شبكة راية الإعلامية - 8/28/2026 7:29:21 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
لقد سرق يعقوب النبوة والبركة من أخيه عيسو (العيس)، وسرق نفتالي هيرتس إيمبر فكرة الأمل (هتكفاه) من قصيدة الشاعر والأديب البولندي يوليوش سلوفاكي، أما شموئيل كوهين فقد سرق اللحن من الأغنية الرومانية "عربة الثيران"، بينما وضع ثيودور هيرتزل العلماني الملحد أسس اغتصاب فلسطين، اما المستوطنون فهم يريدون استكمال نهب الأرض الفلسطينية، وقائمة اللصوص تطول وآخِرها ميليكوفيسكي ( نتنياهو) الذي سلب أرواح عشرات آلاف الأطفال والنساء في غزة والضفة، ويسعى للسرقة الأمل من عيون الفلسطينيين، مدفوعاً برغبة محمومة لتوسيع دائرته الإجرامية نحو الشرق الأوسط برمته.
وفي ذات السياق، فإن تاريخ الأناشيد القومية والمشروعات الاستعمارية نادراً ما يُكتب بمداد الصدفة البحتة، بل يُنسج غالباً عبر تداعيات ثقافية عميقة، وأدب مهمش، وأساطير سياسية مُخترعة تخدم أجندات محددة، وقصة نشيد "هتكفاه" (الأمل) تُمثل نموذجاً فريداً لهذا التداخل التاريخي الدقيق، إذ تتشابك فيها خيوط الأدب الرومانسي البولندي، والفولكلور الموسيقي لأرياف أوروبا الشرقية، والمنفى المأساوي لصانع كلماتها، وصولاً إلى الانعطافة الفكرية الكبرى لثيودور هيرتزل بعد صدمة "قضية دريفوس".
إن تتبع هذه الخيوط لا يكشف فقط عن أصل ترنيمة عابرة، بل يفتح الباب أمام قراءة نقدية وموسعة لكيفية تشكل الوعي القومي الحديث وتفكيك أساطيره الكبرى التي أنتجت مسارات صراعية ممتدة حتى يومنا هذا في منطقة الشرق الأوسط.
يعود الإطار الفكري والنفسي للقصيدة إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين سطر الشاعر والمسرحي البولندي البارز يوليوش سلوفاكي رائعته الدرامية "مازيبا" عام 1840. لم تكن المسرحية مجرد سرد لمغامرات تاريخية عابرة أو دراما تقليدية لقصور النبلاء في أوروبا الشرقية، بل جسدت بعمق جوهر ما يُعرف في الأدب العالمي بـ "المسيحية البولندية المعذبة" وفلسفة البعث والتحررالقومي عبرالألم والهزيمة، وهي تيمة طالما مجدت التمرد والتشوق للحرية في وجه الإمبراطوريات الكبرى المحتلة التي تقاسمت أراضي بولندا طويلاً.
وقد تًشرب الشاعر نفتالي هيرتس إيمبر، الذي وُلد ونشأ في أجواء مقاطعة جاليشيا التاريخية المشبعة بتلك التطلعات الأدبية والرومانسية، هذا المناخ الفكري المتفجر، فصاغ قصيدته متأثرة تماماً بروح الانبعاث والتشوق للوطن التي سادت الأدب البولندي والأوروبي الشرقي آنذاك، لتكون انعكاساً لحنين قومي مبكر سبق تماماً التبلور التنظيمي للحركة الصهيونية التي لم تكن قد وُلدت بعد في تلك التواريخ المبكرة التي شهدت الإرهاصات الأولى للمستعمرات الزراعية.
أما البناء الموسيقي الشهير فلم يخرج من فراغ أكاديمي أو قاعات العرض الكلاسيكية الفخمة، بل سرقه الموسيقي شموئيل كوهين من ذاكرته الطفولية العالقة بريف مولدوفا ورومانيا، اعتمد كوهين على قالب لحني مستمد من التراث الفولكلوري الروماني-المولدوفي المعروف تقليدياً باسم "عربة الثيران"، وهو لحن شعبي ريفي تعود جذوره البعيدة والمتشعبة إلى ألحان عصر النهضة الأوروبية وأغاني الفلاحين المتوارثة عبر الأجيال في تلك السهول الواسعة.
وبإبطاء إيقاع هذا الفولكلور الشجي وتحويله من أغنية فلاحية مرحة إلى ترنيمة ملحمية مهيبة، منح كوهين قصيدة إيمبر قالباً وجدانياً خاطب مشاعر المهاجرين الأوائل في المستوطنات الزراعية، رغم أن الأصول الأولى لهذا اللحن بقيت متجذرة بعمق في الإرث الموسيقي الشعبي الفلاحي لأوروبا الشرقية بعيداً عن أي تأليف كلاسيكي معاصر أو نسبة لملحن فردي محدد سلفاً.
لم تكن رحلة إيمبر نفسه أقل شجناً وتأسيساً للمأساة الإنسانية من مسار قصيدته؛ فقد هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1892 باحثاً عن استقرار عجز عن إيجاده في أوروبا الممزقة، وقضى أيامه الأخيرة في فقر مدقع ومكابدة قاسية مع إدمان الكحول، متجولاً بلا مأوى حقيقي في شوارع نيويورك. وتشير السير الذاتية وشهادات معاصريه إلى أنه في لحظات اليأس والفاقة الشديدة اقترب من الدوائر التبشيرية المسيحية طلباً للمأوى والمعونة، متوفياً في نيويورك عام 1909 وحيداً دون أن يدرك أن نصه البسيط سيتحول لاحقاً إلى رمز قومي طاغٍ.
غير أن مسار هذا النص لم ينته بوفاة كاتبه المعذَب، إذ تطلّب تحوله إلى رمز رسمي عقوداً طويلة من الزمن؛ فقد جوبه في البداية بتحفظ شديد من ثيودور هيرتزل نفسه الذي بحث عن بدائل موسيقية وأدبية أخرى، لكن الإصرار الشعبي والوجداني للمستوطنين فرض نفسه ليتم اعتماد النص رسمياً من قِبل المؤتمر الصهيوني في براغ عام 1933، وصولاً إلى إقرارها نهائياً بقانون أساسي في البرلمان الإسرائيلي بمنتصف الألفية الثانية لتكتمل الدائرة الرسمية للنشيد.
تكتمل هذه الدائرة التاريخية الكبرى بالدور المفصلي لثيودور هيرتزل الذي غير مجرى التاريخ الحديث برمته من خلال رؤيته السياسية، بدأ هيرتزل مسيرته كصحفي وكاتب علماني مُؤمناً بالاندماج الكامل داخل المجتمعات الأوروبية المستنيرة والحديثة، وبعيداً عن أي نزعة دينية أو تطلع لكيان لاهوتي قومي، إذ كان يرى في الذوبان الثقافي الحل الأوحد لمسألة الأقليات.
غير أن محاكمة الضابط الفرنسي اليهودي ألفرد دريفوس عام 1894 وما رافقها من موجات عداء سافرلليهود في قلب عاصمة الأنوار شكلت لديه زلزالاً فكرياً ونفسياً هائلاً نسف كل قناعاته السابقة، استنتج هيرتزل من هذه الصدمة استحالة الاندماج وتحول جذرياً نحو فكرة الانفصال القومي في كتابه الشهير "دولة اليهود"، مؤسساً لمشروع سياسي علماني بحت استعار لاحقاً الرمزيات الفلكلورية والشعبية المتداولة ليصيغ من خلالها الهياكل الكبرى لوعي تلك المرحلة التاريخية المعقدة.
غير أن هذا المشروع استند في جوهره الإيديولوجي إلى أساطير ، أبرزها المقولة الاستعمارية الشهيرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي دعاية كاذبة سعت إلى محو الوجود البشري، الحضاري، والثقافي الفعلي للشعب الفلسطيني الذي كان يفلح أرضه، ويدير مدنه، ويمارس حياته الطبيعية لقرون طويلة.
لم تكن فلسطين مساحة فارغة تنتظر من يعمرها، بل كانت مجتمعاً حياً متكاملاً، وتطلب تمرير المشروع الصهيوني تجاهل هذا الوجود تماماً عبر تسويق استعماري استيطاني يصور الأرض وكأنها مستباحة لمن يسبق إليها، متجاهلاً ملاكها الأصليين الذين تعرضوا لاحقاً لعمليات اقتلاع وتطهير عرقي مأساوية.
وعلى الجانب المقابل، تبرز إشكالية كبرى تتعلق بمفهوم الهوية والتشكك في ماهية "الشعب اليهودي" نفسه كأمة واحدة متجانسة، إن تحويل الشريعة اليهودية، وهي معتقد روحي وفقهي يعتنقه أفراد من مختلف الأعراق والثقافات والجغرافيات عبر العالم، إلى "قومية سياسية" هو بناء اصطناعي حديث نسبياً يعاني من أزمات بنيوية عميقة.
فمن الناحية الواقعية والتاريخية، اليهود في كل دول العالم ليسوا إسرائيليين، بل هم مواطنون أمريكيون، فرنسيون، بريطانيون، مغاربة، أو إيرانيون، ينتمون إلى أوطانهم الأصلية ويحملون ثقافات ولغات وولاءات تلك الدول، بعيداً عن أي رابط سياسي موحد.
المجتمعات الإسرائيلية نفسها اليوم تتألف من شظايا إثنية وثقافية شديدة التباين والاختلاف؛ فهناك اليهود الأشكناز القادمون من أوروبا، واليهود السفارديم والمزراحيون القادمون من العالم العربي والإسلامي، ويهود الفلاشا (بيتا إسرائيل) القادمون من إثيوبيا، وصولاً إلى المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفيتي السابق.
هذا التعدد الانثروبولوجي واللغوي والثقافي الهائل يطرح تساؤلات وجودية حول ما يجمع هؤلاء حقاً سوى الأيديولوجيا السياسية الاستيطانية وقوة السردية الدينية المسيسة، مما يثبت أن محاولة صهر جماعات بشرية متباينة في بوتقة قومية واحدة أدت إلى تراتبية اجتماعية وعنصرية داخل الكيان نفسه، ليظل الادعاء بوجود قومية يهودية أبدية متجانسة مجرد سردية أيديولوجية تنهار أمام الفحص التاريخي والواقع المعاصر.
إن تاريخ الخطابات الأيديولوجية التي بنيت على الأساطير والمحو، لا يمكن لها أن تحجب الحقيقة التاريخية الأبقى؛ فتلك المحاولات المستمرة لهندسة الهويات وصهر الشعوب تظل مساعي مؤقتة أمام قوة الحقائق الراسخة المتجذرة في الأرض. مهما تمددت السرديات الاستعمارية وتزيّنت برموز مستعارة من فولكلور الشعوب ومنفاها، فإن العدالة الإنسانية والتاريخية تظل وازناً حتمياً لا يمحوه الزمن. إن الحقوق الأصيلة والملكية التاريخية لأصحاب الأرض الحقيقيين تظل حية ونابضة، تؤكدها شواهد الواقع ومقاومة الذاكرة، لتبقى العبرة الأزلية بأن كل مسلوب مهما طال ليله لابد أن يعود إلى أصحابـه يوماً.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


