكية، المتحفزة لتفسير البنود على ما يناسب حكومة نتنياهو.