من «الفرقة الناجية» إلى «الوظيفة الناجية»، أي نظام فلسطيني يراد لنا؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

لم تعد المخاطر التي تواجه قضيتنا الوطنية تقتصر على ما تفعله إسرائيل بالأرض الفلسطينية من استعمار استيطاني وضم وتهجير وتقطيع للجغرافيا، بل تمتد إلى سؤال ربما يكون أشد خطورة وهو: ما الذي يراد أن يبقى من النظام السياسي الفلسطيني، وبأية وظيفة، بعد إعادة تشكيل الأرض والواقع السياسي المحيط بها؟

وقد أثار انتباهي في هذا السياق مقال للصديق د. عبد المجيد سويلم بعنوان «الخطر القادم والفرقة الفلسطينية الناجية»، طرح فيه تعبيراً لافتاً هو «الفرقة الناجية»، في إشارة إلى الطرف الفلسطيني الذي يمكن أن يجد لنفسه مكاناً في الترتيبات المقبلة، من خلال القبول بفصل غزة عن الضفة، وتحويل القطاع إلى كيان ذي ترتيبات خاصة، واختزال الدور الفلسطيني في الضفة إلى إدارة سكانية محدودة الصلاحيات.

أتقاطع مع جوهر هذا التحذير إلى حد كبير، لكن الفكرة تفتح في تقديري سؤالاً آخر ربما يتجاوز البحث عن هوية «الفرقة الناجية» نفسها، يتمثل في: هل الأخطر هو مَن يراد له أن ينجو فلسطينياً، أم الوظيفة التي يراد لها أن تنجو من النظام السياسي الفلسطيني؟

فقد لا يحتاج المشروع الجاري إلى «فرقة» فلسطينية تعلن صراحة قبولها بتصفية القضية أو فصل غزة عن الضفة. الأخطر أن يجري إنتاج القبول بهذه الوقائع تدريجياً، تحت ضغط الضرورة والتمويل وإعادة الإعمار والخوف من انهيار المؤسسات والحاجة إلى استمرار الخدمات، بحيث تتحول خطوات تبدو مؤقتة أو اضطرارية إلى بنية سياسية دائمة.

وهنا يصبح السؤال عن «الوظيفة الناجية» أكثر إلحاحاً.

ففي غزة، يجري الحديث عن ترتيبات إدارية وأمنية وإعمارية جديدة، وعن لجان وقوى دولية ومشاريع لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بينما يبقى السؤال السياسي الأساسي معلقاً وهو: هل تعود غزة جزءاً من كيان سياسي فلسطيني موحد، أم تتحول تدريجياً إلى مساحة تُدار بترتيبات خاصة، تنفصل وظيفياً وسياسياً عن بقية الأرض الفلسطينية؟

وفي الضفة الغربية يجري مسار مختلف في الشكل، لكنه قد يقود إلى النتيجة ذاتها. فالاستيطان والضم لم يعودا مجرد توسع عمراني في المنطقة «ج»، بل باتا جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا والسيطرة على الأرض، وتقطيع التواصل بين التجمعات الفلسطينية، وعزل القدس وفرض القوانين الإسرائيلية، بالتوازي مع تصاعد إرهاب المستوطنين ومحاولات إبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم.

وهكذا قد نجد أنفسنا أمام مشهد يجري بناؤه قطعةً قطعة على طريقة لعبة الليجو: غزة بترتيبات خاصة، وضفة مقطعة جغرافياً بكانتونات، وقدس معزولة، ومؤسسات فلسطينية يُسمح لها بإدارة السكان والخدمات من دون سيادة حقيقية أو أفق سياسي يقود إلى إنهاء الاحتلال، واستبعاد لدور شريحة من شعبنا الذين تحملوا عبء النضال الوطني في فترات سابقة.

عندها لا يعود ضرورياً إلغاء النظام السياسي الفلسطيني، قد يكون المطلوب الإبقاء عليه، ولكن بعد تغيير وظيفته.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر،

فمن الأسهل سياسياً ودولياً إبقاء مؤسسات فلسطينية تحمل أسماء السلطة والحكومة وربما الدولة، وتتولى التعليم والصحة والبلديات والخدمات وبعض الوظائف الأمنية، بينما تبقى الأرض والحدود والمياه والموارد والمجال الجوي والحركة تحت السيطرة الإسرائيلية.

وبذلك لا تجري تصفية المشروع الوطني بقرار واحد معلن، بل يجري تفريغه تدريجياً من مضمونه التحرري، وتحويل القضية من قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره وإنهاء الاحتلال وتجسيد دولته ذات السيادة، إلى قضية سكان يحتاجون إلى إدارة وتمويل وخدمات وتحسين شروط حياتهم تحت واقع سياسي يراد له أن يصبح دائماً.

وهنا تكمن خطورة ما يمكن تسميته «الواقعية الاضطرارية»، فقد يبدأ الأمر بالحاجة الملحة إلى إعادة إعمار غزة، ثم ضرورة إدارة شؤون السكان دون اعتبارهم شعباً، ثم ضرورة الحفاظ على المؤسسات في الضفة ومنع انهيارها، ثم ضرورة حماية جزء من الرواتب والخدمات، ثم يأتي تأجيل الأسئلة السياسية الكبرى بحجة أن الظروف لا تسمح بطرحها الآن.

كل خطوة منفردة يمكن أن تبدو مفهومة، بل وضرورية في بعض الأحيان، لكن مجموع هذه الخطوات، إذا انفصل عن رؤية وطنية واضحة، يمكن أن يقود إلى مكان مختلف تماماً، إلى إدارة فلسطينية دائمة للاحتلال بدلاً من مشروع فلسطيني تحرري لإنهائه.

ولهذا لا ينبغي أن ينحصر السؤال في البحث عن «الفرقة الفلسطينية الناجية»، فربما لا تكون هناك فرقة جاهزة بأسماء محددة تنتظر أن تتسلم دورها. الأخطر أن تُنتج الترتيبات الجديدة أصحاب هذا الدور تدريجياً، وأن تنشأ حوله مصالح وقوى اقتصادية واجتماعية وسياسية وممكن أمنية تجد في استمرار الوظيفة الجديدة شرطاً لاستمرار وجودها ومصالحها بما تشكله من مراكز نفوذ.

وعندها نجد السؤال أمامنا: ما الذي يُراد الإبقاء عليه من النظام الفلسطيني؟

هل تبقى السلطة باعتبارها محطة انتقالية كان يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة المستقلة، أم يعاد تعريفها باعتبارها إدارة دائمة للسكان؟

وهل تبقى منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي السياسي للشعب الفلسطيني وحاملة مشروعه الوطني التحرري، أم يجري تهميشها لمصلحة لجان وهياكل وترتيبات تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم تجمعات جغرافية منفصلة، لكل منها احتياجاتها وإدارتها؟

وهل تصبح الانتخابات، إذا أُجريت، مدخلاً لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات والمشروع الوطني، أم تتحول إلى عملية لإعادة إنتاج مؤسسات تعمل داخل الحدود التي يرسمها الاحتلال والترتيبات الخارجية؟

من هنا تصبح قضايا تبدو منفصلة، مثل الانتخابات وإصلاح منظمة التحرير واستنهاض «فتح» والحركة الوطنية وإنهاء الانقسامات، أجزاءً من معركة سياسية واحدة.

فاستنهاض «فتح» لا يمكن أن يقتصر على إعادة ترتيب الأطر والأسماء، إذا لم يستعد للحركة هويتها ودورها كحركة تحرر وطني دون تهميش القوى الحية فيها أو استبعادها، وإعادة المراجعة وممارسة النقد. وإصلاح منظمة التحرير لا يكتمل من دون استعادة دورها في تمثيل الشعب الفلسطيني كله وقيادة مشروعه. والانتخابات لا تحقق غايتها بمجرد وضع صناديق الاقتراع إذا لم تكن جزءاً من إعادة بناء نظام سياسي ديمقراطي برلماني يستمد شرعيته من الشعب ويكون قادراً على مواجهة الاحتلال، لا مجرد التكيف مع شروطه.

والأمر نفسه ينطبق على إنهاء الانقسامات، فالوحدة المطلوبة ليست مجرد مصالحة بين «فتح» و«حماس» أو بين أطراف أخرى، وإنما إعادة اللحمة الداخلية المستحقة لكل من أطراف الحركة الوطنية أولاً وبالمقدمة ومنها فتح، تثبيت وحدة الشعب والأرض والقضية والتمثيل السياسي في مواجهة مشروع يسير في الاتجاه المعاكس يتمثل في فصل غزة عن الضفة، وتقطيع الضفة نفسها، وعزل القدس، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى وحدات سكانية ذات احتياجات ومسارات منفصلة.

ومن هنا أيضاً لا يجوز أن نعفي أنفسنا من المسؤولية بإلقاء كل شيء على المشروع الإسرائيلي والأميركي. فالمشاريع الخارجية تجد فرصتها حين يضعف العامل الفلسطيني الذاتي، أو حين تجد من يتعامل معه، وتتراجع المؤسساتية، ويتحول الانقسام إلى واقع مزمن، وتضيق المشاركة السياسية الواسعة، ويبتعد المواطن عن صناعة القرار بل وأحياناً لا يجد قيمة بالمشاركة في صناعته، ويصبح الحفاظ على القائم بديلاً عن التفكير في كيفية تغييره.

لذلك فإن المواجهة تبدأ فلسطينياً أيضاً، باستعادة السياسة باعتبارها فعلاً وطنياً، وإعادة بناء المؤسسات على قاعدة المشاركة الواسعة والمساءلة والانتخابات، وتفعيل منظمة التحرير، وإنهاء الانقسامات، وإعادة تعريف وظيفة السلطة في سياق مشروع التحرر الوطني، لا خارج هذا المشروع.

فالخلاف الحقيقي في المرحلة المقبلة قد لا يكون بين من يريد «فتح» ومن يريد «حماس»، ولا بين السلطة ومعارضيها، ولا بين قوائم انتخابية متنافسة.

الخلاف الأعمق سيكون بين مشروعين:

الأول: مشروع يقبل بإدارة ما يتبقى للفلسطينيين من أرض وسكان تحت سقف الاحتلال.

والثاني: مشروع يتمسك بإعادة بناء حركة تحرر وطني ونظام سياسي تكون وظيفته إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال الوطني.

لذلك فإن السؤال الذي أثاره مفهوم «الفرقة الناجية» يقودنا إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية وهو:

ما الذي نريد نحن الفلسطينيين أن ينجو؟

إذا كان الجواب هو المشروع الوطني التحرري، فإن المطلوب ليس البحث عن مكان لنا داخل الترتيبات التي تُصاغ من حولنا وخارجنا، ولا اختيار أفضل موقع داخل واقع يراد فرضه علينا، بل إعادة بناء العامل الفلسطيني القادر على رفض هذه الترتيبات وتغيير موازين الفعل في مواجهتها.

إن فلسطين لا تحتاج إلى إدارة أفضل للاحتلال، بل إلى مشروع وطني متجدد ببرنامجه وأدواته قادر على إنهائه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد